trial

موسوعة الفرق

المطلب الرابع: الجزء الإلهي الذي حل في الأئمة


ترد عندهم رايات تدعي بأن جزءًا من النور الإلهي حل بعليّ.
قال أبو عبد الله: (ثم مسحنا بيمينه فأضى نوره فينا) ((أصول الكافي)) (1/440)، و((بحار الأنوار)) (1/441-442). . (..ولكن الله خلطنا بنفسه..) ((أصول الكافي)) (1/435). .
كانوا قبل خلق الخلق أنوارًا.
وهذا الجزء الإلهي الذي في الأئمة - كما يزعمون - أعطوا به قدرات مطلقة، ولذلك فإن من يقرأ ما يسمونه معجزات الأئمة - وتبلغ مئات الروايات - يلاحظ أن الأئمة أصبحوا كرب العالمين - تعالى الله وتقدس عما يقولون - في الإحياء والإماتة والخلق والرزق انظر: ((بحار الأنوار)) باب جوامع معجزاته (يعنون عليًا) (42/17-50)، وفيه 17 رواية، وباب ما ورد من غرائب معجزاته: (42/50-56)، وحتى قبره جعلوا له معجزات لا يقدر عليها إلا رب العباد، وعقد لهذا صاحب البحار بابًا بعنوان باب (ما ظهر عند الضريح المقدس من المعجزات والكرامات) (42/311-339). . إلا أن رواياتهم تربط هذا بأنه من الله كنوع من التلبيس والإيهام.
فهذا - مثلاً - عليّ يُحْيِي الموتى. جاء في الكافي عن أبي عبد الله قال: (إنّ أمير المؤمنين له خؤولة في بني مخزوم وإنّ شابًّا منهم أتاه فقال: يا خالي إنّ أخي مات وقد حزنت عليه حزنًا شديدًا، قال: فقال: تشتهي أن تراه؟ قال: بلى، قال: فأرني قبره، قال: فخرج ومعه بردة رسول الله متّزرًا بها، فلمّا انتهى إلى القبر تلملمت شفتاه ثم ركضه برجله فخرج من قبره وهو يقول بلسان الفرس، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ألم تمت وأنت رجل من العرب؟ قال: بلى، ولكنا متنا على سنة فلان وفلان (أي أبو بكر وعمر) فانقلبت ألسنتنا) ((أصول الكافي)) (1/457)، وانظر: ((بحار الأنوار)) 41/192، ((بصائر الدرجات)) (ص: 76). .
بل إن عليًا - كما يزعمون - أحيى موتى مقبرة الجبانة بأجمعهم ((بحار الأنوار)) (41/194)، وعزاه إلى الخرائج والجرائح، ولا يوجد في النسخة المطبوعة. ، وضرب الحجر فخرجت منه مائة ناقة ((بحار الأنوار)) (41/198)، وعزاه إلى الخرائج والجرائح، وليس في النسخة المطبوعة. .
وقال سلمان - كما يفترون -: (لو أقسم أبو الحسن على الله أن يحيي الأوّلين والآخرين لأحياهم) ((بحار الأنوار)) (41/201)، ((الخرائج والجرائح)) (ص: 82). .
هذا الغلو هو بلا شك ارتضعوه من أفاويق المذاهب الوثنية التي تدعي في أصنامها ومعبوداتها ما للرب سبحانه من أفعال، ويكفي في فساده مجرد تصوره؛ إذ هو مخالف للنقل والعقل والسنن الكونية كما هو منقوض بواقع الأئمة وإقراراتهم، ورسول الهدى صلى الله عليه وسلم يقول - كما أمره ربه -: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ [الأعراف: 188].
ومن الطريف أن كتب الشيعة مع تعظيم الأئمة والغلو فيهم تروي ما يخالف هذا، لتثبت تناقضها فيما تقول كالعادة في كل كذب وباطل، فقد جاء في رجال الكشي أن جعفر بن محمد قال: (فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضرّ ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإنّ عذّبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله حجّة، ولا معنا من الله براءة، وإنّا لميّتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون، ويلهم! ما لهم لعنهم الله فقد آذوا الله وآذوا رسوله صلى الله عليه وسلم في قبره، وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي صلوات الله عليهم.. أشهدكم أنّي امرؤ ولدني رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذّبني عذابًا شديدًا) ((رجال الكشّي)) (ص: 225-226). .
ولكن شيوخ الشيعة يعدون مثل هذه الإقرارات من باب التقية. فأضلوا قومهم سواء السبيل، وأصبح مذهب الشّيعة مذهب الشّيوخ لا مذهب الأئمّة.
وهذه المقالة التي عرضت لبعض شواهدها عندهم والتي تزعم حلول جزء إلهي بالأئمة، قد تطورت عند بعض شيوخهم واتسع نطاقها إلى القول (بوحدة الوجود) وحقيقتها أن وجود الكائنات هو عين وجود الله. انظر: ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (1/140). . وعدوا ذلك أعلى مقامات التوحيد، فهو الغاية في التوحيد عند شيخهم النراقي مهدي بن أبي ذر الكاشاني النراقي، المتوفى سنة (1209هـ‍). انظر: ((الذريعة)) (5/58)، وانظر نص النراقي في ذلك في كتابه: ((جامع السعادات)) (ص: 132-133). ، كما أن شيخهم الكاشاني - صاحب الوافي أحد أصولهم الأربعة المتأخرة - كان يقول بعقيدة وحدة الوجود، وله رسالة في ذلك، جرى فيها مجرى ابن عربي وعبر عنه ببعض العارفين ((لؤلؤة البحرين)) (ص: 121). .
والاتجاه الصوفي المتطرف قد تغلغل في كيان المذهب الاثني عشري، وعشعش في عقول أساطين المذهب من المتأخرين، وبين الأفكار الصوفية الغالية والعقائد الشيعية المتطرفة تشابه وتلاق راجع في ذلك ((الصلة بين التصوف والتشيع)) لمصطفى كامل الشيبي، و((الفكر الشيعي والنزعات الصوفية)) للمؤلف نفسه، و((الفكر الصوفي)) عبد الرحمن عبد الخالق (ص: 389)، وقد غاظت هذه الحقيقة بعض متعصبي الشيعة الاثني عشرية وهو هاشم معروف الحسيني فرد على الشيبي بكتاب سماه ((بين التصوف والتشيع)). .أصول مذهب الشيعة الإمامية لناصر علي القفاري – 2/518

انظر أيضا: