موسوعة الفرق

المبحث الأول: أسباب الاهتمام بالناحية السلوكية


1- اهتم السلف الصالح بتزكية النفوس، واعتنوا بالجانب السلوكي والأخلاقي علماً وفقهاً، كما حققوه عملاً وهدياً، فأفردوا كتباً مستقلة في الزهد والرقائق ونحوهما بل إن أئمة السلف يوردون الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنة في ثنايا كتب العقيدة.
كما قال الإسماعيلي (ت 371هـ ) في اعتقاد أهل السنة:
( ويرون مجانبة البدعة والآثام، والفخر، والتكبر، والعجب، والخيانة، والدغل، والاغتيال، والسعاية، ويرون كف الأذى، وترك الغيبة، إلا لمن أظهر بدعة وهوى يدعو إليهما، فالقول فيه ليس بغيبة عندهم) ((اعتقاد أهل السنة)) للإسماعيلي (ص: 53).
وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الصابوني (ت 449هـ ) في عقيدة السلف: (والمنكح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع، ويتحابون في الدين ويتباغضون فيه ويتقون الجدال في الله، والخصومات فيه، ويجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات) ((عقيدة السلف أصحاب الحديث)) للصابوني (ص: 97-99) باختصار يسير.
وقال قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصفهاني (ت 535هـ):
(ومن مذهب أهل السنة التورع في المآكل والمشارب والمناكح، والتحرر من الفواحش والقبائح، والتحريض على التحابّ في الله عز وجل، واتقاء الجدال والمنازعة في أصول الدين، ومجانبة أهل الأهواء والضلالة، وهجرهم ومباينتهم، والقيام بوفاء العهد والأمانة، والخروج من المظالم والتبعات، وغض الطرف عن الريبة والحرمات، ومنع النفس عن الشهوات، وترك شهادة الزور، وقذف المحصنات، وإمساك اللسان عن الغيبة والبهتان، والفضول من الكلام، وكظم الغيظ والصفح عن زلل الإخوان، والمسابقة إلى فعل الخيرات، والإمساك عن الشبهات، وصلة الأرحام، ومواساة الضعفاء، والنصيحة في الله والشفقة على خلق الله، والتهجد لقيام الليل لا سيما لحملة لقرآن، والبدار إلى أداء الصلوات) ((الحجة في بيان الحجة)) (2/528).
وذكر ابن تيمية - رحمه الله - جملة من الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنة، ومن ذلك قوله: (يأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ))، ويندبون أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفا سفها) ((العقيدة الواسطية)) شرح محمد هراس (ص: 172، 173).
2- هناك تلازم بين السلوك والاعتقاد، فالسلوك الظاهر مرتبط بالاعتقاد الباطن، ومن ثم فإن الانحراف الواقع في سلوكنا وأخلاقنا الظاهرة إنما هو ناشئ عن نقص في إيماننا الباطن.
يقول ابن تيمية موضحا ًهذا التلازم: (إذا انقضت الأعمال الظاهرة الواجبة، كان ذلك نقص ما في القلب من الإيمان، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة، بل يلزم من وجود هذا كاملاً وجود هذا كاملاً، كما لزم من نقص هذا نقص هذا، إذ تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجب بلا موجبه، وعلة تامة بلا معلولها، وهذا ممتنع) ((مجموع الفتاوي)) (582/7)، وانظر (616/7)، و((شرح الأصفهانية)) (ص: 142).
ويقول أيضاً: (وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الباطنة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ودليله ومعلولة، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضاً تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه) ((مجموع الفتاوي)) (541/7).
ويقول الشاطبي في هذه المسألة: (الأعمال الظاهرة في الشرع دليل على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرماً، حكم على الباطن بذلك، أو مستقيماً حكم على الباطن بذلك أيضاً، وهو أصل عام في الفقه، وسائر الأحكام العاديات، والتجريبيات، بل الالتفات إليهما من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جداً) ((الموافقات)) (233/1).
إضافة إلى ذلك، فإن الإيمان إذا جاء مطلقاً مجرداً  فإنه يندرج فيه السلوك والأخلاق وسائر الأعمال الصالحة، كما في حديث الإيمان -مثلا - حيث قال صلى الله عليه وسلم:
((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))
وكما يقول ابن تيمية: (اسم الإيمان يستعمل مطلقاً، ويستعمل مقيداً، وإذا استعمل مطلقاً فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة، يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين يجعلون الإيمان قولاً وعملاً... ودخل في ذلك ما قد يسمى مقاماً وحالاً، مثل الصبر، والشكر، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرضا، والخشية، والإنابة، والإخلاص، والتوحيد وغير ذلك) ((مجموع الفتاوى)) (7/642)، وانظر (7/515).
3- يترتب على تحقيق الجانب الخلقي السلوكي الأجر الكثير والثواب الجزيل، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية.
فقد عد الله تعالى في كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى، بل بدأ بذلك في قوله أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 133-134]
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حسن الخلق أكمل خصال الإيمان فقال: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا ً))
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم القائم فقال: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات الصائم القائم ))
وجاء في أحاديث أخرى أن حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان وأن صاحبه أحب الناس إلى الله وأقربهم من النبيين مجلساً.
فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما من شئ يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق))
وقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بأحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة ؟ قالوا: بلى: قال: أحسنكم خلقاً))
قال ابن القيم رحمه الله: (الدين كله خلق، فما زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين) ((مدارج السالكين)) (2/3.7).
وقال ابن رجب رحمه الله - عند شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: ((وخالق الناس بخلق حسن))
(هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن كثيراً من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده فنص له على الأمر بإحسان العشرة للناس، فكثيراً ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمالُ حقوق العباد بالكلية أو التقصير فيها، والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جداً لا يقوى عليه إلا الكُمَّل من الأنبياء والصديقين) جامع العلوم والحكم 1/454.
4- وإذا كان سلفنا الصالح قد اعتنوا كثيراً بالسلوك علماً وعملاً، لأهميته وقيام التلازم بين السلوك الظاهر والإيمان الباطن، إضافة إلى الوعد الكريم والأجر الكبير لأصحاب السلوك الشرعي.
مع ذلك كله فإن الناظر إلى واقع الكثير منا - معشر المنتسبين لأهل السنة - يرى تقصيراً وتهاوناً في هذا المجال، فأنت تشاهد تفرقاً وخصومة، وجدلاً ومراءً، وأهواء وشهوات ولا حول ولا قوة إلا بالله.معالم في السلوك وتزكية النفوس لعبد العزيز بن محمد العبد اللطيف – ص: 6

انظر أيضا: