trial

موسوعة الفرق

المطلب الثاني: الأفكار اليهودية المدسوسة


ولقد أخبرنا عن أفكار ابن السوداء هذا، والتي حملها من اليهود المبغضين لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين وأمته أشد البغض وما جاء به عن الله تبارك وتعالى، الناقمين عليه وعليهم، والمكايدين والماكرين له ولهم، من أول يوم دخلوا يثرب وحولوها إلى المدينة، وقضوا على يهود قينقاع وبني النضير وبني المصطلق ويهود خيبر وغيرهم، يخبرنا عن كل ذلك أقدم مؤرخ شيعي، وأول من كتب في الفرق من القوم ألا وهو النوبختي أبو محمد الحسن بن موسى من أعلام الشيعة في القرن الثالث للهجرة فقال: " السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال: إن علياً ـ عليه السلام ـ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك ؟. فصيره إلى المدائن.
وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ـ عليه السلام ـ أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ـ عليه السلام ـ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ـ عليه السلام ـ بهذه المقالة، فقال بعد إسلامه في علي ـ عليه السلام ـ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ـ عليه السلام ـ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض [9564] - ((فرق الشيعة)) للنوبختي (ص 41 ، 42 )ط المطبعة الحيدرية نجف بتعليق آل بحر العلوم ط 1959م. ".
ويذكر أبو عمرو بن عبد العزيز الكشي من علماء القرن الرابع للشيعة في أقدم كتاب شيعي في الرجال عديدا من الروايات عن عبد الله بن سبأ وعقائده وأفكاره نثبت بعضاً منها هاهنا:
حدثني محمد بن قولويه. قال: حدثني سعد بن عبد الله. قال حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة بن أيوب الأزدي عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين عليه السلام، وكان والله أمير المؤمنين عليه السلام عبداً لله طائعاً، الويل لمن كذب علينا، وأن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم ".
وبهذا الإسناد عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه والحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين ـ صلوات الله عليهما: لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً ماله لعنه الله، كان علي ـ عليه السلام ـ والله عبداً صالحاً أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله صلى الله عليه وآله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله.
وبهذا الإسناد: عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن أبي نجران عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ إنا أهل بيت صديقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام أصدق من برأ الله بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ.
وذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ـ عليه السلام ـ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون (وصي موسى بالغلو)  فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في علي ـ عليه السلام ـ مثل ذلك، وكان أول من أشهر بالقول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه  وكفرهم فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية [9565] - (( رجال الكشي))  ( ص 100 - 101). ".
وقال الحلي الشيعي الحسن بن علي في كتابه (الرجال) المشهور:
" عبد الله بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو، كان يدعي النبوة وأن علياً ـ عليه السلام ـ هو الله، فاستتابه عليه السلام ثلاثة أيام فلم يرجع، فأحرقه في النار في جملة سبعين رجلاً ادعوا فيه ذلك [9566] - (( كتاب الرجال))  للحلي ( ص 469) ط طهران ط 1383هـ. ".
ومثل ذلك القول قال إمام متأخري الشيعة في الرجال الماماقاني كتابه (تنقيح المقال [9567] - ( 2 / 184) ط إيران. "
وذكر مؤرخ شيعي إيراني في تاريخه بالفارسية:
إن عبد الله بن سبأ توجه إلى مصر حينما علم أن مخالفيه (أي عثمان بن عفان)  كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى، حتى افتتن الناس به، وبعد رسوخه فيهم بدا يروج مذهبه ومسلكه، وإن لكل نبي وصياً وخليفة، فوصي رسول الله وخليفته ليس إلا علياً، المتحلي بالعلم والفتوى، والمتزين بالكرم والشجاعة، والمتصف بالأمانة والتقى، وقال: إن الأمة ظلمت علياً، وغصبت حقه، حق الخلافة والولاية، ويلزم الآن على الجميع مناصرته ومعاضدته وخلع طاعة عثمان وبيعته، فتأثر كثير من المصريين بأقواله وآرائه، وخرجوا على الخليفة عثمان [9568] - (( تاريخ شيعي))  : (( روضة الصفا في اللغة الفارسية))  (  2/ 292) ط طهران. ".
ومثل ذلك قال الرجالي الشيعي الإسترا آبادي: إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين "ع" هو الله تعالى، فبلغ أمير المؤمنين ذلك فدعاه وسأله، فأقر، وقال: نعم أنت هو. فقال له أمير المؤمنين: قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا وتب ثكلتك أمك، فأبى، فحبسه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار [9569] - (( منهج المقال))  ( ص 203) . ".
ولكن ابن أبي الحديد الشيعي الغالي المعتزلي شارح النهج يخالف ذلك بأن علياً أحرقه فإنه يرى أن القول بتأليه علي لم يظهره عبد الله بن سبأ إلا بعد وفاة علي رضي الله عنه  فأظهره واتبعه قوم فسموا السبئية [9570] - (( شرج نهج البلاغة))  ( 2 / 309). ".
ويؤيده في ذلك من السنة عبد القادر البغدادي ولكنه يضيف إلى ذلك أن علياً لم يحرقه خوفاً من شماتة أهل الشام حيث يذكر ابن سبأ والسبئية:
السبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي رضي الله عنه  وزعم أنه كان نبياً، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قوماً من غواة الكوفة، ورفع خبرهم إلى علي رضي الله عنه  فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين، حتى قال بعض الشعراء في ذلك:


لترم بي الحوادث حيث شاءت





إذا لم ترم بي في الحفرتين

        ثم إن علياً رضي الله عنه  خاف من إحراق الباقين منهم شماتة أهل الشام، وخاف اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى سباط المدائن، فلما قتل علي رضي الله عنه  زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن علياً، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورة علي، وأن علياً صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم رضي الله عنه وقال: كما كذبت اليهود والنصارى في دعواها قتل عيسى كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي، وإنما رأت اليهود والنصارى شخصاً مصلوباً شبهوه بعيسى، كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه علياً فظنوا أنه علي، وعلي قد صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه وزعم بعض السبئية أن علياً في السحاب وأن الرعد صوته والبرق صوته، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين.
وقد روي عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن سبأ قيل له: إن علياً قد قتل، فقال: إن جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته، لا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها.
وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو علي دون غيره، وفي هذه الطائفة قال إسحاق بن سويد العدوي قصيدة برىء فيها من الخوارج والروافض والقدرية منها هذه الأبيات:


برئت من الخوارج لست منهم





 من الغزال منهم وابن باب


 ولـكـنـي أحب بكل قلبـي      


 


 وأعلم أن ذاك من الصواب


رسول الله والصديق حـبــا




به أرجو غداً حسن الثواب

... وقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء كان على هوى دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى ـ عليه السلام ـ فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الأهواء في الكفر ودلس ضلالته في تأويلاته [9571] - (( الفرق بين الفرق))  ( ص 233 ـ 235) ط مصر. .
وذكر هذه وعقائده وجماعته من الشيعة كل من سعد القمي المتوفي  301هـ [9572] - (( المقالات والفرق))  لسعد بن عبد الله الشيعي القمي : ( ص 21) ط طهران 1963م. ".
والطوسي شيخ الطائفة. [9573] - (( رجال الطوسي)  ( ص 51) ط نجف 1961 م. والتستري في (قاموس الرجال) [9574] - ( 5 / 463) . وعباس القمي في (تحفة الأحباب)  [9575] - ( ص 184) والخوانساري في (روضات الجنات) [9576] - (( روضات الجنات))  و الأصبهاني في (ناسخ التواريخ) وصاحب (روضة الصفا) في تاريخه [9577] - ( 3 / 393) ط إيران. ".
كما ذكر عقائده علماء من السنة كالبغدادي في (الفرق بين الفرق) كما مر آنفاً.
وبمثل هذا قال الإسفراييني في كتابه (التبصير [9578] - ( ص 108 - 109) والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين  [9579] - ( ص 57) ط دار الكتب العلمية وابن حزم في الفصل وغيرهم.
وقال الشهرستاني تحت عنوان السبئية:
السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ الذي قال لعلي رضي الله عنه: أنت أنت يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن، وزعموا أنه كان يهودياً فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصي موسى مثل ما قال في علي رضي الله عنه: ـ وهو أول من أظهر بالرفض بإمامة علي، ومنه انشعبت أصناف الغلاة، وزعموا أن علياً حي لم يقتل وفيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يستولى عليه، وهو الذي يجيء في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه، وإنه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا، وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي رضي الله عنه: ـ [9580]  - (( الملل والنحل))  ( 2 / 11) : بهامش ( الفصل) . ".
وقال ابن عساكر في (تاريخه) عن جابر قال: لما بويع علي رضي الله عنه  خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: أنت دابة الأرض، فقال له: اتق الله، فقال له: أنت الملك، فقال اتق الله، فقال له: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله، فاجتمعت الرافضة فقالت: دعه وانفه إلى سابط المدائن [9581]  - (( تهذيب تاريخ ابن عساكر))  ( 7 / 430). "...
وأخيراً ننقل ما كتبه أحمد أمين عنه وعن جماعته:
انتشرت الجماعة السرية في آخر عهد عثمان تدعو إلى خلعه وتولية غيره، ومن هذه الجمعيات من كانت تدعو إلى علي، ومن أشهر الدعاة له عبد الله بن سبأ ـ وكان من يهود اليمن فأسلم ـ فقد تنقل في البصرة والكوفة والشام ومصر يقول: إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم  ووثب على وصيه، وكان من أكبر الذين ألبوا على عثمان حتى قتل [9582] - (( فجر الإسلام)) ( 4 35). ".
" وأنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذ الإسلام ستاراً يستر به نياته، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله ناس من أهلها، وأشهر تعاليمه: الوصاية والرجعة. فأما الوصاية فقد أبناها قبل، وكان قوله فيها أساس تأليب أهل مصر على عثمان، بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة من علي بغير حق، وأيد رأيه بما نسب إلى عثمان من مثالب، وأما الرجعة فقد بدأ قوله بأن محمداً يرجع، وكان مما قاله: العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمداً يرجع، ثم نراه تحول ـ ولا ندري لأي سبب ـ إلى القول بأن علياً يرجع. وقال ابن حزم: إن ابن سبأ قال ـ لما قتل علي ـ لو أتيتموني بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبي إلياس (عليه السلام)  صعد إلى السماء، وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في النصرانية أيضاً في عصورها الأولى [9583] - (( فجر الإسلام)) ( ص 269-270). ".
فهذا هو عبد الله بن سبأ وهذه دعوته وأفكاره وعقائده، وهذه هي الأفكار التي حملها من اليهودية والمجوسية وغيرها بخطة مدبرة ومؤامرة محكمة من قبل أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم والإسلام وأعداء الأمة وقادتها وأبطالها لبث سمومها بين المسلمين باسم الإسلام. وسوف نرى ونحقق كيف اعتنق الشيعة هذه الأفكار وتمسكوا بهذه العقائد، وكيف تطور التشيع الأول وتغيرت الشيعة الأولى وتسربت فيهم نفس الأفكار التي كان يرد عليها ويعارضها علي رضي الله عنه  وكيف توغل في الشيعة من كان يطاردهم ويتبرأ منهم منهم ويؤدبهم ويقتلهم علي، ويلعنهم أبناءه وأولاده.الشيعة والتشيع لإحسان إلهي ظهير - ص29


انظر أيضا: