الموسوعة الفقهية

المَطْلَبُ الثَّاني: انعِقادُ البَيْعِ بكُلِّ ما يَعُدُّه النَّاسُ بَيعًا


ينعَقِدُ البَيْعُ بكُلِّ ما يَعُدُّه النَّاسُ بَيْعًا سواءٌ كان اللَّفظُ بصيغةِ الماضي، أو المضارعِ، أو الأمرِ، أو جملةٍ اسميَّةٍ. ، وهو مَذهَبُ المالِكيَّةِ ((مختصر خليل)) (ص 143)، ((مواهب الجليل)) للحطَّاب (6/13) ((منح الجليل)) لعليش (4/434). ، والحَنابِلةِ في ظاهِرِ المَذهَبِ ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/ 146) وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (3/480،481) ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (29/7). ، وقَولُ بَعضِ الشَّافِعيَّةِ، اختاره النَّوَويُّ ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (3/339)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/3). ، وهو اختيارُ ابنِ تَيمِيَّةَ قال ابنُ تيميَّةَ: (كُلُّ ما عَدَّه النَّاسُ بَيعًا أو هِبةً مِن مُتعاقِبٍ أو متراخ ٍمنِ قَولٍ أو فِعلٍ، انعقد به البيعُ والهِبةُ) ((الفتاوى الكبرى)) (5/387). وقال: (الِاكتِفاءُ في العُقودِ المُطلَقةِ بما يَعرِفُه النَّاسُ، وأنَّ ما عَدَّه النَّاسُ بَيعًا فهوَ بَيعٌ، وما عَدُّوه إجارةً فهوَ إجارةٌ، وما عَدُّوه هِبةً فهوَ هِبةٌ، وما عَدُّوه وَقفًا فهوَ وقفٌ؛ لا يُعتَبَرُ في ذلك لَفظٌ مُعَيَّنٌ) ((مجموع الفتاوى)) (20/230)، وينظر: ((الإنصاف)) للمرداوي (4/190). ، وابنِ القَيِّمِ قال ابنُ القَيِّمِ: (فرَّقتُم بَينَ ما جَمَعَ اللهُ بَينَه مِن عَقَدَينِ مُتَساويَينِ مِن كُلِّ وجهٍ، وقَد صَرَّحَ المُتَعاقِدانِ فيهما بالتَّراضي، وعَلِمَ اللهُ سُبحانَه تَراضِيَهما والحاضِرونَ، فقُلتُم: هَذا عَقْدٌ باطِلٌ لا يُفيدُ المِلكَ ولا الحِلَّ حَتَّى يُصرِّحا بلَفظِ: بِعْتُ واشتَريتُ، ولا يَكفيهما أن يَقولَ كُلُّ واحِدٍ مِنهما: أنا راضٍ بهَذا كُلَّ الرِّضا، ولا قَد رَضِيتُ بهَذا عِوَضًا عَن هَذا، مَعَ كونِ هَذا اللَّفظِ أدَلَّ على الرِّضا الَّذي جَعله اللهُ سُبحانَه شَرطًا لِلحِلِّ مِن لَفظِه: بِعْتُ واشتَريتُ؛ فإنَّه لَفظٌ صَريحٌ فيه، وبِعْتُ واشتَريتُ إنَّما يَدُلُّ عليه باللُّزومِ، وكَذلك عَقْدُ النِّكاحِ، ولَيسَ ذلك مِنَ العِباداتِ الَّتي تَعبَّدَنا الشَّارِعُ فيها بألفاظٍ لا يَقومُ غَيرُها مَقامَها؛ كالأذانِ، وقِراءةِ الفاتِحةِ في الصَّلاةِ، وألفاظِ التَّشَهُّدِ، وتَكبيرةِ الإحرامِ وغَيرِها، بَل هذه العُقودُ تَقَعُ مِنَ البَرِّ والفاجِرِ، والمُسلِمِ والكافِرِ، ولَم يَتَعَبَّدْنا الشَّارِعُ فيها بألفاظٍ مُعَيَّنةٍ... وأمَّا العُقودُ والمُعامَلاتُ فإنَّما يُتبَعُ مَقاصِدُها والمُرادُ مِنها بأيِّ لَفظٍ كانَ؛ إذ لَم يَشرَعِ اللهُ ورَسولُه لَنا التَّعَبُّدَ بألفاظٍ مُعَيَّنةٍ لا نَتَعَدَّاها) ((إعلام الموقعين)) (1/343). ، وابنِ عُثَيمين قال ابنُ عُثَيمين: (جَميعُ العُقودِ تَنعَقِدُ بما دَلَّ عليها عُرفًا، وهَذا القَولُ هوَ الرَّاجِحُ، وهوَ المُتَعَيِّنُ، وهوَ اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ رَحِمِه الله... فالصَّوابُ: أنَّ جَميعَ العُقودِ لَيسَ لَها صيَغٌ مُعَيَّنةٌ، بَل تَنعَقِدُ بما دَلَّ عليها، ولا يُمكِنُ لِإنسانٍ أن يَأتيَ بفارِقٍ بَينَ البَيعِ وبَينَ غَيرِه، فإذا قالوا مَثَلًا: النِّكاحُ ذَكَرَه اللهُ بلَفظِ النِّكاحِ، قُلنا: والبَيعُ ذَكَرَه اللهُ بلَفظِ البَيعِ، فهَل تَقولونَ: إنَّه لا بُدَّ أن تَقولَ: بِعْتُ؟ يَقولونَ: لَيسَ بشَرطٍ، إذَنْ يَنعَقِدُ بكُلِّ لَفظٍ دَلَّ عليه عُرفًا بإيجابٍ، وقَبولٍ بَعدَه) ((الشرح الممتع)) (8/102).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والصَّحابةَ والتَّابِعينَ كانوا يَتَبايَعونَ، ولَم يَكونوا يَلتَزمونَ الصِّيغةَ مِنَ الطَّرَفَينِ ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (29/18).
ثانيًا: لأنَّه لم يَصِحَّ في الشَّرعِ اشتِراطُ لَفظٍ؛ فوَجَبَ الرُّجوعُ إلى العُرفِ كَغَيرِه مِنَ الألفاظِ ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (3/339)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/343).
ثالِثًا: لأنَّه ليسَ لذلك حَدٌّ مُستَقِرٌّ، لا في شَرعٍ ولا في لُغةٍ، بَل يَتَنَوَّعُ بتَنَوُّعِ اصطِلاحِ النَّاسِ ((القواعد النورانية)) لابن تيميَّةَ (ص: 155)، وينظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (29/7).
رابعًا: لأنَّ المُعامَلاتِ ليسَت عِباداتٍ يَتَقَيَّدُ الإنسانُ فيها بما ورَدَ، بَل هيَ مُعامَلاتٌ بَينَ النَّاسِ، فما عَدَّه النَّاسُ بَيعًا فهو بَيعٌ ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (8/102).

انظر أيضا: