trial

موسوعة الفرق

3- المخترعة


فرقة عرفت بهذا الاسم، لقولهم: باختراع الله الأعراض في الأجسام، وأنها لا تحصل بطبائهها  - كما تقول المطرفية- وهم يقولون: بإمامة علي بالنص، وخطأ المشايخ بالتقدم عليه، ومخالفة ذلك النص والتوقف في تفسيقهم   ((المنية والأمل))  (ص 99). .
وقد جرى بينهم وبين المطرفية نزاع شديد وخلاف مرير، انتهى بزوال المطرفية على يد الإمام عبدالله بن حمزة، وكان رئيس المخترعة علي بن شهر من بيت أكلب من قاع البون شمال صنعاء، وقد تابع أبا هاشم البلخي   ((الفضائل)). وهذه الفرقة هي ما عليها هادوية اليمن حتى اليوم.
كذلك فقد أضاف الشريف عبدالصمد بن عبدالله الدامغاني   نسبة إلى دامغان: بلد كبير بين الري وقومس ((معجم البلدان)). إلى ما تقدم ذكره أموراً أخرى عن الزيدية، وذلك في قوله: "وأما ما نقم على الزيدية، فأمورٌ كثيرة.
منها: اعتقادهم  - ومعهم أكثر المعتزلة- أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لعصاة الأمة، وهذا مخالف للعقل والنقل، فالعقل ظاهرٌ بلا مرية؛ لأن العاصي في الآخرة كالغريق في البحر يحتاج إلى استنقاذ، والمطيع كالذي في البر سالماً يريد أن يرتقي إلى منزلة عالية، فالغريق أولى بالاستنقاذ من ترقية السليم، ولا يظهر فضل النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة على المورود، وأما النقل فأحاديث كثيرة تقضي بأن الشفاعة ثابتة لعصاة الأمة، ومنه الحديث الذي يتخذه المؤذن في دعائه قبل الإقامة وهو: "اللهم وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وشفعه في أمته، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر المؤذن بذلك، وما يتعلقون به  - أي الزيدية- من قوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، وقوله تعالى:مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]. فلا يصح التعلق به؛ لأنه وارد في الكفار، إذ لا شفاعة لهم بالإجماع.
ومنها: اعتقادهم والمعتزلة أن الإنسان لا يدخل الجنة إلا بعمله، وهذا من أبعد ما يكون، وما يكون عمله في جنب معاصيه لو خلص، وفي جنب نعم الله تعالى عليه. كيف وشوائب الأعمال فائتة للحصر والتعداد، والحديث كله قاضٍ بأن الجنة لا تُستحق إلا بالتجاوز والرحمة، لا بمجرد العمل، ولذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم تقرير أمته على ذلك بقوله: ((لا يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بعفوه))   رواه البخاري (5673)  ومسلم (2816)  (75)  من حديث أبي هريرة  رضي الله عنه بلفظ: (لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال، ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضل ورحمة). , وهو صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، مع أنه معصوم، لا يجوز عليه ما يستحق به النار، وإنما أراد أن توطن أمتُه أنفسها على ذلك، وإنما يقال: إن الرحمة والتجاوز مع العمل لقوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56]، لا المتمردين.
ومنها: أنهم وبعض المعتزلة يعتقدون بكفر كثير من المخالف لهم في العقيدة، ويجاهدونهم كما يجاهد المشركون، وهذا مخالف للشريعة النبوية، فإن الأحاديث قضت بأن المقر بالشهادتين يحقن ماله ودمه، ووافقهم في ذلك بعض أهل السنة كالمالكية، فإنهم يكفرون من سب صحابياً ويوجبون قتله. ولا دليل معهم عليه؛ لأنهم وقعوا في بعضهم بعض في الفتنة واليد واللسان، كحال علي ومعاوية؛ لأن العلة في ذلك واحدة، وهي الوقيعة في صحابي، والذنب عظيم لا يزال عظيماً ممن وقع، وغير العظيم لا يبلغ مبلغ العظيم ممن وقع أيضاً، ولا يقول أحد من الأئمة: إن بعض الصحابة قد كفر بوقيعته في صحابي آخر بحال.
ومنها: أنهم يشترطون في الخلافة شروطاً لم يرد الشرع بأكثرها، وكذا يشترطونها في إمام الصلاة، ولذلك لا يدوم لهم إمام، لعدم كمال الشروط.
ومنها: أنهم يجوزون خليفتين في زمان واحد إذا تباعد قطراهما، كما كان ناصر الأطروش بالعجم، وهادي اليمن في اليمن، ويعتقدون أن قول كل واحد منهما نافذ حتى ولو أفتى أحدهما بقتل الآخر نفذت فتواه. وهذا جرم عظيم في الدين، مع مخالفته للدليل الواضح المبين. فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام خليفتان فاقتلوا الآخر منهما))   رواه مسلم (1853)  من حديث أبي سعيد الخدري  رضي الله عنه بلفظ: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ). ، ولأن ذلك يفرق أمر الأمة، ويشتت كلمتهم، وينثر نظامهم، ويمحق جماعتهم، ويرهن فيهم، ويسطي عليهم العدو، ولذلك قيل في المثل: "سيفان في غمد لا يجتمعان"...
ومنها: أن فيهم الوسواس في وضوئهم وصلاتهم وعقيدتهم، وكل ذلك مخالف للشريعة.
ومنها: أنهم يخالفون زيد بن علي إمامهم في أكثر الفروع، مع انتسابهم إليه، ويزعمون أنهم أخذوا بفروع أتباعه كما أخذت الشافعية بفروع أصحاب الشافعي، والمالكية بفروع أصحاب مالك، والحنفية بفروع محمد بن الحسن الشيباني وأبي يوسف وزفر أصحاب أبي حنيفة، وليس بصحيح؛ لأن أصحاب كل فقيه ممن رووا زادوا على فرع إمامهم وفروعها، ونقحوا الصحيح منها. والزيدية لم يفعلوا ذلك في فقه زيد بن علي، بل جعلوه كآحاد المخالفين في مسائل الفقه، وجعلوا عمدتهم في المذهب ثلاثة أئمة: من أولاد الحسن اثنين، ومن أولاد الحسين واحد.
 وكلهم من أتباع زيد في العقيدة والإمامة، وفروعهم توافق الحنفية أكثر من غيرهم من الفقهاء.
وبلداتهم اللاتي يظهرون فيها، ويكون لهم الشوكة على أهلها بالعجم جيلان وديلمان وبعض جرجان وأصفهان (أصبهان) والري والعراق الأعلى: الكوفة والأنبار   قد تحول سكان هذه المناطق أو معظمهم إلى مذهب الاثنى عشرية (الإمامية). وبالحجاز مكة وجميع بلدان الحجاز، إلا المدينة، فإن الشوكة فيها للاثنى عشرية   كان هذا في عصر الدامغاني مؤلف (الجوهرة الخالصة) ، المعروفة برسالة الدامغاني، أما اليوم، فسكان هذه المناطق من أهل السنة ولله الحمد. وكان هذا التحول قد حدث في عهد الملك العادل نور الدين محمود زنكي رحمه الله الذي أظهر بحلب – كما ذكر المقريزي في ((الذهب المسبوك))  (ص 68) - مذهب أهل السنة، وكان أهلها من الرافضة، وأبطل الأذان بحي على خير العمل، وأنشأ بها المارس على مذاهب الأئمة الأربعة، ثم في عهد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، الذي كان له الفضل في طرد الغزاة الصليبيين الإفرنجة من بلاد الشام، كما تم على يديه القضاء على الدولة الفاطمية التي حكمت شمال إفريقية ومصر وبلاد الشام، وامتد نفوذها إلى الحجاز، ثم إلى اليمن بوساطة الدولة الصليحية. وهم في نجد اليمن ظاهرون على منه كصنعاء وصعدة وذمار ونحوها، ولهم في سهولها بلدان أيضاً، كمدينة حلي وما بينها وبين اليمن من بلد المخلاف.
ومنهم بالمغرب جماعة كثيرة في جبال يقال لها: أوراس، ولهم أخلاط في أمصار السنية يتسترون بمذهب أبي حنيفة، لأن أبا حنيفة كان من رجال زيد بن علي ومن أتباعه. وهم أتقى الشيعة لولا ما نُقم عليهم"   هكذا كانت الزيدية في عصر الدامغاني. أما اليوم، فإن أكثر العلويين المنتسبين مذهباً إلى زيد بن علي، ونسباً إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجهه، ومن اعتزى إليهم من أهل اليمن –وما أكثرهم- قد تحول بعد قيام الثورة الإيرانية سنة 1979م إلى شيعة اثني عشرية تحت غطاء مذهب الإمام زيد بن علي. ولو كان الأمر يتعلق بهؤلاء شخصياً، لهان الخطب، ولكنهم يسعون بنشاط دائم إلى التبشير بهذا المذهب بالدعاية له وتوزيع كتبه مجاناً، غير ما يباع منها في مكتبات خاصة بأثمان زهيدة، وذلك للانتقام من النظام الجمهوري الذي نشر التعليم على نطاق واسع في ربوع اليمن، مراعياً في ذلك توحيد مناهج التربية بعيداً عن المذهبية الضيقة، ليكون مقبولاً لدى أتباع المذهبين الشافعي والزيدي على حد سواء. والذي سهل لأهل السنة في المناطق السائد فيها المذهب الهادوي الزيدي ممارسة شعائر العبادة في المساجد عنا بحرية تامة من دون خوف ولا وجل، فأقبل كثير من الناس على قراءة كتب السنة طواعية؛ لتأكدهم أنهم هم السبيل الوحيد لإزالة الفوارق المذهبية وتوحيدهم على قلب رجل واحد، فتمحى من ذاكرتهم الأحكام التي كانت تصدر من بعض الحكام بالتكفير والتفسيق لمخالفته مذهبياً، مع أنه يوجد في العلويين من كان قد ترك التقليد وعمل بأحكام الكتاب وصحيح السنة عن فهم وإيمان واعتقاد، لكنهم تحولوا عن ذلك لدوافع سياسية: يأبى الفتى إلا اتباع الهوى   ومنهج الحق له واضح . الزيدية نشأتها ومعتقداتها للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع  -  ص73


انظر أيضا: