trial

موسوعة الفرق

المرحلة الثالثة: دور (الكركي والنراقي) في تطوير ولاية الفقيه


لقد تطورت فكرة ولاية الفقيه تطوراً واضحاً عند الكركي والنراقي. ويتضح ذلك بعرض موجز لما قدمه كل منهما في تطوير هذه النظرية.
1- الكركي:
لقد تهيأت الظروف للكركي لنشر المذهب الشيعي وآرائه الفقهية، وذلك بعد أن استدعته الدولة الصفوية التي أعلنت المذهب الإمامي مذهباً رسمياً، واحتاجت لمن يدعو لهذا المذهب وينشر أفكاره؛ فاستعانت به. ويظهر ذلك عندما دعاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل الصفوي للمشاركة معه في الحكم ووجوب طاعته. وأصدر قراراً بذلك، قال فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم: حيث إنه يبدو ويتضح من الحديث الصحيح النسبة إلى الإمام الصادق – عليه السلام – الذي يقول فيه: انظروا إلى من كان قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا؛ فارضوا به حكماً؛ فإني قد جعلته عليكم حاكماً؛ فإذا حكم بحكم فمن لم يقبله منه؛ فإنما بحكم الله استخف، وعلينا رد، وهو راد على الله وهو على حد الشرك بالله ((الكافي)) (1/67). و((الاحتجاج)) (2/106). . واضح أن مخالفة حكم المجتهدين الحافظين لشرع سيد المرسلين هو والشرك في درجة واحدة؛ لذلك فإن كل من يخالف حكم خاتم المجتهدين، ووارث علوم سيد المرسلين نائب الأئمة المعصومين لازال اسمه العلي علياً عالياً، ولا يتابعه؛ فإنه لا محالة ملعون مردود وعن مهبط الملائكة مطرود، وسيؤاخذ بالتأديبات البليغة والتدبيرات العظيمة) ((جامع المقاصد)) الكركي (1/33)، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1408هـ، قم. .
فبدأ المحقق الكركي في تطبيق النيابة العامة عن الإمام المنتظر بعد هذا القرار الذي أصدره الشاه طهماسب بوجوب طاعته، والحذر من مخالفته. فأكد الكركي على ذلك في العديد من مؤلفاته. ومما جاء عنه في التأكيد على أن لنائب الإمام الحق في إصدار الأحكام، ووجوب العمل بها؛ لأنه نائب من قبل إمامهم المنتظر، وكل ما يقوله حق يجب أتباعه، مما جاء في ذلك قوله: (اتفق أصحابنا – رضوان الله عليهم – على أن الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمة الهدى – صلوات الله وسلامه عليهم – في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل... فيجب التحاكم إليه والانقياد على حكمه) ((رسائل الكركي)) الكركي (1/142)، مكتبة آية الله العظمى المرعشي، الطبعة الأولى، 1409هـ، قم. .
وبهذا يكون الكركي قد أسس لشرعية سياسية بتدخل العلماء في السلطة والسياسة، بل كسر الحاجز الذي كان بين الفقيه والحاكم في الفقه الإمامي؛ وذلك بتطبيقه ولاية الفقيه، ولو بشكل محدود عملياً. وهذا ينفي فكرة: أن الخميني هو أول مفكر شيعي يوفق في تطبيق نظرية ولاية الفقيه عملياً انظر: ((ولاية الفقيه عند الشيعة الإثني عشرية وموقف الإسلام منها)) الدكتور أحمد سيد أحمد علي (ص: 139-140)، مكتبة الإمام البخاري، الطبعة الأولى، 1428هـ، مصر، الإسماعيلية. . في حين يرى بعض الباحثين أن: قيام دعوة واضحة وصريحة لتسلم الفقيه المجتهد زمام السلطة الكلية للدولة نيابة عن الإمام الغائب لم تحدث إلا على يد الخميني انظر: ((نظرية ولاية الفقيه دراسة وتحليل ونقد)) الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح (ص: 40)، دار عمار، الطبعة الأولى، 1409هـ، عمان. .
2- النراقي:
للنراقي السبق في بث التفكير لدى فقهاء الشيعة عن كيفية وطريقة إقامة دولة إسلامية يتزعمها ويقوم بها الفقيه الجامع للشروط؛ فقد ساهم في ذلك عندما حمل الفقيه في بحثه مسؤولية الولاية التي كانت للمعصوم، وعده نائبه. واستشهد لذلك بالأدلة العقلية والنقلية التي تثبت نظريته في ولاية الفقيه. ويمكن القول: إن التنظير الذي قام به المحقق النراقي لولاية الفقيه، وما تبعه من بحوث ومناقشات حول هذه المسألة: قد مهد للخميني أن يتقدم في نقله كبرى، وهي السعي الجاد لإقامة حكومة إسلامية يتزعمها الفقيه العادل فضلاً عن التنظير لها والاستدلال عليها انظر: ((ولاية الفقيه عند الشيعة الإثني عشرية وموقف الإسلام منها)) (ص: 141). . ونجد أن النراقي يعد أول من أفرد مسألة ولاية الفقيه تحت عنوا مستقل؛ وهو ما جعل من جاء بعده يهتم بالمسألة وبحثها؛ فقد استطاع تحقيق نقلة نوعية في صياغة نظام الحكم عصر الغيبة المتمثل بولاية الفقيه؛ فتعتبر محاولته خطوة متقدمة لتأسيس مشروع منهجي للبحث في نظام الدولة في الفقه الجعفري ((مجلة تراثنا)) (1/126) مؤسسة آل البيت، 1410هـ، قم. .
وقد ذكر النراقي وظيفة والفقهاء في أمور الناس، وما لهم فيها من الولاية، وحددها بأمرين:
الأول: كل ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة فهو للفقيه أيضاً؛ إلا ما دل الدليل عليه من إجماع أو نص أو غيرهما.
الثاني: كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم لابد من الإتيان به ولا مفر منه إما عقلاً أو عادة، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرف فيه والإتيان به انظر: ((عوائد الأيام))، النراقي (ص: 536)، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1417هـ. .
فنجد أن النراقي قد أعطى صلاحيات للفقهاء فشابههم جداً بولاية المعصوم عندهم. وجعلهم حكاماً في زمن الغيبة والنواب عن الأئمة انظر: ((عوائد الأيام)) (ص: 529). ؛ فالنراقي قد طور نظرية (ولاية الفقيه) من كونها مرتبطة بإجازة الملوك كما عند الكركي إلى تصدي الفقهاء بأنفسهم للحكم، وتجاوز ما يسمى بـ(نظرية الانتظار) والتخلي عنها انظر: ((تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه)) (ص: 28). .
هذه بإيجاز أهم مراحل ما يسمى بـ(ولاية الفقيه)؛ حيث كانت بداياتها متمثلة في السفراء الأربعة ودورهم كنواب لإمامهم المنتظر، ثم بعد ذلك سعى العديد من علماء الشيعة لكسر الجمود الحاصل عند الشيعة بعد انقطاع السفراء وبداية ما يسمى بـ(الغيبة الكبرى)، ثم فتح باب الاجتهاد بشكل محدود واستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة المعتبرة عندهم، فانتقلوا إلى الاجتهاد فيما يتعلق بجواز إقامة الحدود والقضاء من قبل سلاطين الجور. وبعد ذلك أجازوا إقامة الفقيه للحدود وغيرها حتى من غير موافقة سلاطين الجور. ولم يقتصروا على إقامة الحدود، بل تجاوزوا ذلك إلى تولي القضاء ودفع الخمس والزكاة. ثم نحت ولاية الفقيه منحى آخر، تمثل في ظهور المحقق الكركي الذي بدأت على يديه ولاية الفقيه تتوسع أكثر حتى شملت الشؤون السياسية، ثم تطورت ولاية الفقيه أكثر على يد المحقق النراقي؛ بحيث أجاز إقامة دولة تكون تحت رعاية الفقيه وحكمه؛ بحكم أنه نائب عن الإمام عن كل شيء. ثم جاء الخميني بعد ذلك وأفرد كتاباً خاصاً بولاية الفقيه وأهميتها وضرورتها لدى الشيعة، وظهرت آثار تلك النظرية واضحة في دستور إيران. ولاية الفقيه وتطورها لخالد عبد المحسن التويجري – ص 19

انظر أيضا: