trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: نشأة التصوف


 إن الناس اختلفوا في بدء ظهور هذه الكلمة واستعمالها كاختلافهم في أصله وتعريفه, فذكر ابن تيمية وسبقه ابن الجوزي وابن خلدون في هذا أن لفظ الصوفية لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة الأولى, وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك، وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي سليمان الداراني وغيرهما، وقد روي عن سفيان الثوري أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري الصوفية والفقراء لشيخ الإسلام بن تيمية ص 5 ط القاهرة، أيضا مقدمة ابن خلدون ص 467، تلبيس أبليس لابن الجوزي ص 157 دار القلم بيروت لبنان. .
وقال السراج الطوسي في الباب الذي خصصه للرد على من قال: لم نسمع بذكر الصوفية في القديم وهو إسم مستحدث: يقول في هذا الباب: (إن سأل سائل فقال: لم نسمع بذكر الصوفية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين، ولا فيمن كان بعدهم، ولا نعرف إلا العبّاد والزُّهاد والسيَّاحين والفقراء، وما قيل لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوفي، فنقول وبالله التوفيق.
الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لها حرمة، وتخصيص من شمله ذلك، فلا يجوز أن يعلق عليه اسم على أنه أشرف من الصحبة، وذلك لشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمته، ألا ترى أنهم أئمة الزهاد والعباد والمتوكلين والفقراء والراضين والصابرين والمختبين، وغير ذلك، وما نالوا جميع ما نالوا إلا ببركة الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نسبوا إلى الصحبة والتي هي أجل الأحوال استحال أن يفضلوا بفضيلة غير الصحبة التي هي أجل الأحوال وبالله التوفيق.
وأما قول القائل: إنه اسم محدث أحدثه البغداديون، فمحال، لأن في وقت الحسن البصري رحمه الله كان يعرف هذا الاسم، وكان الحسن قد أدرك جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، وقد رُوي عنه أنه قال: رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذه وقال: معي أربعة دوانيق يكفيني ما معي.
وروي عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء، وقد ذكر الكتاب الذي جُمع فيه أخبار مكة عن محمد بن إسحاق بن يسار، وعن غيره يذكر فيه حديثاً: أنه قبل الإسلام قد خلت مكة في وقت من الأوقات، حتى كان لا يطوف بالبيت أحد، وكان يجيء من بلد بعيد رجل صوفي فيطوف بالبيت وينصرف، فإن صح ذلك فإنه يدل على أنه قبل الإسلام كان يعرف هذا الاسم، وكان يُنسب إليه أهل الفضل والصلاح، والله أعلم) اللمع للطوسي ص 42، 43، أيضا الفتوحات الإلهية لابن عجيبة الحسنى ص 53 ط عالم الفكر القاهرة. .
وبمثل ذلك قال السهروردي: (وهذا الاسم لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان في زمن التابعين - ثم نقل عن الحسن البصري وما نقلناه عن الطوسي أيضا - ثم قال: وقيل: لم يعرف هذا الاسم إلى المائتين من الهجرة العربية) عوارف المعارف للسهروردي ص 63. .
وصرح عبد الرحمن الجامي: (أن أبا هاشم الكوفي أول من دعى بالصوفي، ولم يسم أحد قبله بهذا الاسم، كما أن أول خانقاه بني للصوفية هو ذلك الذي في رملة الشام، والسبب في ذلك أن الأمير النصراني كان قد ذهب للقنص فشاهد فشاهد شخصين من هذه الطائفة الصوفية سنح له لقاؤهما وقد احتضن أحدهما الآخر وجلسا هناك، وتناولا معا كل ما كان معهما من طعام، ثم سارا لشأنهما، فسرّ الأمير النصراني من معاملتهما وأخلاقهما، فاستدعى أحدهما، وقال له: من هو ذاك؟
قال: لا أعرفه، قال: وما صلتك به؟.
قال: لا شيء. قال: فمن كان؟.
قال: لا أدري، فقال الأمير: فما هذه الألفة التي كانت بينكما؟.
فقال الدرويش: إن هذه طريقتنا، قال: هل لكم من مكان تأوون إليه؟.
قال: لا، قال: فإني أقيم لكما محلا تأويان إليه، فبنى لهما هذه الخانقاه في الرملة) نفحات الأنس للجامي الطبعة الفارسية ص 31، 32 .
وأما القشيري فقال: اشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة) الرسالة القشيرية ج1 ص 53 بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ومحمود الشريف، أيضا جمهرة الأولياء للمنوفي الحسيني ج1 ص 269 ط .
وأما الهجويري فلقد ذكر أن التصوف كان موجودا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباسمه، واستدل بحديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سمع صوت أهل التصوف فلا يؤمن على دعائهم كتب عند الله من الغافلين) كشف المحجوب للهجويري مؤسسة ترجمة عربية ص 227. .
مع أنه نفسه كتب في نفس الباب في آخره شارحا كلام أبي الحسن البوشنجي (التصوف اليوم اسم بلا حقيقة، وقد كان من قبل حقيقة بلا اسم) فكتب تحته موضحا:
(يعني أن هذا الاسم لم يكن موجودا وقت الصحابة والسلف، وكان المعنى موجودا في كل منهم، والآن يوجد الاسم، ولا يوجد المعنى) أيضا ص 239.
وأما المستشرقون الذين كتبوا عن التصوف، ويعدون من موالي الصوفية وأنصارهم، فمنهم نيكلسون فإنه يرى مثل ما يراه الجامي أن لفظة التصوف أطلقت أول ما أطلقت على أبي هاشم الكوفي المتوفى سنة 150 هـ انظر في التصوف الإسلامي وتاريخه لنيكلسون ترجمة عربية لأبي العلاء العفيفي ص 3 ط القاهرة. .
ولكن المستشرق الفرنسي المشهور ما سينيون يرى غير ذلك، فيقول:
ورد لفظ الصوفي لأول مرة في التاريخ في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي إذ نعت به جابر بن حيان، وهو صاحب كيمياء شيعي من أهل الكوفة، له في الزهد مذهب خاص، وأبو هاشم الكوفي الصوفي المشهور.
أما صيغة الجمع (الصوفية) التي ظهرت عام 189 هـ (814 م) في خبر فتنة قامت بالأسكندرية فكانت تدل قرابة ذلك العهد على مذهب من مذاهب التصوف الإسلامي يكاد يكون شيعيا نشأ في الكوفة، وكان عبدك الصوفي آخر أئمته، وهو من القائلين بأن الإمامة بالإرث والتعيين، وكان لا يأكل اللحم، وتوفى ببغداد حوالي عام 210 هـ.
وإذن فكلمة صوفي كانت أول أمرها مقصورة على الكوفة) دائرة المعارف الإسلامية أردو ج6 ص419 ط جامعة بنجاب باكستان، أيضا دائرة المعارف الإسلامية الطبعة العربية مادة تصوف ج5 ص266.
وقال أيضا:
صاحب عزلة بغدادي، وهو أول من لقب بالصوفي، وكان هذا اللفظ يومئذ يدل على بعض زهاد الشيعة بالكوفة، وعلى رهط من الثائرين بالأسكندرية، وقد يعدّ من الزنادقة بسبب إمتناعه عن أكل اللحم، ويريد الأستاذ أول من لقب بالصوفي في بغداد كما يؤخذ مما نقله عن الهمذاني، ونصه:
(ولم يكن السالكون لطرق الله في الأعصار السالفة والقرون الأولى يعرفون باسم المتصوفة، وإنما الصوفي لفظ أشتهر في القرن الثالث، وأول من سمي ببغداد بهذا الاسم عبدك الصوفي، وهو من كبار المشائخ وقدمائهم، وكان قبل بشر بن الحارث الحافي والسري بن المفلس السقطي) التصوف لماسينيون ومصطفى عبد الرزاق ص 55، 56 ط دار الكتاب اللبناني 1984 م، أيضا تاريخ التصوف في الإسلام للدكتور قاسم غني ترجمة عربية لصادق نشأت ص 64 ط مكتبة النهضة المصرية القاهرة. .
والجدير بالذكر أن هؤلاء الثلاثة الذين يقال عنهم بأنهم أول من سمّو بهذا الاسم، وتلقبوا بهذا اللقب مطعونون في مذاهبهم وعقائدهم، ورمى كل واحد منهم بالفسق والفجور وحتى الزندقة، وخاصة جابر بن حيان، وعبدك كما سيأتي ذلك مفصلا في محله من الكتاب إن شاء الله.
وقد سبق كلام شيخ الاسلام ابن تيمية حيث قال: (إن لفظ الصوفية لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك) انظر الصوفية والفقراء لشيخ الإسلام بن تيمية ص 5. .
وبمثل ذلك قال ابن خلدون انظر مقدمة ابن خلدون ص 476.
فخلاصة الكلام أن الجميع متفقون على حداثة هذا الاسم، وعدم وجوده في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالحين.
نعم, كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد خلق الله في الدنيا وزخارفها، وأصحابه على سيرته وطريقته، يعدّون الدنيا وما فيها لهوا ولعبا، زائلة فانية، والأموال والأولاد فتنة ابتلي المؤمنون بها، فلم يكونوا يجعلون أكبر همهم إلا ابتغاء مرضاة الله، يرجون لقاءه وثوابه، ويخافون غضبه وعقابه، آخذين من الدنيا ما أباح الله لهم أخذه، ومجتنبين عنها ما نهى الله عنه، سالكين مسلك الاعتدال، منتهجين منهج المقتصد، غير باغين ولا عادين، مفرطين ولا متطرفين، وعلى رأسهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلفاء الراشدون، وبقية العشرة المبشرة، ثم البدريون، ثم أصحاب بيعة الرضوان، ثم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ثم عامة الأصحاب، على ترتيب الأفضلية ...
وتبعهم في ذلك التابعون لهم بإحسان، واتباع التابعين، أصحاب خير القرون، المشهود لهم بالخير والفضيلة، ولم يكن لهؤلاء كلهم في غير رسول الله أسوة ولا قدوة، الذي قال فيه جل وعلا: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى  وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
والذي إذا وجد طعاما فأكل وشكر، وإذا لم يجد فرضي وصبر، وأحب لبس الثياب البيض، واكتسب جبّة رومية، ونهى عن التصدق بأكثر من ثلث المال، وأمر بحفظ حقوق النفس والأهل والولد، ونهى عن تعذيب النفس واتعاب الجسد والبدن، وحرّص متبعيه على طلب الحلال، وطلب الحسنات في الدنيا والآخرة، ومنع الله تعالى من التعنت والتطرف في ترك الدنيا وطيباتها في آيات كثيرة في القرآن الكريم، سنوردها في موضعها من الكلام إن شاء الله.
ثم خلف من بعدهم خلف فتطرفوا، وذهبوا بعيدا في نعيم الدنيا وزخارفها، وفتحت عليهم أبواب الترف والرخاء، ودرّت عليهم الأرض والسماء، وأقبلت عليهم الدنيا بكنوزها وخزائنها، وفتحت عليهم الآفاق فانغمسوا في زخارفها وملذاتها، وبخاصة العرب الفاتحون الغزاة، والغالبون الظاهرون، فحصل ردّ الفعل، وفي نفوس المغلوبين المغزوين والمقهورين، من الموالي والفرس والمفلسين وأصحاب النفوس الضعيفة المتوانية خاصة، فهربوا عن الحياة ومناضلتها، وجدّها وكدّها، ولجأوا إلى الخانقاوات والتكايا والزوايا والرباطات، فرارا من المبارزة والمناضلة، وصبغوا هذا الفرار والانهزام وردّ الفعل صبغة دينية، ولون قداسة وطهارة، وتنزه وقرابة، كما كان هنالك أسباب ودوافع ومؤثرات أخرى، وكذلك أيدي خفية دفعتهم إلى تكوين فلسفة جديدة للحياة، وطراز آخر من المشرب والمسلك، وأسلوب جديد للعيش والمعاش، فظهر التصوف بصورة مذهب مخصوص، وبطائفة مخصوصة اعتنقه قوم، وسلكه أشخاص ساذجون بدون تفكير كثير، وتدبر عميق كمسلك الزهد، ووسيلة التقرب إلى الله، غير عارفين بالأسس التي قام عليها هذا المشرب، والقواعد التي أسس عليها هذا المذهب، بسذاجة فطرية، وطيبة طبيعية، كما تستر بقناعه، وتنقب بنقابه بعض آخرون لهدم الإسلام وكيانه، وإدخال اليهودية والمسيحية في الإسلام، وأفكارهما من جانب، والزرادشتية والمجوسية والشعوبية من جانب آخر، وكذلك الهندوكية والبوذية والفلسفة اليونانية الأفلاطونية من ناحية أخرى، وتقويض أركان الإسلام وإلغاء تعاليم سيد الرسل صلى الله عليه وسلم، ونسخ الإسلام وإبطال شريعته بنعرة وحدة الوجود، ووحدة الأديان، وإجراء النبوة، وترجيح من يسمى بالولي على أنبياء الله ورسله، ومخالفة العلم، والتفريق بين الشريعة والحقيقة، وترويج الحكايات والأباطيل والأساطير، باسم الكرامات والخوارق وغير ذلك من الخلافات والترهات.
فلم يظهر التصوف مذهبا ومشربا، ولم يرج مصطلحاته الخاصة به، وكتبه، ومواجيده وأناشيده، تعاليمه وضوابطه، أصوله وقواعده، وفلسفته، ورجاله وأصحابه إلا في القرن الثالث من الهجرة وما بعده. التصوف..المنشأ والمصدر لإحسان إلهي ظهير/ 40 - 45

انظر أيضا: