موسوعة الفرق

المبحث الثاني: مصطلحات الصوفية


 إن للصوفية مصطلحات تعبِّر عنها ألفاظ وكلمات وتراكيب، ولها معان خاصة ومطالب مخصوصة غير ما يدّل عليه ظاهر الألفاظ والكلمات أو تتضمّن هذه الكلمات والألفاظ على مدلولاتها الأصلية ولكن لها معان أعمق وأكثر من مفهومها ومدلولها الظاهر بداهة ولأول وهلة فإنها لم توضع إلا لنوع معيّن وقسم خاص من المفاهيم والمقاصد الغير المتبادر إليها الذهن، ولكل قوم ما اصطلحوا عليه، فلا يدرك أبعادها، ولا يفهم مطالبها إلا من كان له معرفة وإلمام، وعلم وإدراك بمصطلحات القوم وبما اختاروا لها من الكلمات والألفاظ هي كالألفاظ، والكلمات كالكلمات ولكن لا يفهم منها شيئاً مع معرفته باللغة التي استعملت فيها تلك الألفاظ والكلمات، وإتقانه إياها، ويستغرب ويتعجب ويضل في متاهاتها، ويتحيّر في مسالكها وصحاريها وبراريها، وما أصدق ما قاله السمعاني في هذا الخصوص نفسه كما ينقل عنه الإمام الذهبي أنه قال:
(كان عبد القادر من أهل جيلان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح ديّن خيّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة، تفقّه على المخرّمي، وصحب الشيخ حماداً الدباس، وكان يسكن بباب الأزج في مدرسة بنيت له، مضيناً لزيارته، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فألقى درساً ما فهمت منه شيئاً، وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس، فلعلهم فهموا لإلفهم كلامه وعبارته) ((سير أعلام النبلاء)) للإمام الذهبي (20/441).
فلم يفهم منه شيئاً لأنه لم يكن له علم بمصطلحات القوم ومدلولات كلماتهم، وفي مثل ذلك قال من قال:


أما الخيام فإنها كخيامهم




وأرى نساء القوم غير نسائها

وقد أقرّ بذلك صوفي قديم نقلا عن الشبلي أنه أنشد:


علم التصوف علم لا نفاد له




علم سنيّ سماوي ربوبيّ


فيه الفوائد لأرباب يعرفها




أهل الجزالة والصنع الخصوصي ((التعرف لمذهب أهل التصوف)) لأبي بكر محمد الكلاباذي (ص: 106) ط مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة 1980م.

وكثيراً ما يمر على القارئ ألفاظ لها معناها الظاهر والعادي، لكن القوم يستعملونها كاصطلاح خاص تعبيراً عن فلسفة مخصوصة وعقيدة مميّزة يؤمنون بها ويعتقدون فيها فهو لعدم معرفته لا يدرك حقيقتها فلا يصل إلى الفهم الصحيح والمعنى الحقيقي الذي يجعله مطلعاً على مذهب القوم ومشربهم، فأردنا في هذا الباب أن نذكر بعض المصطلحات التي عليها تدور رحى التصوف،... ولا بدّ لمن أراد التعرف لمذهب أهل التصوف من أن يعرفها والمفاهيم التي وضعت لأجلها، وآنذاك يصل إلى الكنه والمغذي والمقصود والمطلوب.
ولقد كثر استعمال مصطلحات (الحقيقة المحمدية) و(القطب) و(الأبدال) و(الأوتاد) وغيرها... ومنها:
- الغيبة:
وهي عندهم: (أن يغيب عن حظوظ نفسه فلا يراها) ((التعرف لمذهب أهل التصوف)) (ص: 140).
ويقول القشيري والكمشخانوي: (هي غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق بما يرد عليه، ثم قد يغيب عن غيره فقط، وقد يغيب عن غيره وعن نفسه أيضاً إذا عظم الوارد) ((الرسالة القشيرية)) (1/232), أيضاً ((جامع الأصول في الأولياء)) للكمشخانوي (ص: 254).
وينشد الكمشخانوي:


أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده




ويفرح بالتيه الدنيّ وبالأنس


فلو كنت من أهل الوجود حقيقة




لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي


وكنت بلا حال مع الله واقفاً




خليّاً عن التذكار للجن والأنس ((جامع الأصول في الأولياء)) لأحمد الكمشخانوي (ص: 125).

ويقول الهجويري: (المراد من الغيبة غيبة القلب عما دون الحق إلى حدّ أن يغيب عن نفسه، حتى أنه بغيبته عن نفسه لا يرى نفسه) ((كشف المحجوب)) للهجويري (ص: 489).
وبمثل ذلك قال الطوسي أنظر: ((كتاب اللمع)) للطوسي (ص: 416).
وينقل الدكتور عبد الحليم محمود عن سيده أحمد الدردير أنه قال مبيناً حالة غيبته عن نفسه: (حتى لو تكلّم الناس وأنا معهم بكلام وخاطبوني به لا أدري ما قالوا، وهم لا يعلمون مني هذا الحال، لأني صورتي الظاهرية صورة العاقل الصاحي، وهذا أمر عجيب لا يعرفه إلاّ من ذاقه) ((سيدي أحمد الدردير)) للدكتور عبد الحليم محمود (ص: 77) ط دار الكتب الحديثة القاهرة.
فمعنى الغيبة عند الصوفية هو أن يغيب الإنسان عن فكرة وذهنه ووجوده لا يدري ما يقع في الكون ولا يفهم كلام الناس، فظاهره معهم، وباطنه غائب عنهم، وهذا مقام سنيّ عندهم يحوزه كبار أوليائهم ومشايخهم، فيحكون عن ذي النون المصري أنه: (بعث إنساناً من أصحابه إلى أبي يزيد، لينقل إليه صفة أبي يزيد. فلما جاء الرجل إلى بسطام سأل عن دار أبي يزيد: ماذا تريد؟ فقال: أريد أبا يزيد.
فقال: من أبو يزيد؟ وأين أبو يزيد؟ أنا في طلب أبي يزيد.
فخرج الرجل، وقال: هذا مجنون.
ورجع الرجل إلى ذي النون فأخبره بما شاهد، فبكى ذو النون وقال، أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين إلى الله ((الرسالة القشيرية)) (1/234, 235), ((كشف المحجوب)) للهجويري (ص: 490), ((إيقاظ الهمم)) لابن عجيبة (ص: 308), ((مشارق أنوار القلوب)) للدباغ (ص: 103), ((ترصيع الجواهر المكية)) (ص: 42).
ومثل ذلك حكى ابن عجيبة عن الشبلي أنه قال له رجل: أين الشبلي؟ قال: مات، لا رحمه الله ((إيقاظ الهمم)) لابن عجيبة الحسني (ص: 308) ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة.
فهذه هي الغيبة الصوفية، يقولون: أن الإنسان ليستغرق في ذكر الله تعالى ومحبته حتى أنه ينسى نفسه، والمعلوم شرعاً وعقلاً أن ذكر الله عز وجل لا يستجلب هذا النوع من الجنون والهذيان، بل يثمر الراحة والاطئنان والسكينة أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]
فنسيان الكون والنفس وذهاب العقل والفهم أمر مذموم، وليس شيئاً محموداً حتى يكون من ثمرات ذكر الله تعالى ومحبته، بل أنها أذواق شيطانية لا تقرها الشريعة الإسلامية.
هذا ويذكر القشيري صوفياً غاب فكره وذهنه وعقله وفهمه، وهو أبو علي الدقاق، فيحكي عن أبي نصر المؤذن بنيسابور أنه قال: (كنت أقرأ القرآن في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق بنيسابور، وقت كونه هناك وكان يتكلم في الحج كثيراً، فأثر في قلبي كلامه، فخرجت إلى الحج تلك السنة، وتركت الحانوت والحرفة، وكان الأستاذ أبو علي رحمه الله خرج إلى الحج أيضاً في تلك السنة، وكنت مدة كونه بنيسابور أخدمه وأواظب على القراءة في مجلسه، فرأيته يوماً في البادية: تطهر ونسي قمقمة كانت بيده، فحملتها، فلما عاد إلى رحلة وضعتها عنده، فقال: جزاك الله خيراً. حيث حملت هذا.
ثم نظر إليَ طويلاً كأنه لم يرني قطَ، وقال: رأيتك مرة. فمن أنت؟ فقلت: المستغاث بالله، صحبتك مدة، وخرجت من مسكني ومالي بسببك, وتقطعت في المفازة بك، والساعة تقول: رأيتك مرة) ((الرسالة القشيرية)) (1/234).
وذلك لأنه كان غائباً عن نفسه: وحكى عن أبي عقال أنه (دخل عليه بعض الفقراء فقال له: سلام عليكم. فقال له أبو عقال: وعليكم السلام، فقال الرجل: أنا فلان فقال أبو عقال: أنت فلان، كيف أنت؟ وكيف حالك؟ وغاب عن حالته. قال هذا الرجل، فقلت له: سلام عليكم.
فقال: وعليكم السلام، وكأنه لم يرني قط.
ففعلت مثل هذا غير مرة، فعلمت أن الرجل غائب فتركته، وخرجت من عنده) أيضاً (ص: 221).
وحكاية أخرى حكاها كل من القشيري وابن الملقن وعماد الدين الأموي، وتبيَن حقيقة هذا المصطلح، فينقلون عن الجنيد أنه:
(كان قاعداً، وعنده امرأته، فدخل عليه الشبلي، فأرادت امرأته أن تستتر، فقال لها الجنيد: لا خبر للشبلي عنك، فاقعدي.
فلم يزل يكلَمه الجنيد، حتى بكى الشبلي، فلما أخذ الشبلي في البكاء قال الجنيد لامرأته: استتري، فقد أفاق الشبلي من غيبته) أنظر: ((الرسالة القشيرية)) (1/233), أيضاً ((طبقات الأولياء)) لابن الملقن (211), أيضاً ((حياة القلوب)) لعماد الدين الأموي (2/273) ((بهامش قوت القلوب)) لأبي طالب المكي ط دار صادر بيروت.
هذا بالنسبة لغيبة الصوفي عن ذهنه وفكره ووجوده، وأما غيبته هو عن الخلق ووصوله إلى الله كما يدَعون، فيروي الأموي (أن الحسن رحمه الله أختفى عند حبيب العجمي من الحجاج، فسعى به، فدخل عليه الشرط، فقالوا: أين الحسن؟ قيل لنا إن الحسن عندك فقال: هل ترون شيئاً؟
ففتشوا الدار كلها وخرجوا وهم لا يرونه، لأنه كان عند الله فلم يروه) ((حياة القلوب)) لعماد الدين الأموي (2/69) ((بهامش قوت القلوب)).
فهذه هي أقاويل المتصوفة في (الغيبة) إحدى مصطلحاتهم.
- مصطلح السكر:
 كما يقولون: (السكر هو أن يغيب الإنسان عن تمييز الأشياء) ((التعرف لمذهب أهل التصوف)) للكلاباذي (ص: 138).
ويقول شهاب الدين يحيى السهروردي المقتول: (السكر سانح قدسي للنفس يؤدي إلى إبطال النظام عن الحركات) ((كلمة التصوف)) للسهروردي ضمن رسالة ((في شرح بعض مصطلحات الصوفية)) (ص: 125) ط مؤسسة انتشارات إسلامي لاهور باكستان.
ويذكره المنوفي الحسيني بقوله: (السكر غيبة بوارد شهود الخلق) ((جمهرة الأولياء)) لأبي الفيض المنوفي الحسيني (1/304).
ويقول: روزبهان: (السكر هو كثرة شرب أقداح حسن التجلَي) ((شرح الحجب والأستار)) لروزبهان (ص: 19).
ويقول الطوسي: (السكر معناها قريب من معنى الغيبة غير أن السكر أقوى من الغيبة) كتاب ((اللمع)) للطوسي (ص: 416).
- مصطلح المحو:
وقريباً من معنى اصطلاح الغيبة والسكر (المحو) كما يقول الكمشخانوي: (إذا غلب عليه (الصوفي) المحو فلا علم ولا عقل فهم ولا حسّ كما روى مسنداً أن أبا عقال المغربي أقام بمكة أربع سنين ولم يأكل ولم يشرب إلى أن مات، وكان يسلَم عليه خاص أصحابه فلم يعرَفه نفسه، ثم يغيب عنه الشيخ حتى لو عاوده بالكلام لم يعرفه الشيخ، ومنهم من يعود إلى حال أداء الفرض فقط) ((جامع الأصول في الأولياء)) للكمشخانوي (ص: 126).
ومثل ذلك ذكروا عن أبي عبد الله التروغندي أنه (ما كان يفيق إلا في أوقات الصلاة، يصلي الفريضة ثم يعود إلى حالته، فلم كذلك إلى أن مات) ((الرسالة القشيرية)) (1/321).
ومنها (الصولة): وهي أن لا يرى أحد إلا الله ((حياة القلوب)) لعماد الدين الأموي (2/274).
- مصطلح الحضور والصحو:
وأما (الحضور) و (الصحو) فهما: (رجوع الصوفي إلى الإحساس بعد غيبة عقله وإحساسه) أنظر: ((اللمع)) للطوسي (ص: 416), ((كشف المحجوب)) (ص: 490), ((جامع الأصول)) (ص: 229), ((كلمة التصوف)) للسهروردي (ص: 125), ((جمهرة)) (ص: 305).
ويذكر الهجويري أن داود عليه السلام رأى امرأة أوريا في حالة السكر فيقول: (وقع نظر داود عليه السلام على ما لم يكن ينبغي له أن ينظر إليه أي على امرأة أوريا وكان ذلك في حالة السكر، أما نظر المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى امرأة زيد فكانت تلك النظرة في محل الصحوة) ((كشف المحجوب)) للهجويري (ص: 414) ط دار النهضة العربية بيروت.
- مصطلح الجمع:
ومن المصطلحات الصوفية (الجمع) وهو: (شهود الحق بلا خلق، وجمع الجمع شهود الخلق قائماً بالحق، ويسمى الفرق بعد الجمع) ((اصطلاحات الصوفية)) لعبد الرزاق القاشاني من صوفية القرن الثامن الهجري (ص: 41) ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 1981م، أيضاً ((متممات جامع الأصول في الأولياء)) (ص: 80), أيضاً ((جمهرة الأولياء)) للمنوفي الحسيني (ص: 302).
ويصرح القشيري (جمع الجمع: الإستهلاك بالكلية، وفناء الإحساس بما سوى الله عز وجل عند غلبات الحقيقة... فالعبد يطالع نفسه في هذه الحالة في تصريف الحق سبحانه، يشهد مبدئ ذاته وعينه بقدرته، ومجري أفعاله وأحواله عليه بعلمه ومشيئته) ((الرسالة القشيرية)) (1/225, 226).
ويقول روزبهان: (الجمع هو ظهور التجلي في الروح) ((شرح الحجب والأستار)) لروزبهان.
وقد جمع هذه المصطلحات الصوفية كلها عطاء الله الأسكندري في حكمه حيث قال: (وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق، وفني عن الأسباب بشهود مسبَب الأسباب، فهو عبد مواجه بالحقيقة، ظاهر عليه سناها، سالك للطريقة، قد استولى على مداها، غير أنه غريق الأنوار، مطموس الآثار، قد غاب سكره على صحوه, وجمعه على فرقه، وفناؤه على بقائه، وغيبته على حضوره) ((الحكم العطائية)) لتاج الدين بن عطاء الأسكندري (ص: 208) ضمن غيث المواهب العلية.
ويشرح النفزي الرندي هذه العبارة بقوله: (هذا هو حال الخاصة من أرباب الحقائق، وهم الذين غابوا عن (شهود) الخلق بشهود الملك الحق، فلم يقع لهم شعور بهم، ولا التفات إليهم، وفنوا عن الأسباب برؤية مسبب الأسباب، فلم يروا لها فعلاً ولا جَعْلاً، فهم مُواجهون بحقيقة الحق ظاهر عليهم سناها، أي: نورها وضياؤها، سالكون طريقة الحق، قد استولوا على مداها، أي: وصلوا إلى غايتها ومنتهاها، إلاّ أنهم غرقوا في بحار أنوار التوحيد، مطموس عليهم آثار الوسايط والعبيد، أي: مغلق عليهم رؤية ذلك والشعور به قد غلب سكرهم، وهو: عدم إحساسهم بالأغيار، على صحوحهم، وهو: وجود إحساسهم بها، وجمعُهم، وهو ثبوتُ وجود الحق فرداً، على فرقهم وهو ثبوت وجود الخلق، وفنائهم، وهو: استهلاكهم في شهود الحق على بقائهم وهو شعورهم بالخلق، وغيبتهم وهو ذهاب أحوال الخلق عن نظرهم على حضورهم مع الخلق.
ومعاني هذه الألفاظ، كما تراها، متقاربة، وهي ألفاظ تداولها الصوفية المحققون بينهم وعبّروها بها في كتبهم، ووضعوها على معان اختصوا بفهمها، ليتعرّف بعضهم من بعض ما يتخاطبون به، ولهم ألفاظ كثيرة غيرها) ((غيث المواهب العلية)) للنفزي الرندي (2/208, 209) بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ط مطبعة السعادة القاهرة 1380هـ.
ولعلّ معنى اصطلاح (الجمع) يتضح أكثر بنصّ الهجويري حيث يقول: (الجمع هو أن يصير كل المحبّ كل المحبوب... وهو أن يكون العبد في الحكم والهاً ومدهوشاً ويكون حكمه حكم المجانين... ويقول واحد من المشايخ رحمه الله: جاء درويش إلى مكة وأقام سنة في مشاهدة الكعبة، فلم يطعم ولم يشرب ولم ينم ولم يذهب للطهارة، لا جتماع همّته برؤية البيت، لأن الله تعالى قد أضافه إلى نفسه فصار غذاء جسده ومشرب روحه... ومثل جمع همه المجنون في ليلى لأنه حينما لم يكن يراها كان كل العالم وكل الموجودات عنده صورة ليلى) ((كشف المحجوب)) للهجويري (ص: 498, 499).
وكثيراً ما يذكر الصوفية عند بيان مصطلحاتهم العشق الغزلي والحب الطبيعي، ويشبهون الله عز وجل بمعشوق مجازي ويحملون وصفه سبحانه وتعالى على ليلى وغيرها، ثم يحاولون ربط العلاقة بين الحبين... وعلى كلّ فإن الصوفية تكلّموا وراء ستار هذه المصطلحات والكلمات في موضوعات لا تمتّ للإسلام بصلة، وأعتقدوا بالحلول والاتحاد، والوصول والاتصال. وقد استغرب المسلمون عقائدهم وأفكارهم هذه.
- مصطلح الفناء:
مما يدّل على اعتقاد الصوفية بحلول ذات الله تعالى في العبد اصطلاحهم (الفناء)، وهو من أهمّ المصطلحات التي يقوم عليها مذهبهم وتتأسس عليها ديانتهم. والفناء عند المتصوفة: فناء ذات العبد في ذات الرب، فتزول الصفات البشرية في هذا المقام، وتبقى الصفات الإلهية، وتفنى جهة العبد البشرية في الجهة الربانية فيكون العبد والرب شيئاً واحداً -والعياذ بالله-.
فيصرح داود بن محمود القيصري: (المراد من الفناء فناء جهة العبد البشرية في الجهة الربانية إذ لكل عبد جهة من الحضرة الإلهية... وهذا الفناء موجب لأن يتعين العبد بتعينات حقانية وصفات ربانية) ((مقدمة شرح الفصوص)) للقيصري مخطوط نقلاً عن ((ملحقات ختم الأولياء)) للحكيم الترمذي (ص: 491) ط بيروت.
ويقول النفزي الرندي: (فناء الذات: أي لا موجود على الإطلاق إلا لله تعالى، وأنشدوا في ذلك:


فيفنى ثم يفنى ثم يفنى




فكان فناؤه عين البقاء) ((غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية)) للنفزي الرندي (1/99).

ويعتبر فريد الدين العطار فناء السالك في الله كفناء القطرة في البحر أنظر: ((منطق الطير)) لفريد الدين العطار المقالة الرابعة والأربعون (ص: 404) ط دار الأندلس بيروت. ويقول ابن الدباغ: (وأعلم أن المحب ما لم يصل إلى مقام الاتحاد لا تنقطع الحجب التي بينه وبين محبوبه، فإنها كثيرة لكن بعضها ألطف وأشدّ نورانية من بعض، وكلّما كشف له منها حجاب تاقت النفس إلى كشف ما بعده حتى تزول جميعها عند الاتحاد) ((مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب)) (ص: 68) تحقيق المستشرق هـ. ريتر ط دار صادر بيروت 1379هـ.
ويصرح أيضاً عقيدة اتصال الصوفي بالله تعالى، بقوله: (وأعلم أن كل من أحب ذاتاً ما محبة كاملة خالصة، وأراد الاتصال بتلك الذات لا يمكنه ذلك إلا بخلع ما سواها وترك الإحساس به، فإذا صحّ له هذا مع صحة التوجه فقد وصل إلى مطلوب من الاتصال، ولا مانع من الاتصال بالحق مع حصول معرفته إلا بالشعور بما سواه، ومن تجرّد عن بدنه واطّرحه ناحية وفني عن شعوره بذلك فقد اتصل بالحق، لأن بدن الإنسان أقرب العالم المحسوس إليه، فإذا فني عنه فقد فني عن العالم كله، وهذا هو الوصول، ومن صار له هذا الانسلاخ ملكة بحيث يفعله متى شاء فهو الواصل على الحقيقة لتمكنه من مقام شهود الحق) ((مشارق أنوار القلوب)) للدباغ (ص: 94).
ويقولون: أن الله يتجلّى على العبد في هذا المقام، كما يذكر ذلك السهروردي في عوارفه بقوله: (أما الفناء الباطن فهو محو آثار الوجود عند لمعان نور الشهود، يكون في تجلّي الذات، وهو أكمل أقسام اليقين في الدنيا) ((عوارف المعارف)) للسهروردي (ص: 154).
وقال: (قد يكون التجلّي بطريق الأفعال، وقد يكون بطريق الصفات، وقد يكون بطريق الذات) ((عوارف المعارف)) للسهروردي (526).
ويكتب ظهير الدين القادري: (الفناء هو أن يطالع الحق سرّ وليه بأدنى تجل, فيتلاشى الكون ويفنى الولي تحت تلك الإشارة) ((الفتح المبين)) لظهير الدين القادري (ص: 38) ط... المطبعة الخيرية مصر 1306 هـ.
ويقول ابن عجيبة: (إن القلوب إذا صفت الأكدار والأغيار، وملئت بالأنوار والأسرار لا يتجلى فيها إلا الحق) ((إيقاظ الهمم)) لابن عجيبة الحسني (ص: 27).
وينقل الشعراني عن أبي المواهب الشاذلي أنه كان يقول: (إذا ما تجلى الحق من غيب ذاته... تلاشى وجود الغير حقاً بلا شك) ((الطبقات الكبرى)) للشعراني (2/71).
ويقول المنوفي الحسيني شارحاً " الصدق: (هو الفناء في الحق بالتجلّي الذاتي) ((جمهرة الأولياء)) للمنوفي الحسيني (1/305).
ويبين القاشاني معنى التجلّي الشهودي بقوله: (هو ظهور الوجود المسمى بإسم النور وهو ظهور الحق بصور أسمائه في الأكوان التي هي صورها، وذلك الظهور هو النفس الرحماني الذي يوجد به الكل ) ((اصطلاحات الصوفية)) للقاشاني (ص: 156).
ويقول مصطفى ابن الحسين الصادقي بأن العارف يذكر الله تعالى ويصقل قلبه (حتى صار بحيث إذا تجلّى له المحبوب لم ير في تلك المرآة إلا وجهه الكريم وهو قد اضمحلّ بجنب ذاك الجمال، وانمحق تحت أنوار الجلال، ولم يبق منه أثر ولا خبر بل استولى عليه الربّ سبحانه، فصار سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر ويده التي بها يبطش، فتجلّى الحق سبحانه حينئذ بذاته لذاته، وكان محباً لذاته بذاته جاز إطلاق إسم المحبوب على ذلك العبد) ((المنهج الموصول إلى الطريقة الأنهج)) لمصطفى بن الحسين الصادقي مخطوط (ص: 8, 9).
ويقول الوزير لسان الدين بن لخطيب: (أي النفس) (فإذا جازت هذا المقام وهو فناء، وعدم منها الخلق بالكلية، وتجلّى لها الحق فشهدته موصوفاً بالصفة التي تليق به، فحينئذ يصح الوصول) ((روضة التعريف)) للسان الدين بن الخطيب (ص: 464) ط دار الفكر العربي.
وإليكم الآن ما قاله الجيلي عبد الكريم موضحاً معنى التجلي: (التجلي الصوري ظهوره في مخلوقاته على اقتضاه القانون الخلقي التشبيهي) ((الإنسان الكامل)) لعبد الكريم الجيلي (1/49) ط مصطفى البابي الطبعة الرابعة 1402 هـ.
وأصرح من ذلك ماقاله في مقام آخر: (إن االعبد إذا أراد الحق سبحانه وتعالى أن يتجلّى عليه بإسم أو صفة، فإنه يفنى العبد فناء يعدمه عن نفسه، ويسلبه عن وجوده، فإذا طمس النور العبدي وفني الروح الخلقي أقام الحق سبحانه وتعالى في الهيكل العبدي) ((الإنسان الكامل)) للجيلي (ص: 67).
ويقول: (الإنسان الكامل هو مظهره الأكمل وجلاه ألأفضل) ((الإنسان الكامل)) للجيلي (2/ 17).
فليشاهد القارئ كيف أبدل الصوفية الحلول بكلمة (التجلي)، والحق أن التجلي الصوفي ليس إلا الحلول المسيحي.
ويستغرب الباحث حينما يجد الصوفية يبرؤن أنفسهم عن الاعتقاد بالحلول، ومع هذه التصريحات والتوضيحات التي لا تترك مجالاً للريب والشك في هذا الخصوص. ومقام الفناء - على حد تعبيرهم - هو الذي ادعى فيه كثير من مشايخ الصوفية الحلول والاتحاد حسب روايات المتصوفية كما نقلوا عن أبي يزيد البسطامي أنه كان يقول: (سبحاني ما أعظم شأني) ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي (2/75), ((رسالة ترتيب السلوك)) للقشيري (ص: 73), ((فوائح الجمال)) لنجم الدين الكبري (ص: 36), ((درر الغواص)) للشعراني (ص: 85), ((إيقاظ الهمم)) لابن عجيبة (ص: 204), ((جمهرة الأولياء)) (1/234).
فيقولون: أن قائل هذه الكلمة ليس أبا يزيد بل الله سبحانه وتعالى هو الذي قال بها كما صرح بذلك القشيري في رسالته حيث قال: (قال أبو يزيد: سبحاني، ما قال إلا الحق) ((ترتيب السلوك)) للقشيري (ص: 73) من ((مجموعة الرسائل القشيرية)) ط إسلام آباد باكستان.
ويقول نجم الدين الكبري: (تتجلّى سبحات وجهه الكريم ويجري على لسان السيار (الصوفي) بحكم الاضطرار: سبحاني سبحاني ما أعظم شأني) ((فوائح الجمال)) لنجم الدين الكبري (ص: 55).
لماذا هذا التستر وراء كلمة (التجلي) ولم يصرحون ويقولون (تحلّ) وما التجلّي غير الحلول باختلاف لفظي والمعنى واحد.
ونقل عن البسطامي أيضاً الهجويري يرى أنه كان يوماً في الصومعة، فجاءه رجل وقال: هل أبو يزيد في البيت؟ فقال: هل في البيت إلا الله ((كشف المحجوب)) للهجويري (ص: 499).
ونقلوا عنه أنه قال: (ما في الجبة غير الله) أنظر: ((جمهرة الأولياء)) للمنوفي الحسيني (ص: 234).
وذكر الوزير لسان الدين عنه أيضاً أنه قال: (قال لي الحق: يا أبا يزيد، كل هؤلاء خلقي إلا أنت، أنت أنا، وأنا أنت) ((روضة التعريف بالحب الشريف)) للوزير لسان الدين بن الخطيب (ص: 353).
وقال أيضاً: (رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك. فقلت: زيّني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وأرفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا) أنظر: كتاب ((اللمع)) للطوسي (ص: 461).
فهذا النص صريح في معناه، جليّ في محتواه، يدلّ على اتحاد اللاهوت بالناسوت، فالعجب ممن يؤولون مثل هذه النصوص يتأويلات سخيفة لتبرئة ساحة المتصوفة ويسمونها شطحات ويقولون: (لاعبرة بها لأن حكم أصحابها المغميّ عليهم) أنظر: ((حياة القلوب)) لعماد الدين الأموي (2/373) بهامش قوت القلوب.
مع أن هذه العبارات ومثلها تقضي خروج أصحابها عن الدين، وأنها ضلال عن قصد السبيل، ونتيجة للاشتغال بالفلسفات الاشراقية وغيرها وإلاّ فلم لم تصدر هذه العبارات من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وهم أعبد الناس وأخشاهم لله. وإن الله يحفظ وليه من التفوه بهذه الكلمات الكفرية، والشيطان هو الذي يتكلّم على ألسنتهم ويستولي على أذهانهم وقلوبهم. أعاذ الله جميع المسلمين من ذلك دراسات في التصوف لإحسان إلهي ظهير/ ص:  298-311

انظر أيضا: