الموسوعة الفقهية

المبحث الثالثُ: حُكمُ وضْعِ اليدِ اليُمنى على اليُسرى بعد الرَّفعِ مِن الرُّكوعِ


اختلَف أهلُ العلمِ في حُكمِ وضعِ اليدِ اليُمنى على اليُسرى بعد الرَّفعِ مِن الرُّكوعِ، على ثلاثةِ أقوالٍ:
القولُ الأوَّلُ: يُسَنُّ وضعُ اليدِ اليُمنى على اليُسرى بعد القيامِ مِن الرُّكوعِ، وهو قولُ بعضِ الحنَفيَّةِ قال الكاسانيُّ: (وأمَّا وقت الوَضْع فكلما فرَغ من التكبير في ظاهر الرواية، ورُوي عن محمد في النوادر: أنه يرسِلهما حالةَ الثناء، فإذا فرَغ منه يضع، بِناءً على أن الوضع سنَّة القيام الذي له قرار في ظاهر المذهب، وعن محمَّد: سنَّة القراءة، وأجمَعوا على أنَّه لا يُسَنُّ الوضع في القيام المتخلل بين الركوع والسجود؛ لأنَّه لا قرار له، ولا قراءة فيه، والصَّحيح جواب ظاهر الرواية؛ لقوله: ((إنا - معشرَ الأنبياء - أمرنا أن نضعَ أيماننا على شمائلنا في الصلاة)) من غير فصْل بين حال وحال، فهو على العموم إلَّا ما خصَّ بدليل، ولأنَّ القيام من أركان الصلاة، والصلاة خدمة الرب تعالى، وتعظيمٌ له، والوضع في التعظيم أبلغُ من الإرسال، كما في الشاهد، فكان أَولى) ((بدائع الصنائع)) (1/201). وقال الطحطاوي: (ويضع في كلِّ قيام من الصَّلاة، ولو حُكمًا، فدخل القاعد، ولا بد في ذلك القيام أن يكون فيه ذكرٌ مسنون، وما لا فلا، كما في السراج وغيره، وقال محمد: لا يضَع حتى يشرع في القراءة، فهو عندهما سنَّة قيام فيه ذكر مشروع، وعنده سنَّة للقراءة، فيرسل عنده حالة الثناء والقنوت، وفي صلاة الجنازة، وعندهما يعتمد في الكل) ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 172). وقال العَيني: (وقت وضْع اليدين، والأصل فيه: أنَّ كلَّ قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه، أعني: اعتماد يده اليمنى على اليسرى، وما لا فلا، فيعتمد في حالة القنوت وصلاة الجنازة، ولا يعتمد في القومة عن الركوع، وبين تكبيرات العيدين الزَّوائد، وهذا هو الصحيحُ، وعند أبي علي النسفي والإمام أبي عبد الله وغيرهما: يعتمد في كل قيام، سواء كان فيه ذكر مسنون أو لا) ((عمدة القاري)) (9/22). والهيتميِّ مِن الشافعيَّةِ قال النَّوويُّ: (فإذا اعتدَل قائمًا حطَّ يديه) ((المجموع)) (3/417)، ويُنظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (1/252). وسُئِل ابن حجر الهيتمي: (هل يضعُ المصلِّي يديه حين يأتي بذِكر الاعتدال كما يضعهما بعد التحرُّم أو يرسلهما؟ (فأجاب) بقوله: الذي دلَّ عليه كلامُ النَّووي - في شرح المهذب - أنه يضع يديه في الاعتدال كما يضعهما بعد التحرُّم، وعليه جريتُ في شرحي على الإرشاد وغيره، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب) ((الفتاوى الفقهية الكبرى)) (1/139). ، وهو اختيارُ ابنِ حزمٍ قال ابنُ حزم: (ويستحبُّ أن يضعَ المصلي يده اليمنى على كوع يده اليسرى في الصلاة في وقوفه كله فيها). ((المحلى)) (3/29). ، وابنِ بازٍ قال ابن باز: (إذا رفَع واعتدل واطمأنَّ قائمًا وضع يديه على صدره، هذا هو الأفضل، وقال بعض أهل العلم: يرسلهما، ولكن الصواب أن يضعَهما على صدره، فيضع كفَّ اليمنى على كف اليسرى على صدره، كما فعل قبل الركوع وهو قائم، هذه هي السنَّة؛ لِما ثبت عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه إذا كان قائمًا في الصلاة وضع كفَّه اليمنى على كفه اليسرى في الصلاة على صدره، ثبَت هذا من حديث وائل بن حُجْر، وثبت هذا أيضًا من حديث قَبيصةَ الطائيِّ عن أبيه، وثبت مرسَلًا من حديث طاوسٍ عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، هذا هو الأفضل). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/30). ، وابنِ عُثَيمين قال ابن عُثَيمين: (الصوابُ: أنَّ وَضْعَ اليد اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع هو السنَّة، ودليلُ ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: "كان الناسُ يؤمَرون أن يضع الرجلُ يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة"، ووجه الدلالة من الحديث: الاستقراء والتتبُّع؛ لأننا نقول: أين توضع اليد حال السجود؟ فالجواب: على الأرض. ونقول: أين توضع حال الركوع؟ والجواب: على الركبتين. ونقول: أين توضع اليد حال الجلوس؟ والجواب: على الفخِذين، فيبقى حال القيام قبل الركوع أو بعد الركوع داخلًا في قوله رضي الله عنه: "كان الناس يؤمَرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة"، فيكون الحديث دالًّا على أن اليدَ اليمنى توضع على اليد اليسرى في القيام قبل الركوع وبعد الركوع، وهذا هو الحقُّ الذي تدلُّ عليه سنة النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم). ((مجموع فتاوى ورسائل العُثَيمين)) (13/160، 161). .
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
1- عن سهلِ بنِ سعدٍ السَّاعديِّ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: ((كان النَّاسُ يؤمَرونَ أنْ يضَعَ الرَّجلُ اليدَ اليُمنى على ذراعِه اليُسرى في الصَّلاةِ ))، وقال أبو حازمٍ: ولا أعلَمُه إلَّا يُنمِي ذلك إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رواه البخاري (740). .
2- عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه قال: ((كان رسولُ اللهِ إذا قال: سمِعَ اللهُ لِمَن حمِدَه قام حتَّى نقولَ: إنَّه قد أوهَمَ.. )) رواه مسلم) 473). .
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
قوله: (قد أوهَمَ) فيه إشارةً إلى أنَّ قيامَه بعد الرُّكوعِ كقيامِه قبل الرُّكوعِ في الهيئةِ، ومنها وضعُ اليدينِ، لذلك ظنَّ الصحابة أنه أوهم، ولو كان هناك فرقٌ بينهما لما ظنُّوا هذا الظَّن.
ثانيًا: لم يثبُتْ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حديثٍ أنَّه سدَلَ يدَيْهِ وأرسَلَهما مع جنبَيْهِ في القيامِ في الصَّلاةِ ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة - المجموعة الأولى)) (6/366). .
القول الثاني: لا يُسَنُّ وضعُ اليدِ اليُمنى على اليُسرى بعد القيامِ مِن الرُّكوعِ، وهذا مذهبُ الجمهورِ؛ مِن الحنفيَّةِ ((الفتاوى الهندية)) (1/73)، وينظر: ((مجمع الأنهر)) لشيخي زاده (1/141)، ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/201). ، والمالكيَّةِ المالكيَّة يرون ندبَ إرسال اليدين في الصلاة عمومًا، ويكرَهون قبضها مطلقًا في الفرض. قال الدردير: («و» ندب لكل مصلٍّ مطلقًا «سدل» أي إرسال «يديه» لجَنْبيه، وكره القبض بفرض) ((الشرح الكبير)) (1/250). وينظر: ((شرح مختصر خليل)) (1/286). ، والشافعيَّةِ قال الهيتمي: ((فإذا انتصب) قائمًا أرسل يديه، وما قيل: يجعَلُهما تحت صدره كالقيام، يأتي قريبًا ردُّه) ((تحفة المحتاج)) (2/63). وقال الشربيني: ((فإذا انتصب) أرسل يديه، و(قال) كلٌّ مِن الإمام والمنفرد والمأموم سرًّا (ربنا لك الحمد)، أو: ربنا ولك الحمد، أو: اللهمَّ ربنا لك الحمد، أو: ولك الحمد، أو: ولك الحمد ربنا، أو: الحمدُ لربِّنا) ((مغني المحتاج)) (1/166). ، وقولٌ عند الحنابلةِ قال المرداويُّ: (وقال: في المذهب والإفادات والتلخيص وغيرهم: إذا انتصَب قائمًا أرسَل يديه) ((الإنصاف)) (2/47). ، وذلك لأنَّه لم يرِدْ مطلَقًا في شيءٍ مِن أحاديثِ الصَّلاةِ ((أصل صفة صلاة النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)) للألباني (2/701). ، ولم يُنقَلْ عن أحدٍ مِن السَّلفِ وضعُ اليدينِ على الصَّدرِ بعد الرَّفعِ مِن الرُّكوعِ ((أصل صفة صلاة النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)) للألباني (2/701). .
القول الثالث: إن شاءَ وضَع اليدَ اليُمنى على اليُسرى بعد القيامِ مِن الرُّكوعِ، وإن شاءَ لم يضَعْ، وهذا مذهبُ الحنابلةِ قال المرداويُّ: (قال الإمام أحمد: إذا رفَع رأسه من الركوع، إن شاء أرسَل يديه، وإن شاء وضَع يمينه على شِماله) ((الإنصاف)) (2/47). وقال البهوتي: ((ثم إن شاء أرسل يديه) من غيرِ وضعِ إحداهما على الأخرى (وإن شاء وضَع يمينه على شِماله نصًّا)، أي: نصَّ أحمدُ على تخييره بينهما) ((كشاف القناع)) (1/348). ؛ وذلك لعدمِ وجودِ دليلٍ صريحٍ في القبضِ أو الإرسالِ بعد الرَّفعِ مِن الرُّكوعِ.

انظر أيضا: