trial

موسوعة الفرق

المبحث العاشر: قتالهم


قال الله تعالى: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا [الكهف: 17].
إنه إذا انغلقت القلوب عن سماع صوت الحق، وحجبت العقول عن الحوار والمناقشة لم يبق إلا تحكيم أمر الله عز وجل فيهم برد بغيهم إذ هم أعرضوا عما تقدم، لذلك قال علي رضي الله عنه للخوارج: "ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا".
فلما بدأ الخوارج باستعراض المسلمين وقتلهم كان لابد من حفظ أمن البلاد، وإقامة حدود الله، فسار علي رضي الله عنه والصحابة الفضلاء معه لقتال الخوارج.
لقد وردت نصوص نبوية عديدة، تحض على قتال الخوارج، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) رواه البخاري (7432)، ومسلم (1064). ، ويقول: ((قتالهم حق على كل مسلم)) انظر كتاب ((السنة)) لعبدالله بن أحمد بن حنبل (2/621)، وقال محقق الكتاب: إسناده صحيح. ، ويبين عليه الصلاة والسلام أجر من يقاتلهم فيقول: ((فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)) رواه البخاري (3611). .
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن علياً رضي الله عنه سيلي هذا الأمر، يقول علي بن أبي طالب: إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة، فقال: ((كيف أنت وقوم كذا وكذا قال عبدالله بن إدريس أحد رواة الحديث عند قوله: "وقوم كذا كذا وصف صفتهم. انظر ((السنة)) لعبدالله بن أحمد بن حنبل (2/623). ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: ثم أشار بيده فقال: قوم يخرجون من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم... الحديث)) رواه عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) (1/160) (1379)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (429). وقال الألباني: إسناده صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط محقق ((المسند)): إسناده جيد. .
ولكن كانت النصوص صريحة بوجوب قتال الخوارج. اتفقت كلمة الصحابة رضوان الله عليهم على قتالهم، وقاتلهم علي بن أبي طالب وجمع من الصحابة. وكان عبدالله بن عمر يرى أن قتال الحرورية حقا واجبا على المسلمين كتاب ((السنة)) لعبدالله بن أحمد بن حنبل (2/639)، ((الفتاوى)) (28/380). . لذلك أراد رضي الله عنه أن يقاتل نجدة الحروري حين أتى المدينة يغير على ذراريهم، فقيل له: إن الناس لا يبايعونك على هذا، فتركه كتاب ((السنة)) لعبدالله بن أحمد بن حنبل (2/639)، ((الفتاوى)) (28/380). . وقال رضي الله عنه: "ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا" انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (4/185). .
ويقول معاوية بن قرة معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني ثقة عالم مات سنة 113هـ. انظر ((التقريب)) (2/261)، ((التهذيب)) (10/216). : "خرج محكم في زمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج عليه بالسيف رهط من أصحاب رسول الله منهم عائذ بن عمر هو: عائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد المزني أبو هبيرة البصري، صحابي شهد الحديبية، مات في ولاية عبيدالله بن زياد سنة 61هـ. انظر ((الإصابة)) (2/262) انظر ((تاريخ الطبري)) / دار الفكر، ((التقريب)) (1/390). كتاب ((السنة)) لعبد الله بن أحمد بن حنبل (2/640). .
ويقول الأزرق بن قيس الأزرق بن قيس الحارثي البصري ثقة مات بعد سنة 120هـ. ((التقريب)) (1/51)، ((التهذيب)) (1/200). : "كنا بالأهواز نقاتل الخوارج وفينا أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه" كتاب ((السنة)) لعبدالله بن أحمد بن حنبل (2/640). .
وكذلك قاتلهم معاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة انظر  ((تاريخ ابن خلدون))  (3/142، 143). . ولما عزم علي بن أبي طالب على قتال الخوارج وأراد السير إليهم بين للمسلمين مبررات قتالهم، وأعلمهم بحكم هذا القتال ووجوبه، وبشرهم بالأجر الجزيل لمن يقاتل الخوارج كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء. يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)) رواه مسلم (1066). ، لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لاتكلوا عن العمل. وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام كان علي رضي الله عنه وأصحابه قد أعدوا جيشا للقاء معاوية وأهل الشام وردهم إلى الطاعة، ولكن لما أفسد  ((الخوارج))  في العراق وسفكوا الدم الحرام، خطب علي جيشة وسار بهم إليهم، وكانت موقعة النهروان. انظر ((تاريخ الطبري)) (3/17 -121). وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم. والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله.
يقول زيد بن وهب الجهني هو: زيد بن وهب أبو سليمان الكوفي من أجلة التابعين وثقاتهم، متفق على الاحتجاج به. هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبض وزيد في الطرق، مات حوالي سنة 90هـ. انظر ((ميزان الاعتدال)) (2/107)، ((التقريب)) (1/277). ، وكان في الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه لقتال الخوارج: مررنا على قنطرة هي قنطرة الدبرجان وهناك خطبهم علي رضي الله عنه. انظر ((شرح صحيح مسلم)) (7/172). . فلما التقيا وعلى الخوارج يومئذ عبدالله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء. فرجعوا فوحشوا برماحهم فوحشوا برماحهم: أي: رموا بها عن بعد. انظر ((شرح صحيح مسلم)) (7/172). ، وسلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم شجرهم الناس: أي: مددوها إليهم وطاعنوهم بها، انظر ((صحيح مسلم)) (7/172). . قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. فقال علي رضي الله عنه: (التمسوا منهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه. فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخروه، فوجدوه مما يلي الأرض. فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله... الحديث) رواه مسلم (1066). .
فالصحابة رضي الله عنهم بينوا للناس مبررات قتالهم للخوارج، وشجعوهم على ذلك، وبينوا الأجر العظيم في قتالهم. بل إن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما كان يجزل العطايا من الأموال لمن يقاتلهم انظر  ((تاريخ ابن خلدون))  (3/146). .
أما عن سنة الصحابة رضي الله عنهم في قتالهم الخوارج فتتضح من خلال ما فعله علي رضي الله عنه والصحابة معه حينما قاتلوهم في النهروان، ويمكن تلخيص شيء منها في الآتي:
1- إن الخوارج لا يبدءون بقتال، ولا يعتدى عليهم بالقتل ما داموا فقط يرون رأي الخوارج، ولا يقاتلون حتى يقتلوا المسلمين أو يقطعوا السبيل حينها يجب على ولي الأمر ردعهم وقتالهم انظر ((فتح الباري))(12/299)، ((شرح السنة)) للبربهاري (71)، ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى محمد الفراء (54). .
2- يجب إقامة الحجة عليهم، وتقديم النصح لهم، ووعظهم قبل بدئهم بالقتال وهكذا فعل علي رضي الله عنه، انظر ((تاريخ الطبري)) (3/120، 125)، ((الأحكام السلطانية)) (54). .
قال الطبري: "لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق، والإعذار إليهم" انظر ((فتح الباري))(12/299). .
3- إعطاء الأمان لمن يستسلم ويرجع عن باطله وضلاله، ولم يتعرض لقتل المسلمين.
4- لا يجهز على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم – إلا إن كان فارا يتقوى – ولا يسبى منهم سبي، إذ لم يعاملهم علي معاملة الكفار المرتدين، ولم يعاملهم معاملة أهل البغي كأهل الجمل وصفين، بل جعلهم قسما ثالثا انظر ((شرح السنة)) للبربهاري (71)، ((الفتاوى)) (28/281). .
5- لذلك أخذ ما كان في ساحة المعركة من سلاح وكراع وقسمه بين أصحابه، وهذا لم يفعله مع أهل الجمل. كما أنه لم يأخذ كل أموال الخوارج كالكفار المرتدين، بل أخذ ما كان في ساحة المعركة انظر ((تاريخ الطبري)) (3/121)، ((الفتاوى)) (28/275، 281، 253). .
6- الاستمرار في قتال الخوارج ما قاتلوا وأفسدوا وخرجوا على المسلمين بالسيف، ولا يكف عنهم حتى يكفوا عن المسلمين.
فعلي رضي الله عنه بعد النهروان خرج عليه جماعات من الخوارج فقاتلهم، وكذلك فعل معاوية رضي الله عنه انظر ((مقالات الإسلاميين)) (1/211). .
7- إن فرت جماعات من الخوارج لتتقوى وتخرج فإنهم يطاردون لتستأصل فلولهم، وتقهر قوتهم، وتكسر شوكتهم انظر  ((تاريخ ابن خلدون))  (3/142،143). .
مسألة:
أ- ما حكم الواحد المقدور عليه إن كان على رأي الخوارج؟
يختلف حكمه باختلاف حاله، ولولي الأمر أن يتعامل معه حسب خطره، وحسب مصلحة المسلمين، فله حبسه أو قتله، أو تخلية سبيله.
يقول ابن تيمية رحمه الله: "فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج كالحرورية، والرافضة ونحوهم فهذا فيه قولان للفقهاء، هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد ... فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا.
ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول، أو كان في قتله مفسدة راجحة" انظر ((الفتاوى)) (28/273)، انظر ((التنبيه والرد)) للملطي (183)، ((فتح الباري))(12/299)، ((تاريخ الطبري)) (3/123)،  ((تاريخ ابن خلدون))  (3/143) وقصة علي مع البزار بن الأخنس. .
 - ما الحكم إذا تاب الخارجي وأراد الرجوع إلى الحق، فما الحكم فيما سفك من دم أو سلب من مال؟
سئل الإمام أحمد بن حنبل عن ذلك فقال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فرأوا أن يهدر كل دم أصيب على تأويل القرآن. قيل له: مثل الحرورية؟ قال: نعم، قال: فأما قاطع طريق فلا" انظر ((السنة للخلال)) (152). . واستثنى من ذلك أن يوجد المال قائما بعينه فإنه يعاد إلى أصحابه ((السنة للخلال)) (155، 157). .الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص467


انظر أيضا: