trial

موسوعة الفرق

المبحث الخامس: تحذير الناس من مسلكهم ببيان سوء فعلتهم، وإنزال نصوص قرآنية فيهم حتى لا يغتر بهم


علمنا كيف أن الصحابة رضي الله عنهم عمدوا إلى إظهار النصوص النبوية الذامة للخوارج، وصرحوا بأنهم المرادون بهذه النصوص، وهم في كل ذلك يحذرون الناس من مسلكهم، ويبينون لهم سوء فعلتهم من قتل المسلمين وترويع الآمنين.
يقول ابن عباس رضي الله عنهما محذرا من الخوارج: "كلام الحرورية ضلالة" رواه اللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (4/644). وابن بطة في ((الإبانة)) (1/286). وانظر ((جامع بيان العلم)) لابن عبدالبر (2/1168). .
ولقد أنزل الصحابة رضي الله عنهم نصوصا من القرآن الكريم على الخوارج، وتنوعت أقوالهم في ذلك ولا تعارض، إن تعددت صفات الخوارج، فذكر كل صحابي صفة من الصفات، كل هذا تحذيرا من مسلكهم وذما لفعالهم، فالخوارج هم:
1- الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:27] ذكره سعد بن أبي وقاص. انظر ((صحيح البخاري))، كتاب التفسير، باب قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (8/425) فتح. .
2- إن الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الأنعام: 159]،  ذكره أبو هريرة وأبو أمامة رضي الله عنهما. انظر ((الاعتصام)) للشاطبي (44)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/435). .
3- هم الأخسرون أعمالا كما قال الله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 103 -104] ذكره علي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر كتاب ((السنة)) لعبدالله بن أحمد بن حنبل (2/636)، ((فتح الباري))(8/425). .
4- هم من زاغت قلوبهم ومالت عن اتباع الحق كما قال تعالى فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  [الصف:  5] ذكره أبو أمامة، وسعد بن أبي وقاص. انظر كتاب ((السنة)) لعبد الله بن أحمد بن حنبل (2/641)، ((السنة)) للمروزي (75)، ((الاعتصام)) (46،48). .
5- هم المتبعون للشبهات كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7] ذكره أبو أمامة، وسعد بن أبي وقاص. انظر كتاب ((السنة)) لعبد الله بن أحمد بن حنبل (2/641)، ((السنة)) للمروزي (75)، ((الاعتصام)) (46،48). .
6- هم من تسود وجوههم يوم القيامة كما قال الله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران:  106 -107] ذكره أبو أمامة، انظر ((السنة)) للمروزي (75). .
وهذه الآيات لا تخص الخوارج، بل تعم كل من اتصف بتلك الأوصاف، والصحابة رضي الله عنهم أنزلوها على الحرورية إما لأنهم سئلوا عنها على الخصوص وهل الآية تشملهم فأجابوا عن السؤال. أو لأن الخوارج هم أول من ابتدع في دين الله وخرج على جماعة المسلمين بالسيف، وكان المقصود التحذير منهم انظر ((الاعتصام)) (48). .
ومن مواقف الصحابة مع الخوارج تحذير الناس منهم، وتنبيههم على عدم الاغترار بما يظهر عليهم من الزهد والعبادة وقراءة القرآن، فذكر لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن، قال: "يؤمنون بمحكمه ويضلون عند متشابهه" وقرأ:وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: 7] انظر كتاب ((الشريعة)) للآجري (1/343). .
وفي مرة أخرى ذكر له الخوارج واجتهادهم وصلاتهم فقال: "ليس هم بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى وهم على ضلالة" رواه الآجري في ((الشريعة)) (1/343). .
ولقد حرص علي بن أبي طالب رضي الله عنه على تحذير الناس من مسلك الخوارج، حتى أنه لما انتهى من النهروان جعل يمشي بين القتلى ويقول: (بؤسا لكم! لقد ضركم من غركم! فقال أصحابه: يا أمير المؤمنين ومن غرهم؟ قال: الشيطان وأنفس بالسوء أمارة غرتهم بالأماني، وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون) انظر ((البداية والنهاية)) لابن كثير (7/288). .
فينبغي على ولاة الأمر علماء وأمراء من تحذير الناس من الفكر الضال المنحرف، وتوعيتهم بخطورته حتى لا يتسلل إلى النفوس.
كما ينبغي على الآباء ملاحظة أبنائهم فكرا وسلوكا ومحاورتهم، ومناقشتهم في الأفكار المنحرفة وتحذيرهم منها، وبناء معتقد صحيح وفكر واعي يحول دون تسلل هذه البدع إلى النفوس.
وإن رأى الآباء أو ولاة الأمر بادرة من أحد، ورغبة في اللحاق بأهل البدع والانسياق ورائهم، فعليهم منعه حتى يعود إلى رشده، فهذا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما يرسل إلى حوثرة بن وادع الأسدي هو: حوثرة بن وادع بن مسعود الأسدي، من الشجعان الزعماء، كان من أنصار علي بن أبي طالب، وشهد معه كثيرا من الوقائع، فارقه بعد التحكيم واعتزل حتى قتل علي، ثم خرج على معاوية مع أصحابه، فأرسل إليه جيشا فقتل عام 41هـ. انظر  ((الكامل))  لابن الأثير (3/164)، الأعلام (2/326). أباه ليرده انظر  ((تاريخ ابن خلدون))  (3/142)، وانظر ((البداية والنهاية)) (7/286). .الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص459


انظر أيضا: