موسوعة الفرق

المبحث الثالث: ظهور علم الكلام


للحديث عن نشأة الأشاعرة وكيف ظهرت هذه الطائفة، لابد من الحديث أولاً عن الظروف والملابسات التي أدت إلى ظهور هذا المذهب على خشبة تاريخ الفرق الإسلامية، إذ أنها من أكثر الفرق الكلامية انتشاراً إلى يومنا هذا، رغم اندثار واندراس كثير من الفرق القديمة وللوقوف على معالم هذه الطائفة لابد من الوقوف على عوامل نشأتها وسنبدأ من علم الكلام.
تعريف علم الكلام:
علم الكلام: "علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه" الإيجي ((المواقف في علم الكلام)) (ص: 7).
قال ابن خلدون: "هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية" ابن خلدون ((المقدمة)) (ص: 458).
وعرف أيضاً بأنه: "علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام" الجرجاني ((التعريفات)) (ص: 162).
وكذلك عرفه طاش كبري زاده، بأنه "علم يقتدر معه على إثبات الحقائق الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها" ((مفتاح السعادة)) (2/150).
ومثله تعريف صديق خان. "انظر (أبجد العلوم) 2/589".
وعرف أيضاً بأنه: "باب من الاعتبار في أصول الدين يدور النظر منه على محض العقل في التحسين, والتقبيح, والإحالة, والتصحيح, والإيجاب, والتجويز, والاقتدار, والتعديل, والتحوير, والتوحيد, والتفكير" عامر النجار ((الخوارج عقيدة وفكر وفلسفة)) (ص: 24).
وسمي علم الكلام بهذا الاسم لعدة أسباب منها:
- أن مسألة الكلام هي من أشهر مباحثه التي وقع فيها نزاع وجدل بين المتكلمين، والمقصود من مسألة الكلام هي مسألة خلق القرآن التي تبنتها المعتزلة، ونفوا صفة الكلام عن الله تعالى وأكثروا فيها القيل والقال.
- وقيل لأن العادة جرت عند المتكلمين الباحثين في أصول الدين أن يعنونوا لأبحاثهم بـ"الكلام في كذا... إلخ".
- وقيل لأن الكلام والمجادلة والقيل، والقال قد كثر فيه وأصبح سمة لأهله د/ حسن شبالة ((العقيدة الإسلامية بين السلف والمتكلمين)) (ص: 25).
نشأة علم الكلام:
من خلال استعراض كتب العقيدة والفرق الإسلامية، يتضح أن الكلام في العقيدة ظهر في أواخر عصر الصحابة رضي الله عنهم، ولم يكن بعد قد اتضحت معالمه، وأصبح هو الأصل في تقرير العقيدة، ولكن ضل الكلام في هذه الحقبة في بعض جوانب العقيدة دون البعض, وموافقة أغلب المتكلمين لأهل السنة في سائر أبواب العقيدة، حتى إذا اجتمعت هذه الأصول التي تكلم فيها المتكلمون ولملم شتاتها ظهر علم الكلام الذي يمثل الشق والطرف المخالف لأهل السنة في إثبات وتقرير العقائد ابتداء على أيدي المعتزلة.
وأول ما يطلعنا في كتب العقائد والفرق، الكلام في القدر.
فقد روى مسلم، بسنده عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة، معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبدالرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوافق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبدالرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن, ويتقفرون العلم, وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف قال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبدالله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم ساق حديث جبريل الطويل المعروف المشهور, وسؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان, والإسلام, والإحسان, والساعة.
يقول الشهرستاني: "أما الاختلافات في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري، في القول بالقدر، وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر ((الملل والنحل)) (ص: 28).
ثم ظهر القول بخلق القرآن ونفي الصفات على يد الجعد بن درهم، قال بن كثير: "كان الجعد بن درهم من أهل الشام وهو مؤدب مروان الحمار – مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية – ولهذا يقال له: مروان الجعدي – فنسب إليه -، وهو شيخ الجهم بن صفوان، الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية الذين يقولون أن الله في كل مكان بذاته" ((البداية والنهاية)) ابن كثير (15/11).
وقد روى الإمام البخاري – رحمه الله – في (خلق أفعال العباد) أن خالد بن عبدالله القسري، قام بواسط في يوم أضحى وقال: "ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله علواً كبيراً عما يقول الجعد بن درهم ثم نزل فذبحه" ((خلق أفعال العباد)) (ص: 12). ، وكان ذلك عام 188هـ تقريباً انظر ((الأعلام)) (2/120).
وفي مقابل غلو الخوارج برز قرن المرجئة والكلام في الإيمان, وظهر الكلام في الإرجاء، وإخراج العمل عن مسمى الإيمان، وأول من أظهر هذا القول، ذر ابن عبدالله الهمداني.
روى أن إبراهيم النخعي أنه كان يقول لذر: ويحك يا ذر ما هذا الدين الذي جئت به، قال ذر: ما هو إلا رأي رأيته.
قال: ثم سمعت ذراً يقول: إنه لدين الله الذي بعث به نوح عبدالله بن الإمام أحمد ((السنة)) (ص: 84).
وقيل أول من أحدث الإرجاء وتكلم في مسألة الإيمان قيس الماصر، نقل الحافظ ابن حجر ذلك عن الأوزاعي قال: أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس الماصر.
وقيل أول من أحدثه حماد بن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة، وتلميذ إبراهيم النخعي، ثم تبعه أهل الكوفة وغيرهم، ذكر ذلك شيخ الإسلام بن تيمية.
قال البغدادي: ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبدالله بن عمر، وجابر بن عبدالله، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعبدالله بن أبي أوفى، وعقبة بن عامر الجهني، وأقرانهم، وأوصوا أخلافهم بأن لا يسلموا على القدرية, ولا يصلوا على جنائزهم، ولا يعودوا مرضاهم، ثم اختلفت الخوارج بعد ذلك فيما بينها ((الفرق بين الفرق)) (39-40).
ثم تأتي البدايات الأولى لوعيدية المعتزلة، والقول بالمنزلة بين المنزلتين، يقول البغدادي: ثم حدث في أيام الحسن البصري خلاف واصل بن عطاء الغزالي، في القدر وفي المنزلة  بين المنزلتين, وانضم إليه عمر بن عبيد بن باب في بدعته, فطردهما الحسن من مجلسه, فاعتزلا إلى سارية من سواري مسجد البصرة, فقيل لهما ولأتباعهما "معتزلة" لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم أن الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر ((الفرق بين الفرق)) (ص: 41).
وقال الشهرستاني في معرض الحديث عن البدع والمحدثات التي كانت في أواخر عصر الصحابة أولها بدعة القدر كما مر معنا قال: "ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال, وكان تلميذ الحسن البصري، وتلمذ له عمر بن عبيد، وزاد عليه في مسائل القدر... والوعيدية من الخوارج، والمرجئة من الجبرية، والقدرية، ابتدءوا بدعتهم في زمان الحسن, واعتزل واصل عنهم، وعن أستاذه بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين، فسمي هو وأصحابه معتزلة، وقد تلمذ له زيد بن علي, وأخذ الأصول, فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة".
وهكذا بدأ الكلام في مسائل الاعتقاد, وإن كان مفرق لكنه أشبه ما يكون بالسيل, يبدأ قطرات ثم ما يلبث أن يتجمع ثم يطبق بعد ذلك الأرض.
وهكذا انتقل علم الكلام إلى طور جديد أكثر تطوراً وأكثر فاعلية ووضوح، على يد الجهم بن صفوان الذي جمع شتات الأقوال السابقة، وأخرجها من مخرج واحد، وصبها في بوتقة واحدة.
قال الذهبي – رحمه الله -: "عن الجهم أبو محرز الراسبي مولاهم السمرقندي الكاتب رأس الضلالة ورأس الجهمية كان صاحب ذكاء وجدل... وكان ينكر الصفات وينزه الباري عنها بزعمه ويقول بخلق القرآن ويقول بأن الله في كل مكان" ((سير أعلام النبلاء)) (6/26-27).
يقول الدكتور سفر الحوالي: "أما الجهم بن صفوان فهو رأس الضلالات وأس البليات جعله الله فتنة الناس، وسبباً للإضلال، كما جعل السامري في بني إسرائيل، وحسبنا أن نعلم أن هذا الرجل الذي كان من شواذ المبتدعة في مطلع القرن الثاني قد ترك من الأثر في الفرق الإسلامية الاثنين والسبعين، ما لا يعادله أثر أحد غيره، هذا مع أنه ليس بإمام يحتج بقوله ولا عالم يعتد بخلافة ولا شهد له أحد بخير" ((ظاهرة الإرجاء)) (2/390-391).
روى اللالكائي، بسنده عن أحدهم: "قرأت في دواوين هشام بن عبدالملك، إلى عامله بخرسان نصر بن سيار، أما بعد فقد نجم قبلك رجل من الدهرية من الزنادقة يقال له جهم بن صفوان, فإن أنت ظفرت به فاقتله, وإلا فادسس إليه من الرجال غيلة ليقتلوه" ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (3/381).
ونقل الحافظ بن حجر عن ابن أبي حاتم، أن سلم بن أحواز، عامل نصر بن سيار على مرو، لما قبض على جهم قال: "يا جهم, إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك، ولكن سمعتك تتكلم بكلام باطل أعطيت لله عهداً أن لا أملك إلا قتلك. فقتله" ((فتح الباري)) (13/346).
وبظهور الجهم بن صفوان، تحول علم الكلام من طور الإنشاء إلى طور أكثر تناسقاً، بل إلى طور الظاهرة، وذلك للأثر السيىء الذي تركه الجهم بن صفوان في الفرق الإسلامية المختلفة، حتى تأثرت هذه الفرق به في قليل أو كثير من أصوله، ولا سيما في الصفات حتى المنتسبون للسنة من أهل الكلام، فهم على أصوله في كثير من أصول الاعتقاد.الفروق في العقيدة بين أهل السنة والأشاعرة لصادق عبده السفياني - ص 47
تطور الظاهرة الكلامية
إن الظواهر المختلفة لا تستقر ولا تترعرع إلا بعد أن تمر بمراحل مختلفة، وأطوار عديدة متغيرة، وأزمان متباعدة.
ولقد انتقل علم الكلام بهذه المراحل، والأطوار جميعاً حتى صار ظاهرة تحمل العامة على مقتضاه، وتمثل هذه المرحلة منعطفاً خطيراً في عقيدة الأمة، وذلك لاضطلاع الخلافة الإسلامية عليها، وهو سبق خطير ليس له نظير قبله في تاريخ خلفاء الأمة، وكان ذلك في زمن المأمون العباسي، وهذه هي مرحلة الاستقرار الأول لعلم الكلام.
يقول الشهرستاني: "ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج علم الكلام، وأفردتها فناً من فنون العلم، وسمتها علم الكلام، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فناً من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان" ((الملل والنحل)) (ص: 29).
يقول شيخ الإسلام – ملاحظاً هذا التطور-: في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء الرأي، والكلام، والتصوف، فكان جمهور الرأي في الكوفة، وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة.
ومر علم الكلام بمراحل مختلفة يمكن ذكرها فيما يلي:
المرحلة الأولى – وهي مرحلة قدامى المتكلمين، كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وغيرهم.
وقد تميزت هذه المرحلة بالتأثر بالمصطلحات اليونانية، وخاصة عند المتأخرين منهم كالعلاف، حيث ترجمت كتب الفلسفة اليونانية، وقد كانت المباحث الكلامية في هذه المرحلة متناثرة حسب موضوعاتها التي يتفق الكلام فيها دون وضع قواعد صريحة لهذا العلم، كما خلت هذه المرحلة من الاستعانة بعلم المنطق الأرسطي.
المرحلة الثانية – وهي المرحلة التي دخل فيها الأشاعرة معترك الكلام في مقابل المعتزلة، وتعد هذه المرحلة أكثر تطوراً، نظراً لوضع قواعد علم الكلام ومقدماته التي يحتاج إليها الدارس مثل إثبات الجوهر – الفرد وغيره -.
المرحلة الثالثة – حيث تتميز هذه المرحلة بمناقشة كلام الفلاسفة وإدخال ذلك في علم الكلام كما تتميز أيضاً باستعمال المنطق الأرسطي في مقدمات علم الكلام ودراسة أدلته وبراهينه.
المرحلة الرابعة – تتميز بالخلط بين مذاهب الفلسفة والكلام واشتباه الأمر فيها على الكاتب والقارئ جميعاً. ثم التقليد المحض لتلك الآراء من غير نظر في أصولها محمد العبد، وطارق عبدالحليم، ((المعتزلة بين القديم والحديث)) (ص: 37-39)، ((أبجد العلوم لصديق خان)) (ص: 450-541).
وهناك أسباب كامنة وراء تفش الظاهرة الكلامية منها:
- تسامح المسلمين: فلقد كانت شروط الفتح الإسلامي تسمح ببقاء بذور الحضارات المختلفة عند طوائف كبيرة من الأهالي الذين واصلوا التمتع بعاداتهم وقوانينهم على شريطة أن يعطوا الجزية، وكان طبيعياً أن تتأسس الروابط والعلاقات بين الفاتحين وأهل البلاد في وقت مبكر سواء أكان ذلك بسبب الحوار أم بسبب اعتناق الإسلام، وكان قد التحق بالإسلام طوائف وفئام من كل ملة، دخلوا حاملين لما كان عندهم من فلسفات وديانات راغبين أن يصلوا بين الإسلام وبين تلك الأديان والفلسفات، فثارت الشبهات بعد ما هبت على الناس أعاصير الفتن عامر النجار ((الخوارج)) (ص: 65). ، ولاشك أن هذا التمازج والاختلاط والتوسع في الفتوحات مع السماح ببقاء بذور ورواسب الحضارات السابقة كان له الأثر في نشأة علم الكلام ولم يستطع المصلحون أن يواجهوا تلك الفتنة وإخمادها بل على العكس من ذلك.
- ما إن فتحت البلدان على المسلمين، وتوسعت الرقعة التي يظلها الإسلام بظله، حتى تأثر المسلمون بما وفد عليهم من عوامل ومؤثرات، وحتى اختلطوا بأبناء الأمم المفتوحة الذين كانوا متأثرين بسابق حضارتهم، وما تحمله ثقافتهم ودياناتهم من أفكار ومعتقدات بل ومناهج نظر وبحث، تختلف باختلاف تلك الأمم، إلى جانب أن الكثير من أبناء الأمم قد دخلوا الإسلام حاملين ذلك التراث المثقل بركام التصورات القديمة، والمناهج الضالة, فكانوا كبذور فتنة ألقيت في تربة الإسلام محمد العبده وطارق عبدالحليم ((المعتزلة بين القديم والحديث)) (ص: 11-12). ، فتأثر بهم من تأثر من أبناء المسلمين, وركبوا من المناهج مراكب الوافدين، فجاءت الثمار تحمل مناهج استدلال غير المنهج الذي عرفه السلف من الصحابة والتابعين، ولا يغيب عن أذهاننا أن بعض من دخل في الإسلام لم يدخل إلا لبث الشبهات, وزلزلة العقائد, ودس المناهج الضالة، والمتأمل في رؤوس الضلالة ورواد البدعة سيجد أن أغلبهم من بقايا الديانات والفلسفات التي سحقها الإسلام, مثل اليهودية, والنصرانية, والمجوسية.
- وهناك سبب آخر من أهم أسباب انتشار الظاهرة الكلامية، ذلك السبب هو حركة التعريب – الترجمة – لكتب الفلسفة والمنطق، وهي من أعظم أبواب الشر التي فتحت في زمن المأمون، فكثر تعريب كتب فلاسفة اليونان الأوائل, مما كان له أسوأ الأثر في تكدير صفو العقيدة، وبلبلة الناس وشغلهم بالمنطق الإغريقي عن الكتاب والسنة, حيث ترجمت العديد من الكتب مثل كتاب (الطبيعة), وكتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو، وترجم كتاب (كليلة ودمنة), وكثير من كتب الكيمياء, والطب, والنجوم مثل (المجسطي)، وكتاب (الحكم الذهبية) لفيثاغورث، ومصنفات أبقراط, وجالينوس, وكتاب (طيماوس) لأفلاطون، و(السياسة) له أيضاً، وكتاب (النواميس)، و(جوامع المحاورات) له أيضاً عامر النجار ((الخوارج)) (ص: 73-74).
ولعل السر يكمن في أن أغلب المترجمين كانوا غير المسلمين، مثل يحيى البطريق، وجورجس بن جبرائيل، وتيادورس، وعبد المسيح بن ناعمة الحمصي، وقسطا ابن لوقا البعلبكي، وحنين بن إسحاق وغيرهم.
قال الإمام السفاريني: "قال العلماء إن المأمون لما هادن بعض ملوك النصارى أظنه صاحب قبرص، طلب منه خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك, فكلهم أشاروا بعدم تجهيزها إليه إلا مطران واحد فإنه قال: جهزها إليهم, فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها، وحدثني من أثق به أن شيخ الإسلام ابن تيمية – روح الله روحه – كان يقول: ما أظن أن الله يغفل عن المأمون, ولابد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها" ((لوامع الأنوار)) (1/9).
وفي هذه الأثناء مد أهل البدعة رواق بدعتهم, وتنفذوا على البلاد والعباد, وصارت المنابر والحلق والقضاء حكراً عليهم, وضيق على أهل السنة, ونالهم العنت الشديد أحمد القاضي ((مذهب التفويض في نصوص الصفات)) (ص: 35).
وهكذا ظل علم الكلام يترقى في مراحله المذكورة سابقاً حتى صارت مباحثه مختلطة بالمباحث الفلسفية البحتة, وصار هو الطريق المعبر عن عقيدة المسلمين على ما فيه من أغماض وتعقيد وتكلف يصعب على العلماء أنفسهم فهم أغلب مباحثه ومصطلحاته، هذا عابه السلف وإن لهم منه موقف.الفروق في العقيدة بين أهل السنة والأشاعرة لصادق عبده السفياني - ص 58
موقف السلف الصالح من علم الكلام:
لقد كان موقف السلف الصالح من علم الكلام موقفاً حازماً هو المنع من تعاطي هذا العلم والاشتغال به ومجالسة أصحابه أو حتى الرد عليهم, وذلك أنهم نظروا إلى منهج الرسالة من الكتاب والسنة، فوجدوه قد انتهج منهجاً خاصاً في تقرير العقيدة الإسلامية، فاتجه إلى العقل الإنساني والفطرة البشرية يخاطب ما جبلت عليه من حقائق تجعل الإيمان بوجود الخالق وضرورة عبادته وحده أمراً بديهياً، لا حاجة فيه إلى الجدل والسفسطة، وأن الإسلام مبناه على الخضوع والاستسلام.
ثم نظروا إلى الأصول والمحاضن التي نشأ فيها علم الكلام، فوجدوا أن علم الكلام ترعرع في بيئة وثنية خالية من التوحيد، أساسه الفلسفة اليونانية، وبيئة المجتمع الإغريقي الإباحي المنحل، فأطلقوا صيحات الإنذار إشفاقاً على هذه الأمة من أن تأخذ مأخذ الأمم السابقة فكثرت أقوالهم في التحذير من علم الكلام، وهذه الورقات مع ما سبق طرحه من الأمر بلزوم السنة تعطينا صورة واضحة متكاملة عن حرص السلف الصالح الكرام على هذه الأمة، وإليك نماذج من أقوالهم المحذرة من علم الكلام.
يقول الإمام أحمد في رسالته للخليفة المتوكل في أمر القرآن: "ولست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله – عز وجل – أو في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم, أو عن أصحابه, أو عن التابعين. فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود" الإمام أحمد ((المسائل والرسائل)) (2/398).
وعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: كتب رجل إلى أبي فسأله عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم فأملى علي جوابه:
"أحسن الله عاقبتك, ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل الزيغ, وإنما الأمر بالتسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله – جل وعلا" ((المسائل والرسائل)) (2/398).
وقال: "لا يفلح صاحب كلام أبداً, ولا أرى أحداً نظر في الكلام إلا في قلبه دغل" عامر النجار ((الخوارج)) (ص: 22).
وعن الإمام الشافعي – رحمه الله – قال: "إياكم والنظر في الكلام فإن الرجل لو سئل عن مسألة الفقه فأخطأ فيه كان أكثر شيء أن يضحك منه عليه، ولو سئل عن مسألة في الكلام فأخطأ فيها نسب إلى البدعة, لقد رأيت أهل الكلام يكفر بعضهم بعضاً، ورأيت أهل الحديث يخطئ بعضهم بعضاً، والتخطئة أهون من الكفر" الرازي ((مناقب الإمام الشافعي)) (ص: 60).
وقال أيضاً: "لأن يبتلى المرء بكل ذنب نهى الله عنه ما عدا الشرك، خير له من الكلام" اللالكائي ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/165).
وقال أيضاً: "لقد اطلعت من أصحاب الكلام على شيء ما ظننت أن مسلماً يقول ذلك" اللالكائي ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/165).
وقال أيضاً: "حكمي على أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، فيقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام" ابن أبي العز ((شرح الطحاوية)) (ص: 210).
وقال الإمام مالك: "إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبدالله ما البدع؟، قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة وتابعيهم" عامر النجار ((الخوارج)) (ص: 23).
وقال أيضاً: "كلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله" اللالكائي ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/163).
وقال أبو يوسف – من الحنفية -: "من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق" اللالكائي ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/166).
وقال أبو محمد البربهاري: "واعلم أنها لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام، وأهل الكلام" ((شرح السنة)) (ص: 44 – 45).
وقال أيضاً: "وإذا أردت الاستقامة على الحق، وطريق السنة قبلك، فاحذر الكلام، وأصحاب الكلام" ((شرح السنة)) (ص: 64-65).
وقال الإمام الدارمي – بعد ذكره لمقتل الجعد بن درهم، عن أهل الكلام -: "ثم لم يزالوا بعد ذلك مقموعين، أذلة مدحورين، حتى كان الآن بأخرى، حيث قلت الفقهاء، وقبض العلماء، ودعا إلى البدع دعاة الضلال، فشد ذلك طمع كل متعوذ في الإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق، ووجدوا فرصة للكلام فحدوا في هدم الإسلام، وتعطيل ذي الجلال والإكرام، وإنكار صفاته وتكذيب رسله وإبطال وحيه، إذ وجدوا فرصتهم وأحسوا من الرعاع جهلاً، ومن العلماء قلة، فنصبوا عندها الكفر للناس إماماً، بدعوتهم إليه وأظهروا لهم أغلوطات من المسائل، وعمايات من الكلام ليغالطوا بها أهل الإسلام" رواه مسلم (2670) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
هذا كلام أهل العلم الأساطين الأثبات، أخذنا منه قطرة من فيض عطائهم، وكلامهم في التحذير من علم الكلام والاشتغال به.
فيا ترى ما هو قول أصحاب هذا الفن ممن اشتغل حياته بتحصيله, والنظر فيه, والاستدلال بموجبه, إليك بعضاً من كلامهم.
يقول أبو حامد الغزالي: فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن الناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف, فمن قائل إنه بدعة وحرام, وأن العبد إن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل إنه فرض إما على الكفاية, وإما على الأعيان, وأنه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله، وإلى التحريم ذهب الشافعي, ومالك, وأحمد بن حنبل, وسفيان, وجميع أئمة الحديث من السلف.. وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديد فيه؛ قالوا ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم – إلا لما يتولد من الشر -.
وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((هلك المتنطعون)) ((الرد على الجهمية)) (ص: 22)، بتحقيق بدر البدر. ، أي المتعمقون في البحث والاستقصاء واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني على أربابه... فإن قلت فما المختار عندك؟ فأجاب: فيه منفعة وفيه مضرة, فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب كما يقتضيه الحال, وهو باعتبار مضرته في وقت الاستقرار ومحله حرام، فأما مضرته فإثارة الشبهات, وتحريف العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم, وذلك مما يحصل بالابتداء, ورجوعها بالدليل مشكوك فيه, ويختلف فيه الأشخاص, فهذا ضرورة في اعتقاد الحق, وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة وتثبيتها في صدورهم. بحيث تنبعث دواعيهم, ويشتد حرصهم على الإصرار عليه, لكن هذا الضرر بواسطة التعب الذي يثور من الجدل، أما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيئتها, فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف, ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا, فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة, وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين, وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام, وتحقق أن الطريق إلى المعرفة في هذا الوجه مسدود, ولعمري لا ينفعك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور ((إحياء علوم الدين)) (1/94-97). وانظر ابن أبي العز ((شرح الطحاوية)) (ص: 204 – 205).
أما كبير المتكلمين الذي يدور على مقالاته مذاهبهم, أوحد زمانه في المعقول والمنقول, أبو عبدالله الفخر الرازي، فقد أوصى عند موته كما في كتاب (عيون الأنباء) فقال: "وكنت أكتب في كل شيء شيئاً، لا أقف على كميه وكيفيه سواء كان حقاً أو باطلاً, غثاً أو سميناً.. ولقد اختبرت الطرق الكلامية, والمناهج الفلسفية, فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى, ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقصات، وماذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشي، وتضمحل في تلك المضايق العميقة, والمناهج الخفية.. وأقول ديني متابعة محمد سيد المرسلين, وكتابي هو القرآن العظيم, وتعويلي في طلب الدين عليهما" عبدالرحمن المعلمي ((القائد إلى تصحيح العقائد)) (ص: 74-75).
وأما الإمام الجويني، فإنه ندم على ما كان منه من تضييع عمره في تحصيل علم الكلام, ونهى أصحابه عن الخوض فيه فقال: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام, فلو عرفت أن الكلام يبلغ إلى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم, وخليت أهل الإسلام وعلومهم, ودخلت في الذي نهوني عنه, والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني, ها أنا أموت على عقيدة أمي – أو قال – على عقيدة عجائز نيسابور ابن أبي العز الحنفي ((شرح الطحاوية)) (ص: 209). ، وقال: اشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة يخالف فيها السلف" ابن أبي العز الحنفي ((شرح الطحاوية)) (ص: 70).
ولقد اقتصرنا في سرد أقوال بعض المتكلمين وتركنا آخرين لكفاية ما ذكرنا، فرجوع هؤلاء الأكابر وقضاؤهم على النظر المتعمق فيه بما سمعت، بعد أن أفنوا فيه أعمارهم من أوضح الحجج على من دونهم المعلمي ((القائد إلى تصحيح العقائد)) (ص: 75). , وبطلان مأخذهم, واشتغالهم بعلم الكلام, واستدلالهم بموجبه.
ومن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه, حجبه مرامه عن خالص التوحيد, وصافي المعرفة, وصحيح الإيمان, فيتذبذب بين الكفر والإيمان, والتصديق والتكذيب, والإقرار والإنكار, موسوساً, تائهاً, شاكاً, لا مؤمناً مصدقاً, ولا جاحداً مكذباً ((العقيدة الطحاوية)) (ص: 21-22) تعليق الشيخ بن باز – رحمه الله -. الفروق في العقيدة بين أهل السنة والأشاعرة لصادق عبده السفياني - ص 63

انظر أيضا: