trial

موسوعة الفرق

المبحث الثالث: علوم الصوفية بين الهبة والاكتساب


المراد بالعلوم الوهبيـة هـي العلوم التي يحصلها الإنسان بلا جهد وذلك بتحصيلها مـن الله تعالى  مباشـرة، وبعضهـم يسميهـا العلـوم اللدنيـة مستدليـن بقوله تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا[الكهف:65].
والمراد بالعلوم الكسبية هي التي يحصلها الإنسان عن طريق التعلم والقراءة والكتابة وعن طريق التلقي من المشايخ والعلماء.
والناظر في كتب الصوفية الأوائل والكتب التي تتحدث عنهم يجد كثيراً من الأقوال المنسوبة لشيوخهم تبين أن علومهم من قبيل الكسبية المستمدة من الكتاب والسنة فمن أقوال شيوخهم:
قول القشيري: " اعلموا أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، وصانوا بها عقائدهم من البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة " وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: " كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل ".
وقال الجنيد بن محمد: " من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة". وقال: " الطرق كلها مسدودة عن الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم ".
وقال أبو حمزة البغدادي: " لا دليل على الطريق إلى الله إلا بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحواله وأقواله وأفعاله ".
هذه الأقوال تدل على ما كان عليه أولئك الشيوخ ومتقدموا الصوفية ولكن الذين جاءوا بعدهم ومتأخروهم أدخلوا أموراً على التصوف تخالف ما كان عليه أوائلهم.
وحقيقة " التصوف إيمان ثم علم ثم عمل، وذلك يكون متقدم على علوم الصوفية بالضرورة …… فأما العلم السابق عن العمل فكسبي يأتي من جانب الإنسان وما يبذله في تحصيله من جهد ويقوم على الدليل والبرهان.
أما العلم الحاصل بعده – فهو العلم الوهبي – وهو ما يطلق عليه الصوفية اسم (المعرفة) أو العرفان. الذي تحصل فيه المشاهدة والعيان فيتميز أنه وهبي من لدن الله تعالى ".
وإلى هذه يشير الإمام أبو حامد الغزالي  إلى العلم الكسبي والوهبي فيقول: " أما العلم فهو العلم بالأمور الدنيوية والآخروية والحقائق العقلية …… وهي تتحصل له - أي العلوم الكسبية – بالتجارب والفكر، والناس في هذا مراتب لا تحصى يتفاوت الخلق فيها بكثرة المعلومات وقلتها وبشرف المعلومات وخستها وبطريق تحصيلها.
ثم يتحدث بعد ذلك عن العلوم الوهبية وهي التي " تحصل لبعض القلوب بإلهام إلهي على سبيل المبادأة والمكاشفة …… وهي درجات …… وأقصى الرتب رتبة النبي صلى الله عليه وسلم الذي تنكشف له كل الحقائق أو أكثرها من غير اكتساب وتكلف، بكشف إلهي في أسرع وقت. ويقول عبد الحليم محمود: إن المشاهدة الصوفية ليست ثقافة كسبية ولا يتأتى التحدث عن مصادرها الخارجية أياً كانت هذه المصادر … لأن المعرفة الصوفية استمداد من مصدر النور والهداية.
من أقوال الصوفية في العلم الوهبي واعتراضهم على العلوم الكسبية قول أبي يزيد البسطامي لعلماء عصره: أخذتم علمكم من علماء الرسوم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت.
وقد أرسل ابن عربي رسالة إلى الفخر الرازي صاحب (التفسير) يقول فيها: اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك أن الرجل لا يكتمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله عز وجل بلا واسطة من نقل أو شيخ.
وإذا كان طريق تحصيل العلوم الشرعية المكتسبة هي الكتاب والسنة وتلقي العلوم المتعلقة بهما من العلماء كالتفسير وشروح كتب السنن، فإن طريق تحصيل العلوم الوهبية تكون عن طريق: -
1- الكشف: ويقول عنه الغزالي: هو العلم اليقيني الذي تنكشف فيه العلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم ولا يتسع القلب لتقدير ذلك وهو كما سبق تعريفه الاطلاع  على ما وراء الحجب من المعاني الغيبية.
2- الذوق: وهو نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه ويفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره.
3- الوجد: وهو ما يصادف القلب دون تكلف.
4- الإلهام: وهو ما يلقى في الروع بطريق الفيض أو هو ما وقع في القلب من علم.
أو هو الاطلاع  على أسرار الغيب بعين البصيرة في عالم المثال بلا شك ولا شبهة اطلاعاً غيبياً.
5- الفراسة: وهي معرفة حال الإنسان عن طريق النظر إليه وذلك بقياس حاله على أمثاله من خلال التجربة أو من خلال ما يراه الناظر، أو من خلال ما يجده في نفسه، أو هي قدرة المؤمن التقي على توسم الخير أو الشر بمن حوله من الأشخاص والكائنات. ويستدلون على ذلك بالحديث ((اتق فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) رواه الترمذي (3127) والطبراني (7513) وقال الترمذي غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقال الهيثمي في المجمع (10/268) إسناده حسن، وقال الألباني ضعيف
6- الرؤى المنامية: واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)) رواه البخاري (6987) ومسلم (2263) وفي رواية الرؤيا الصالحة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له)) رواه مسلم (479)
وهذه الأمور جميعها عرضة للوقوع في الخطأ لذا يجب أن يكون الفاصل في ذلك هو الكتاب والسنة، لأن كل علم يحصل للإنسان من غير طريقهما قد يكون من قبيل الضلال والباطل والأحوال الشيطانية والأوهام والتخيلات.
ولقد دخل للتصوف كثير من البدع والضلالات بسبب الكشف والرؤية والإلهام...مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص45- 49

انظر أيضا: