الموسوعة الفقهية

المَطْلَبُ الثَّاني: من باع ما يُقصَدُ به الحَرامُ فهل يَصِحُّ بَيْعُه؟


يَبطُلُ بَيْعُ ما يُقصَدُ به الحرامُ -كمَنْ يَبيعُ العَصيرَ لِمَن يَعلَمُ أنَّه سيتَّخِذُه خَمْرًا- وهو مَذهَبُ المالِكيَّةِ ((الكافي)) لابن عبد البر (2/677)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (6/70). ، والحَنابِلةِ ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/181)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (12/377). ، وهو قَوْلُ طائِفةٍ مِنَ السَّلَفِ قال ابنُ تيميَّةَ: (جَرَى التَّصريحُ عَنِ السَّلَفِ بِتَحريمِ هَذا البَيعِ وبِفَسادِه أيضًا، وهوَ مَذْهَبُ أهلِ الحِجازِ وأهلِ الشَّامِ، وفُقَهاءِ الحَديثِ تَبَعًا لِلسَّلَفِ، فروَى ابنُ وهْبٍ عَن سَعيدِ بنِ أبي أيُّوبَ عَن سَعيدٍ عَن مُجاهدٍ أنَّ رَجُلًا قال لِابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ لي كُرومًا فأعصِرُها خَمرًا فأُعتِقُ مِن ثَمنِها الرِّقابَ، وأحمِلُ على جِيادِ الخَيلِ في سَبيلِ اللهِ، وأتَصَدَّقُ على الفُقَراءِ والمَساكِينِ، فقال لَه ابنُ عَبَّاسٍ: فِسْقٌ إن أنفَقْتَ، وفِسْقٌ إن تَرَكْتَ، فرَجَعَ الرَّجُلَ فعَقَرَ كُلَّ شَجَرةِ عِنَبٍ كانَ يَملِكُها، ورَوَى عَبدُ المَلكِ بنُ حَبِيبٍ في الواضِحةِ عَن شَراحيلَ بْنِ بكيرٍ أنَّه سَألَ ابنَ عُمرَ عَن بيعِ العَصيرِ فقالَ: لا يَصلُحُ. فقال: إنْ عَصرْتُه ثُمَّ شَرِبتُه مَكاني قال: فلا بأسَ. قال: فما بالُ بَيْعه حَرام وشُربُه حَلالٌ؟ فقال لَه ابنُ عُمَرَ: ما أدري أجِئْتَ تَستَفتيني أم جِئْتَ تُماريني؟! قال ابنُ حَبيبٍ: نَهى عَن بَيعِه؛ لِأنَّه يُصْرَفُ إلَى الخَمرِ إلَّا أن يَكونَ يَسيرًا، ويكونُ مُبتاعُه مَأمونًا يعلَمُ أنَّه إنَّما يَشتَريه ليَشرَبَه عَصيرًا كما هوَ فلا بأسَ بِه. وكَذلك بيعُ الكَرْمِ إذا خِيفَ أن يَكونَ مُشتَرِيه إنَّما يَشتَريه لِعَصرِه خَمرًا فلا يَحِلُّ بيعُه مِنه) ((الفتاوى الكبرى)) (6/288). ، واختاره ابنُ حَزمٍ ابنُ حَزْمِ اشتَرَطَ إذا تَيَقَّنَ بِأنَّه سَيَجعَلُه خَمرًا، قال ابنُ حَزْمٍ: (جائِزٌ بيعُ العَصيرِ مِمَّن لا يُوقِنُ أنَّه يُبقِيه حَتَّى يَصيرَ خَمرًا، فإنْ تَيَقَّنَ أنَّه يَجعَلُه خَمرًا، لَم يَحِلَّ بيعُه مِنه أصلًا وفُسِخَ البَيعُ) ((المحلى)) (12/377). ، وابنُ تَيمِيَّةَ قال ابنُ تيميَّةَ: (في قَولِه: «وبائِعَها ومُبتاعَها وحامِلَها والمَحمولةَ إلَيه وآكِلَ ثَمَنِها» يَدخُلُ في هَذا عَينُ الخَمرِ وعَصيرُها وعِنَبُها، كما دَخلَ العِنَبُ والعَصيرُ في العاصِرِ والمُعتَصرِ؛ لِأنَّ مِن هَؤُلاءِ المِلعونينَ مَن لا يَتَصَرَّفُ إلَّا في عَينِ الخَمْرِ، كالسَّاقي والشَّارِبِ، ومِنهم مِن لا يَتَصَرَّفُ إلَّا في العِنَبِ والعَصيرِ، كالعاصِرِ والمُعتَصرِ، ومِنهم مَن يَتَصَرَّفُ فيهما جَميعًا. يُبَيِّنُ ذلك ما رَوَى الإمامُ أحمَدُ بِإسنادِه، عَن مُصْعَبِ بنِ سَعيدٍ، قال: قيلَ لِسَعدٍ -يَعني ابنَ أبي وقَّاصٍ أحَدِ العَشَرةِ-: تَبيعُ عِنَبًا لَكَ لِمَن يَتَّخِذُه عَصيرًا؟ فقال: بئسَ الشَّيخُ أنا إنْ بِعْتُ الخَمرَ! وعَن مُحَمَّدِ بنِ سِيرينَ قال: كانَت لِسَعْدِ بن مالِكٍ أرضٌ فيها عِنَبٌ، فجاء قَيِّمُه عليها، فقال: إنَّ عِنَبَها قَد أدرَكَ فما نَصنَعُ بِه، قال: بيعوه، قال: إنَّه أكثَرُ مِن ذلك، قال: اصنَعوه زَبيبًا، قال: إنَّه لا يَجيءُ زَبيبٌ، قال: فرَكِبَ سَعدٌ ورَكِبَ مَعَه ناسٌ حَتَّى إذا أتَوا الأرضَ الَّتي فيها العِنَبُ، أمرَ بِعِنَبِها فنُزِعَ مِن أصولِه، وحَرَثَها. وعَن عَقار بنِ المُغيرةِ بن شُعبةَ قال: سَألتُ ابنَ عُمرَ: أتبيعُ عِنَبًا لي عَصيرًا؟ فقال: لا، ولَكِن زَبِّبْه، ثُمَّ بِعْه، وفي رِوايةٍ أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ سُئِلَ عَن بيعِ العَصيرِ، فقال: لا يَصلُحُ، قال: فقُلتُ: فشُرْبُه؟ قال: لا بأسَ بِه، وقال أحمَدُ «نَهَى رَسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عَن بيعِ السِّلاحِ في الفِتنةِ». ثُمَّ في مَعنَى هَؤُلاءِ كُلُّ بيعٍ، أو إجارةٍ، أو هبةٍ، أو إعارةٍ تُعِينُ على مَعصيةٍ إذا ظَهَرَ القَصدُ، وإن جازَ أن يَزولَ قَصدُ المَعصيةِ، مِثلُ بيعِ السِّلاحِ لِلكُفَّارِ، أو لِلبُغاةِ، أو لِقُطَّاعِ الطَّريقِ، أو لِأهْلِ الفِتنةِ، وبَيعِ الرَّقيقِ لِمَن يَعصي اللهَ فيه، إلَى غَيرِ ذلك مِنَ المَواضِعِ، فإنَّ ذلك قياسٌ بِطريقِ الأَولَى على عاصِرِ الخَمرِ، ومَعلومٌ أنَّ هَذا إنَّما استَحَقَّ اللَّعنةَ، وصارَت إجارَتُه وبَيعُه باطِلًا إذا ظَهَرَ لَه أنَّ المُشتَريَ أوِ المُستَأجِرَ يُريدُ التَّوَسُّلَ بِمالِه ونَفعِه إلَى الحَرامِ) ((الفتاوى الكبرى)) (6/288). ، وابنُ عُثَيمين قال ابنُ عُثَيمين: (قَولُه: «ولا يَصِحُّ بيعُ عَصيرٍ مِمَّن يَتَّخِذُه خَمرًا» أي: لا يَصِحُّ بيعُ عَصيرٍ على مَن يَتَّخِذُه خَمرًا، والدَّليلُ قَولُ الله تَعالَى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائِدة: 2]. فإنْ قال قائِلٌ: ما الَّذي يُدريني أنَّ هَذا الرَّجُلَ اشتَرَى العَصيرَ ليَتَّخِذَه خَمرًا أو ليَشرَبَه في الوَقتِ الحاضِرِ؟ نَقولُ: إذا غَلَبَ على الظَّنِّ أنَّ هَذا مِنَ القَومِ الَّذينَ يَشتَرونَ العَصيرَ ليَتَّخِذَوه خَمرًا كفَى ذلك وصارَ هَذا حَرامًا؛ لِأنَّه مِن بابِ التَّعاوُنِ على الإثمِ والعُدوانِ، واللهُ سُبحانَه وتَعالَى قَد نَهَى عَن ذلك، وإلَّا فالأصلُ الصِّحَّةَ، وعَدَمُ المَنعِ) ((الشرح الممتع)) (8/193).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّ التحريمَ هاهنا لحَقِّ اللهِ تعالى، فأفسَدَ العَقْدَ، كبَيعِ دِرهَمٍ بدِرهَمَينِ ((المغني)) لابن قدامة (4/168).
ثانيًا: أنَّه عَقدٌ على عَينٍ لِمَعصيةِ اللهِ بها؛ فلم يَصِحَّ ((المغني)) لابن قدامة (4/168).

انظر أيضا: