trial

موسوعة الفرق

زيدية اليمن


كما ظهر في اليمن يحيى بن الحسين بن القاسم الرّسي، الذي قدم إليها من الحجاز سنة (284هـ/ 897م) فدعا إلى نفسه بالإمامة، وتلقب بالهادي، وكان عالماً مجتهداً  كبيراً، أخذ الأصول (علم الكلام) عن شيخه أبي القاسم البلخي المعتزلي، وأقواله في الأصول متابعة له في الغالب. وأما في الفروع استقلَّ فيه باجتهاده فخالف زيد بن علي في ما ذهب إليه من اجتهاد، ولم يتقيد بأقواله التي تضمنها (مجموع الفقه الكبير) لزيد بن علي و(الجامع الكافي) لأقوال زيد بن علي، ولم يبق لمذهب زيد بن علي الأول في الأصول والفروع منه متابع.
ومع هذا فقد تغلب اسم المذهب الزيدي على مذهب الإمام الهادي؛ وذلك لأن الهادي وأتباع مذهبه يقولون بإمامة زيد بن علي، ووجوب الخروج على الظلمة، ويعتقدون فضله وزعامته، ويحصرون الإمامة في من قام ودعا من أولاد الحسنين، وهو جامع لشروط الإمامة المدونة في كتبهم، فمن قال بإمامته فهو زيدي، وإن لم يلتزم مذهبه في الفروع، فإن أكثر الزيدية على رأي غيره في المسائل الاجتهادية والمسائل النظرية، وكذلك أئمتهم؛ كالقاسم والهادي والناصر، فهم ينتسبون إلى زيد بن علي، مع أنهم كانوا مثله في الاجتهاد، ويخالفونه في كثير من المسائل   ((هداية الراغبين)) ، ((الرحيق))  (ص 16). .
وهذا هو ما أكده الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى بقوله: "فالزيديه  - أي زيدية اليمن- منسوبةٌ إلي زيد بن علي لقولهم جميعاً بإمامته، وإن لم يكونوا على مذهبه في مسائل الفروع، وهي تخالف الشافعية والحنفية في ذلك؛ لأنهم إنما نسبوا إلى أبي حنيفة والشافعي، لمتابعتهم لهما في الفروع.
قال الحاكم: "والزيدية يجمع مذهبهم تفضيل علي على سائر الصحابة، وأوليته بالإمامة، وقصرها من بعد الحسنين في البطنين، أي في ذريتهما، واستحقاقها إنما يثبت بالفضل والطلب لا بالوراثة كما تقوله العباسية، ويعتقدون وجوب الخروج على الجائرين، ويرون القول بالتوحيد والعدل والوعد والوعيد كالمعتزلة   ((المنية والأمل))  (ص 96). .
وقد أضاف الإمام يحيى بن حمزة إلى ما تقدم ما يلي: "فمن كان على عقيدته في الديانة والمسائل الإلهية، والقول بالحكمة، والاعتراف بالوعد والوعيد، وحصر الإمامة في الفرقة الفاطمية، والنص في الإمامة على الثلاثة الذين هم علي وولده، وأن طريق الإمامة الدعوة في من عداهم، فمن كان مقراً في هذه الأصول، فهو زيدي"   ((الرسالة الوازعة))  (ص 28). .
كذلك فإن الزيدية الهادوية في اليمن جعلوا علياً وفاطمة والحسنين معصومين كالأنبياء، وأن إجماعهم حُجَّة، كما أن إجماع علماء أبنائهم أيضاً حجة لأنهم هم وحدهم آل محمد من بين أمة محمد. وإجماع الآل حجة، وأن علياً بخاصة معصوم، وقوله حجة كحجة الكتاب والسنة   ((المنية والأمل))  (ص 102) ، ((اليمن: الإنسان والحضارة))  (ص 102). .
وحينما قدم الإمام الهادي يحيى بن الحسين إلى اليمن كان متأخرو الزيدية في الجيل والديلم قد انقسموا إلى قاسمية وناصرية   الناصرية: نسبة إلى الناصر الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين الملقب بالأطروش، لطرش كان في أذنيه، ولد سنة 230هـ ودعا إلى نفسه بالإمامة في الجبل والديلم، وتلقب بالناصر، توفى قتلاً سنة 304هـ. ((الحريق))  (ص 11). ، وكان يخطّئ بعضهم بعضاً، حتى خرج المهدي أبو عبدالله الداعي، وألقى إليهم: أن كل مجتهد مصيب   ((المنية والأمل))  (ص 97). ، وكذلك كان زيدية اليمن يعتقدون أن المصيب في الاجتهاديات واحد، والحق معه إلى زمن الإمام المتوكل أحمد بن سليمان.
وذكر محمد بن إبراهيم الوزير أن الزيدية (زيدية اليمن) فرقة واحدة من الشيعة قد تفرقت إلى مخترعة ومطرفية وجارودية وصالحية وحسينية وفي الفروع مؤيدية وهادوية وناصرية وقاسمية، وأهل الكوفة منهم على مذهب أحمد بن عيسى والحسن بن يحيى ومحمد بن منصور كما ذكره صاحب (الجامع الكافي)، ووقع بينهما تفسيق وتأثيم على الاختلاف في الفروع كما حكاه أبو العباس في تلفيقه ... (دع عنك الأصول)، واشتد خلافهم من بعد الإمام المنصور بالله في الأئمة، فافترقوا على الداعي وعلى الإمام أحمد بن الحسين افتراقاً قبيحاً كفر بعضهم بعضاً   ((العواصم والقواصم))  (3/457). .
وقد اعتمد الإمام الهادي يحيى بن الحسين في استنباط فقهه الذي اجتهد فيه، واختاره مذهباً له على أدلة مروعة عن أسلافه؛ منها ما هو مرسل، ومنها ما هو موقوف، ولم يلتفت إلى الأدلة المروية عند أهل السنة، فيستنبط منها أحكام فقهه، كما فعل أئمة المذاهب الأربعة المشهورون: الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي، ولكنه تجاهلها، بل وأنكر صحتها كما بين ذلك الإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى في كتابه (الغايات)، ناقلاً عن الهادي يحيى ابن الحسين في ذكر المخالف؛ حيث قال: "ولهم  - أي أهل السنة- كتابان يسمونهما بالصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم)، ولعمري عن الصحة لخاليان" وعقب المهدي على كلام الهادي بقوله: ولعمري إنه  - أي الهادي- لا يقول ذلك على غير بصيرة) أو كما قال   ((المنار في المختار من جواهر البحار الزخار))  (1/352). . وهذا هو ما جنح إليه الإمام المهدي نفسه، وأكد على ذلك بقوله شعراً:


إذا شئت أن تختار لنفسك مذهباً





ينجيك يوم الحشر من لهب النار


فدع عنك قول الشافعي ومالك




وحنبل والمروي عن كعب أحبار


وخذ من أناسٍ قولهم ورواتهم




روى جدهم عن جبرائيل عن الباري   البيت الأخير ورد في ((الرسالة المنقذة من الغواية في طرق الرواية))  لأحمد بن سعد الدين المسوري منسوباً للناصر الأطروش بلفظ: وقولهم مسند عن قول جدهم  عن جبرئيل عن الباري إذا قالوا.

كذلك فإن أحمد بن سعد الدين المسوري، المتوفى سنة 1079هـ/ 1668م قد أعلن في رسالته المسماة (الرسالة المنقذة من الغواية في طريق الرواية) التي صنفها سنة 1052هـ "أن كل ما في الأمهات الست لا يحتج به وأنه كذب   ((بهجة الزمن في أخبار سنة 1052هـ)). ؛ وذلك لأن الهادي ومن سار على دربه من الأئمة وأتباع مذهبه لا يعتدون بها في شيء، لأن رواتها لم يكونوا من الشيعة في اعتقادهم، ولهذا فإنهم يقتصرون على الأحاديث المروية عن أسلافهم وبأسانيدهم، كما أوضح ذلك الإمام عبدالله بن حمزة المتوفى سنة (614هـ/ 1217م) في كتابه (المجموع المنصوري) حينما أجاب على الفقيه عبدالرحمن بن المنصور بن أبي القبائل صاحب (الرسالة الخارقة) بقوله:


كم بين قولي عن أبي عن جده





وأبي أبي فهو النبي الهادي


وفتى يقول: حكى لنا أشياخنا




ما ذلك الإسناد من إسنادي


ما أحسن النظر البليغ لمنصفٍ




في مقتضى الإصدار والإيراد


خذ ما دنا ودع البعيد لشأنه




يغنيك دانيه عن الأبعاد   ((العقد الفاخر الحسن)) ، ((توضيح المسائل العقلية)) ، ((القول المعقول والمنقول في إيقاظ أهل التكاسل والغفول)).

وهذا هو ما ذهب إليه الهادي بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة (822هـ/ 1419م) حينما أراد أن يقنع أخاه محمداً الذي نبذ التقليد بعد أن ملك زمام الاجتهاد، وعمل بأحكام الكتاب وصحيح السنة، ليعود إلى ما كان عليه من التمسك بالمذهب الهادوي مبيناً له الفرق بين إسناد أسلافه وإسناد أهل السنة، فقال في قصيدته الدالية المشهورة مخاطبا أخاه:


مالي أراك وأنت صفوةُ سادةٍ




طابت شمائلهم لطيب المحتد


تمتاز عنهم في مأخذ علمهم




وهم الذين علومهم تروي الصدي


أخذوا مباني علمهم وأصوله




عن أهلهم من سيد عن سيد


سند عن الهادي وعن آبائه




لا عن كلام مسدد بن مسرهد


سند عن الآباء والأجداد في




أحكامهم وفنونهم والمفرد   ((الجواب الناطق بالحق اليقين الشافي لصدور المتقين)).

وللعلامة عبدالله بن علي الوزير:


في كفة الميزان ميل واضح




عن مثل ما في سورة الرحمن


فاجزم بخفض النصب وارفع رتبة




للدين واكسر شركة الميزان   ((مقدمة الروض النضير))  (1/65).

فهم لهذا يؤثرون العمل بما قرره علماءُ مذهبهم، ولا سيما في العبادات على ما سواه، حتى لو كان مصادماً لأدلة الكتاب والسنة؛
مثال ذلك: إذا تعارض ما رجحه أهل المذهب في مسألة ما مع النص من الكتاب، أو من السنة، أو منهما معاً، فإنه يقال في هذه الحال: والمذهب بخلافه؛ ضارباً بالدليل عرض الحائط، فمن أمثلة ذلك أن الله تعالى أحل للمسلمين أكل طعام أهل الكتاب، وكذلك زوج المسلم بالكتابية   ذكر الإمام محمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله أن زيد بن علي وحفيده أحمد بن عيسى والإمام يحيى ابن حمزه جوزوا نكاح الكتابية. ((العواصم والقواصم))  (8/214). ، وذلك قول قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ [المائدة:5]، لكن المذهب الهادوي لم يأخذ بما أحله الله للمسلمين، في هذه الآية الكريمة، ولعل هذا هو ما حمل نشوان بن سعيد الحميري المتوفى سنة بضع وسبعين وخمس مئة على إعلان إنكاره لبعض المقلدين من علماء عصره، لإيثاره رأي الإمام الهادي يحيى بن الحسين على قول الله تعال، وذلك في قوله:


إذا جادلت بالقرآن خصمي




أجاب مجادلاً بكلام يحيى


فقلت: كلامُ ربك عنه وحي




أتجعل قول يحيى عنه وحيا   ((المستطاب)).

على أن هذا الأمر ليس خاصاً بالمذهب الزيدي، ولكنه شائع في بعض المذاهب الأخرى، وهو ما أشار إليه الإمام الشوكاني في كتابه (أدب الطلب) وهو يتحدث عن المقلدين في جميع المذاهب الإسلامية بقوله: "إنهم اعتقدوا أن إمامهم الذي قلدوه ليس في علماء الأمة من يساويه أو يدانيه، ثم قبلت عقولهم هذا الاعتقاد، وزاد بزيادة الأيام والليالي حتى بلغ إلى حد يتسبب عنه أن جميع أقواله صحيحة، جارية على وفق الشريعة، ليس فيها خطأ ولا ضعف، وأنه أعلم الناس بالأدلة الواردة في الكتاب والسنة على وجه لا يوفق عليه منها شيء، ولا تخفى منها خافية، فإذا أسمعوا دليلاً في كتاب الله أو سنة رسوله، قالوا: لو كان هذا راجحاً على ما ذهب إليه إمامنا، لذهب إليه، ولم يتركه، لكنه تركه لما هو أرجح منه عنده، فلا يرفعون لذلك رأساً، ولا يرون بمخالفته بأساً".
ثم أكد هذا القول بقوله: "وهذا صنيعٌ قد اشتهر عنهم، وكاد يعمهم قرناً بعد قرن، وعصراً بعد عصر، على اختلاف المذاهب، وتباين النحل، فإذا قال لهم القائل: اعملوا بهذه الآية القرآنية، أو بهذا الحديث الصحيح، قالوا: لست أعلم من إمامنا حتى نتبعك، ولو كان هذا كما تقول، لم يخالفه من قلدناه، فهو لم يخالفه إلا على ما هو أرجح منه.
ثم خلص إلى القول بما هو عليه الحال عند المقلدين من الزيدية في اليمن، فقال: "وأما في ديارنا هذه فقد لقنهم من هو مثلهم في القصور، والبعد عن معرفة الحق ذريعة إبليسية، ولطيفة مشؤومة؛ هي أن دواوين الإسلام: الصحيحان والسنن الأربع، وما يلحق بها من المسندات والمجاميع المشتملة على الستة إنما يشتغل بها، ويكرر درسها، ويأخذ منها ما تدعو حاجته إليه من لم يكن من أتباع أهل البيت؛ لأن المؤلفين لها لم يكونوا من الشيعة، فيدفعون بهذه الذريعة جميع السنة المطهرة، لأن السنة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ما في تلك المصنفات، ولا سنة غير ما فيها، هؤلاء وإن كانوا يعدون من أهل العلم، ولا يستحقون أن يذكروا مع أهله، ولا تنبغي الشغلة بنشر جهلهم، وتدوين غباوتهم، لكنهم لما كانوا قد تلبسوا بلباس أهل العلم، وقبلوا ما يلقنونهم من هذه الفواقر، فضلوا وأضلوا وعظمت بهم الفتنة، وحلت بسببهم الرزية، فشاركوا سائر المقلدة في ذلك الاعتقاد في أئمتهم الذين قلدوهم، واختصموا من بينهم بهذه الخصلة الشنيعة، والمقالة الفظيعة، فإن أهل التقليد من سائر المذاهب يعظمون كتب السنة، ويعترفون بشرفها، وأنها أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وأنها هي دواوين الإسلام وأمهات الحديث وجوامعه التي عول عليها أهل العلم في سابق الدهر ولاحقه، بخلاف أولئك، فإنها عندهم بالمنزلة التي ذكرنا، فضموا إلى شنيعة التقليد شنيعة أخرى هي أشنع منها، وإلى بدعة التعصب بدعة أخرى هي أفظع منها. ولو كان لهم أقل حظ من علم، وأحقر نصيب من فهم لم يخف عليهم أن هذه الكتب لم يقصد مصنفوها إلا جمع ما بلغ إليهم من السنة بحسب ما بلغت إليه مقدرتهم، وانتهى إليه علمهم، لم يتعصبوا فيها لمذهب، ولا اقتصروا فيها على ما يطابق بعض المذاهب دون بعض، بل جمعوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ليأخذوا كل عالم منها بقدر علمه، وبحسب استعداده".
ثم قال: "ومن لم يفهم هذا، فهو بهيمة لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به النوع الإنساني، وغاية ما ظفر به من الفائدة بمعاداة كتب السنة التسجيل على نفسه بأنه متبدع أشد ابتداعه، فإن أهل البدع لم ينكروا جميع السنة، ولا عادوا كتبها الموضوعة لجمعها، بل حق عليهم اسم البدعة عند سائر المسلمين لمخالفة بعض مسائل الشرع"   ((أدب الطلب))  (ص 49-51). . الزيدية نشأتها ومعتقداتها للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع  -  ص25


انظر أيضا: