موسوعة الفرق

المبحث الخامس: أسباب انتشار المذهب الأشعري


لا شك أن مذهب الأشاعرة انتشر في أنحاء العالم الإسلامي، حتى كاد يستقر في بعض الأزمنة أن مذهبهم هو مذهب أهل السنة والجماعة، ومع أن هناك مواقف لكثير من العلماء من المذهب الأشعري إلا أن هذه المواقف كثيراً ما تأخذ شكل صراعي مذهبي تنتقل بسببه القضية إلى إطار آخر، ومن ثم يكثر الخصام وتتعدد الاتهامات، ويحمل كل فريق على الآخر، ثم قد يصاحب البعض الهوى والتعصب المذهبي، فيزاد في الكلام وينقص، ويحمل على غير محامله، ويسيىء كل طرف الظن بالطرف الآخر، ولذلك قلما تنتهي مناقشة من هذه المناقشات إلى اتفاق على رأي واحد يكون مبنيا على أسس سليمة من مذهب ومنهج أهل السنة والجماعة حيث يدعي الطرفان أنهم لا يخالفونه.
وهذا تفسير لما حدث، وإلا فالواجب أن يكون رائد كل مسلم الوصول إلى الحق بالأدلة الصحيحة. ومذهب أهل السنة والجماعة إنما هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، ومن ثم فعلى كل عالم أن لا يجعل الانتساب إلى طائفة أو جماعة - غير أهل السنة – شعارا له يفاصل عليه ويوالي ويعادي من أجله.
وقد يقول القائل: إذا كان مذهب الأشاعرة فيه ما فيه من هنات وعليه ما عليه من ملاحظات فلماذا انتشر في العالم الإسلامي؟ ولماذا تبناه جمهرة من جلة العلماء من أهل الفقه والحديث؟ يجيب على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية من وجوه:
"أحدها: كثرة الحق الذي يقولونه، وظهور الآثار النبوية عندهم.
الثاني: لبسهم ذلك بمقاييس عقلية، بعضها موروث عن الصابئة، وبعضها مما ابتدع في الإسلام، واستيلاء ما في ذلك من الشبهات عليهم، وظنهم أنه لم يمكن التمسك بالأثارة النبوية من أهل العقل والعلم إلا على هذا الوجه.
الثالث: ضعف الأثارة  النبوية الدافعة لهذه الشبهات، والموضحة لسبيل الهدى عندهم.
الرابع: العجز والتفريط الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث، تارة يروون مالا يعلمون صحته، وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور" ((مجموع الفتاوى)) (12/33).
أما أهم أسباب انتشار مذهب الأشاعرة في العالم الإسلامي فيمكن تلخيصها في الأمور التالية:
1- أفول نجم المعتزلة، مع ظهور المذهب الأشعري كخصم لمذهبهم انظر ((علم الكلام: الأشاعرة)) (ص: 68).
2- نشأة المذهب في حاضرة الخلافة العباسية "بغداد"، ولا شك أن أنظار الناس في شتى الأقطار تتجه في الغالب إلى دار الخلافة، ففيها الفقهاء, والمحدثون, والمقرئون، كما أنها من أهم البلدان التي يرحل إليها العلماء ليسمعوا الروايات أو يحدثوا فيها بمروياتهم، فلما نشأ المذهب الأشعري في بغداد وهي على هذه الحالة كثر المتلقون لهذا المذهب، الناقلون له إلى كل مكان، وهذا – مثلاً – بخلاف مذهب الماتريدي الذي نشأ في زمن الأشعري لكنه كان في بلاد ما وراء النهر فلم ينتشر كانتشار المذهب الأشعري انظر ((علم الكلام: الأشاعرة)) (ص: 28).
3- تبني بعض الأمراء والوزراء لمذهب الأشاعرة واحتضان رجالهم له، ومن أبرز هؤلاء:
أ- الوزير نظام الملك الذي تولى الوزارة لسلاطين السلاجقة، فتولى الوزارة لألب أرسلان وملكشاة مدة ثلاثين سنة، من سنة 455-485هـ والسلاجقة جاءوا على أثر البويهيين الشيعة الذين كانوا يوالون الدولة الفاطمية الباطنية، ولما استولى السلاجقة على بغداد وقضوا عليهم سنة 447هـ لم تمض سنوات قليلة حتى حدثت فتنة البساسيري – أحد القواد الأتراك الموالين لبني بويه – وكان ذلك سنة 450هـ، وكان من آثارها أن احتل بغداد وأعلن الخطبة للخليفة المستنصر بالله العلوي العبيدي، وأمر بأن يؤذن بحي على خير العمل، وعزل الخليفة العباسي القائم بأمر الله وكتب عليه عهداً أن لا حق له في الخلافة ولا لبني العباس, وأرسل العهد إلى الخليفة الفاطمي في القاهرة، وقد استمرت فتنة البساسيري سنة كاملة حتى قضى عليها السلاجقة وأعيد الخليفة العباسي. لذلك جاءت دولة السلاجقة لتنصر أهل السنة ضد أهل الرفض والبدعة، والوزير نظام الملك من أعظم وزرائهم أثراً وخطراً, وكانت له جهود عظيمة في حرب الحركات الباطنية والإسماعيلية, وتحدث عنها طويلاً في كتابه المشهور (سياست نامة) أو (سير الملوك) (ص: 234 – وما بعدها -)، وانظر عن فتنة البساسيري: ((الكامل)) (9/640-650) و((التاريخ الفارقي)) (ص: 152)، و((تاريخ دولة آل سلجوقي)) (ص: 16-20)، و((زبدة التواريخ للحسيني)) (ص: 59-63)، و((سياسة الفاطميين الخارجية)) (ص: 179). ، ومن أهم آثاره المدارس النظامية التي أنشئت في مدن عديدة منها: البصرة، وأصفهان، وبلخ، وهراة، ومرو، والموصل، وأهمها وأكبرها المدرسة النظامية في نيسابور وفي بغداد، وقد جعلهما مع أوقافهما وقفاً على أصحاب الشافعي أصلاً وفرعاً انظر: ((المنتظم)) (9/65-66)، و((تاريخ الفكر الفلسفي)) – ((أبو ريان)) (ص: 213). ، وكان نظام الملك معظماً للصوفية وللقشيري والجويني وغيرهما من أعلام الأشعرية، وقد كان هؤلاء يلقون دروسهم في هذه المدارس على المذهب الشافعي، ويدرسون أصول العقيدة الأشعرية، فكان لذلك دور عظيم في نشرها انظر: ((المنتظم)) (9/65)، و((طبقات السبكي)) (4/316).
ب- المهدي بن تومرت، مهدي الموحدين، توفي سنة 524هـ، فقد دعا إلى المذهب الأشعري وتبناه وكان له دور عظيم في نشره انظر: ((المعجب صك)) (275)، و((الخطط للمقريزي)) (2/358)، و((ظهر الإسلام)) (4/97-98).
ج- نور الدين محمود بن زنكي، الذي جاهد الصليبيين، وقد ولد سنة 511هـ وتوفي سنة 569هـ انظر: في ترجمته: ((الكواكب الدرية في السيرة النورية لابن قاضي شهبة)) (ص: 15) وما بعدها، ((والروضتين / وما بعدها والتاريخ الباهر)) (ص: 95) وما بعدها. ، وكان من آثاره أنه بنى أكبر دار للحديث في دمشق ووكل مشيختها إلى ابن عساكر صاحب (تبيين كذب المفتري) انظر: ((التاريخ السياسي والفكري)) (ص: 261). ، كذلك أنشأ في حلب سنة 544هـ المدرسة النفرية النورية، وكانت للشافعية، وتولى التدريس فيها قطب الدين مسعود بن محمد النيسابوري انظر: ((التاريخ السياسي والفكري)) (ص: 252). وكان أحد أساتذة المدرسة النظامية في نيسابور، وكان أحد أعلام أهل الكلام على المذهب الأشعري، وفي عهد نور الدين بدأت صلة قطب الدين مسعود بصلاح الدين الأيوبي، وتوثقت فيما بعد – كما سيأتي -.
ولا شك أن لهذه المدارس، والمدارس النظامية، متمثلة بأولئك العلماء الذين درسوا فيها أثراً عظيماً في مقاومة التيار الباطني الإسماعيلي، ومعلوم أن من أعظم آثار نور الدين وصلاح الدين القضاء على الدولة الفاطمية الباطنية في مصر، حيث حلت محلها دولة سنية حكمها صلاح الدين الأيوبي نائباً لنور الدين ثم مستقلاً بعد وفاته – رحمهم الله -.
د- صلاح الدين الأيوبي:، يقول المقريزي: "وأما العقائد فإن السلطان صلاح الدين حمل الكافة على عقيدة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري تلميذ أبي علي الجبائي، وشرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر كالمدرسة الناصرية بجوار قبر الإمام الشافعي من القرافة، والمدرسة الناصرية التي عرفت بالشريفية" ((الخطط للمقريزي)) (2/343). ثم يقول عن المذهب الأشعري: "فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر كان هو وقاضيه صدر الدين عبدالملك بن عيسى بن درباس الماراني على هذا المذهب قد نشآ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر وشدوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام دولتهم كافة الناس على إلتزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك" ((الخطط)) (2/358)، وانظر ((خبيئة الأكوان)) (ص: 48)، و((نظريات شيخ الإسلام، للاووست)) (1/141-142)، و((ابن تيمية لأبي زهرة)) (ص: 25). ، وإذا كان قطب الدين مسعود قد ألف لصلاح الدين عقيدة انظر ((سيرة صلاح الدين لابن شداد)) (ص: 7)، و((طبقات السبكي)) (7/297). ، فإن الفخر الرازي قد ألف كتابه المشهور (أساس التقديس) – الذي نقضه شيخ الإسلام ابن تيمية – للملك العادل محمد بن أيوب بن شادي أخو صلاح الدين. المتوفى سنة 615هـ انظر ((أساس التقديس)) (ص: 3)، و((سير أعلام النبلاء)) (22/120). أما ابنه الأشرف بن العادل فقد مال إلى الحنابلة وأهل السنة في العقيدة، وجرت بينه وبين العز بن عبدالسلام – وهو أشعري – مناقشة ومحنة طويلة انظر: ((طبقات السبكي)) (8/218)، و((التاريخ السياسي والديني)) (ص: 298).
4- ومن أسباب انتشار المذهب الأشعري أن جمهرة من العلماء اعتمدوه ونصروه، وخاصة فقهاء الشافعية, والمالكية المتأخرين، والأعلام الذين تبنوه: الباقلاني، وابن فورك، والبيهقي، والإسفراييني، والشيرازي، والجويني، والقشيري، والبغدادي، والغزالي، والرازي، والآمدي، والعز ابن عبدالسلام، وبدر الدين ابن جماعة، والسبكي، وغيرهم كثير، ولم يكن هؤلاء أشاعرة فقط، بل كانوا مؤلفين ودعاة إلى هذا المذهب، ولذلك ألفوا الكتب العديدة، وتخرج على أيديهم عدد كبير من التلاميذ.
كما انتشر في أنحاء عديدة بواسطة هؤلاء، ففي الحجاز انتقل إليه المذهب الأشعري بواسطة أبي ذر الهروي انظر: ((صون المنطق)) (1/122)، و((درء التعارض)) (1/27، 2/101). ، كما انتقل عن طريقه إلى المغرب عن طريق المغازبة الذين كانوا يأتون إلى الحج، وكان ممن له أثر في نشره في المغرب بين المالكية أبو بكر الأبهري، والباقلاني وتلامذته انظر: ((تبيين كذب المفتري)) (ص: 120، 121، 410)، و((التطور المذهبي بالمغرب)) (ص: 28-30). ، والباجي, وابن العربي انظر: ((نشأة الفكر الفلسفي)) – النشار (1/284). وغيرهم، كما دافع كل من ابن أبي زيد القيرواني، وأبي الحسن القابس عن الأشعري انظر: ((تبيين كذب المفتري)) (ص: 123-124)، ولأبي نصر السجزي في ((رسالة من أنكر الحرف والصوت)) وتعليق مهم على ذلك (ص: 298-304).
ويذكر المقريزي أنه قد انتشر في العراق نحو سنة 380هـ، وانتقل منه إلى الشام انظر: ((الخطط)) (2/358). ، وممن انتشر على يديه في الشام أبو الحسن عبدالعزيز بن محمد الطبري المعروف بالدمل انظر: ((التبيين)) (ص: 195).
وفي العصور المتأخرة كان لتبني كثير من دور العلم والجامعات عقيدة ومذهب الأشاعرة دور في نشره، ومن أهمها الجامع الأزهر في مصر مع ما له من مكانة علمية في العالم الإسلامي.
هذه أهم أسباب انتشار المذهب الأشعري، وهي تدل على مدى تغلغل هذا المذهب بين الناس، وإن كانت الجمهرة الغالبة للمسلمين تؤمن بهذا الدين وعقيدته بإجمال, وتعظم السلف ومنهجهم، لأنها لا تعرف المداخل الكلامية والقضايا العقلية التي يعتمدها أهل الكلام.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/497

انظر أيضا: