الموسوعة الفقهية

الفَرعُ الثَّاني: عِدَّةُ الحامِلِ المُتوَفَّى عنها زَوجُها


تجِبُ العِدَّةُ على المرأةِ الحامِلِ المُتوَفَّى عنها زَوجُها، وتَنقَضي بوَضعِ حَملِها.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قَولُه تعالى: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ الطلاق: 4.
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الآيةَ نَصٌّ عامٌّ في كُلِّ حامِلٍ، فيَدخُلُ فيها مَن تُوفِّيَ عنها زَوجُها [33] ((المغني)) لابن قدامة (8/118).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن أبي سَلَمةَ قال: ((جاء رجُلٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ، وأبو هُريرةَ جالِسٌ عنده، فقال: أفتِني في امرأةٍ ولَدَت بعد زوجِها بأربعينَ ليلةً؟ فقال ابنُ عبَّاسٍ: آخِرُ الأجلَينِ، قلتُ أنا: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ الطلاق: 4. قال أبو هُريرةَ: أنا مع ابنِ أخي -يعني: أبا سَلَمةَ- فأرسل ابنُ عبَّاسٍ غُلامَه كُرَيبًا إلى أمِّ سَلَمةَ يَسألُها، فقالت: قُتِلَ زَوجُ سُبَيعةَ الأسلَمِيَّةِ وهي حُبلى، فوَضَعَت بعد موتِه بأربعينَ ليلةً، فخُطِبَت، فأنكَحَها رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان أبو السَّنابِلِ فيمن خَطَبَها )) [34] أخرجه البخاري (4909) واللفظ له، ومسلم (1485).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه نَصٌّ في اعتبارِ انتِهاءِ العِدَّةِ بوَضعِ الحَملِ؛ بدَليلِ زواجِها بعدَ وَضعِ حَملِها [35] ((أحكام القرآن)) لابن العربي (1/280).
ثالثًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجماعَ على ذلك [36] قال ابنُ باز: (هذا محلُّ إجماعٍ بين أهلِ العِلمِ، قد كان في هذا بَعضُ الخلافِ اليسيرِ في العهدِ الأوَّلِ، ثم انقرض وزال، واستقَرَّ الإجماعُ على أنَّ المرأةَ متى وضَعَت حَمْلَها خرَجَت من العِدَّةِ، وليس عليها أن تعتدَّ أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا، بل متى وضعت الحَملَ ولو بعدَ وفاةِ زَوجِها بليالٍ أو بساعاتٍ أو بدقائقَ، فإنَّها تخرجُ من العِدَّةِ، والحمدُ لله). (الموقع الرسمي للشيخ ابن باز)). :
ابنُ المنذِرِ [37] قال ابنُ المنذر: (قد أجمعوا على أنَّها لو كانت حامِلًا لا تعلَمُ بوفاةِ الزَّوجِ أو طلاقِه فوضَعَت حَمْلَها: أنَّ عِدَّتَها مُنقَضيةٌ). ((الإشراف)) (5/355). وقال: (أجمع أهلُ العلمِ على أن عِدَّة الحُرَّةِ المُسلِمةِ مِن وَفاةِ زوجها أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، مدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها، صغيرةً كانت أم كبيرةً، تقيمُ المُعتَدَّةُ في المنزلِ الذي كانت تَسكُنُه أيامَ حياتِه إلَّا أن تُخرَجَ منه، فيكونُ لها عُذرٌ في الخروجِ، وإن كان المُتوَفَّى عنها حامِلًا فأجَلُها أن تضَعَ حَملَها، فإن وضَعَت حَمْلَها وزَوجُها على السَّريرِ لم يُدفَنْ، انقَضَت عِدَّتُها، وحَلَّ لها النِّكاحُ). ((الإقناع)) (1/324). ، وابنُ حزمٍ [38] قال ابنُ حزم: (اتَّفقوا أنَّ الحامِلَ المتوفَّى عنها إن وضَعَت حَملَها بعد انقضاءِ أربعةِ أشهُرٍ وعَشرٍ، ثمَّ خَرَجَت مِن دَمِ نفاسِها أو انقطَعَ عنها، فقد انقَضَت عِدَّتُها). ((مراتب الإجماع)) (ص: 77). ، وابنُ عبدِ البَرِّ [39] قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (على القَولِ بحديثِ أمِّ سَلَمةَ في قِصَّةِ سُبَيعةَ جماعةُ العُلَماءِ بالحِجازِ، والعراق، والشام، ومصر، والمغرب، والمشرق: اليومَ، ولا خلافَ في ذلك). ((الاستذكار)) (6/212). ، وابنُ قُدامةَ [40] قال ابنُ قدامة: (أجمعوا أيضًا على أنَّ المُتوَفَّى عنها زوجُها إذا كانت حاملًا، أجَلُها وَضْعُ حَملِها، إلَّا ابنَ عبَّاسٍ، ورُوي عن عليٍّ مِن وجهٍ منقطِعٍ أنَّها تعتَدُّ بأقصى الأجلَينِ. وقاله أبو السنابل بن بَعكَكٍ في حياةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرَدَّ عليه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَولَه، وقد رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه رجَعَ إلى قولِ الجماعةِ لَمَّا بلغه حديثُ سُبَيعةَ، وكَرِهَ الحَسَنُ والشعبي أن تُنكَحَ في دَمِها. ويُحكى عن حمَّادٍ وإسحاق: أنَّ عِدَّتَها لا تنقَضي حتى تَطهُرَ. وأبى سائِرُ أهلِ العِلمِ هذا القَولَ، وقالوا: لو وَضَعَت بعد ساعةٍ مِن وفاةِ زَوجِها، حَلَّ لها أن تتزوَّجَ، ولكِنْ لا يَطَؤُها زوجُها حتى تَطهُرَ مِن نفاسِها وتغتَسِلَ). ((المغني)) (8/118). ، والقرطبيُّ [41] قال القرطبي: (أجمع العُلَماءُ على أنَّها لو كانت حامِلًا لا تَعلَمُ طلاقَ الزَّوجِ أو وفاتَه، ثمَّ وضَعَت حَمْلَها: أنَّ عِدَّتَها مُنقَضِيةٌ). ((تفسير القرطبي)) (3/183). ، وابنُ تَيميَّةَ [42] قال ابنُ تَيميَّةَ: (اتَّفقت أئمَّةُ الفُتيا على قَولِ عُثمانَ، وابنِ مَسعودٍ، وغَيرِهما في ذلك، وهو أنَّها إذا وَضَعَت حَمْلَها حَلَّت). ((مجموع الفتاوى)) (35/125).
رابِعًا: مِنَ الآثارِ
عن عَلقَمةَ بنِ قَيسٍ، أنَّ ابنَ مَسعودٍ قال: (مَن شاء لاعَنْتُه [43] مَن شاءَ لاعَنْتُه: مِنَ الملاعَنةِ، وهي: المُباهَلةُ، أي: مَن يُخالِفْني فإنْ شاء فليجتَمِعْ معي حتى نلعَنَ المخالِفَ للحَقِّ، وهذا كنايةٌ عن قَطعِه وجَزمِه بما يقولُ من غيرِ وَهمٍ. يُنظر: ((حاشية السندي على سنن النسائي)) (6/197)، ((عون المعبود)) للعظيم آبادي (6/298). ؛ ما أُنزِلَت: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ الطلاق: 4 إلَّا بعدَ آيةِ المُتوَفَّى عنها زَوجُها، إذا وَضَعَت المُتوَفَّى عنها زَوجُها فقد حَلَّت) [44] أخرجه النسائي (3522)، والبيهقي (15874) واللفظ لهما، والطبراني (9/384) (9642). قال الشوكاني في ((فتح القدير)) (5/347): رُوِيَ نحوُ هذا عنه مِن طُرُقٍ، وبعضُها في صحيحِ البخاريِّ. وصَحَّح إسناده الألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (3522).
خامِسًا: لأنَّها مُعتَدَّةٌ حامِلٌ، فتَنقَضي عِدَّتُها بوَضعِه، كالمطَلَّقةِ [45] ((بدائع الصنائع)) للكاساني (3/196)، ((المغني)) لابن قدامة (8/118).
مسألةٌ: صِفةُ الحَملِ الذي تنقَضي به العِدَّةُ
تنقَضي العِدَّةُ بوَضعِ الحَملِ الذي تبَيَّنَ فيه خَلقُ إنسانٍ، وإن كان سِقْطًا.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قَولُه تعالى: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ الطلاق: 4.
وَجهُ الدَّلالةِ:
عُمومُ الآيةِ في انقِضاءِ العِدَّةِ بوَضعِ كُلِّ حَملٍ، ومنه ما تبيَّنَ فيه خَلقُ إنسانٍ [46] ((المغني)) لابن قدامة (8/120).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ المنذِرِ [47] قال ابنُ المنذر: (أجمَعَ كُلُّ مَن نحفَظُ عنه مِن أهلِ العِلمِ على أنَّ عِدَّة المرأةِ تنقضي بالسِّقطِ تُسقِطُه إذا عُلِمَ أنَّه ولَدٌ). ((الإشراف)) (5/352). ونقله عنه ابنُ قُدامة في ((المغني)) (8/119). وقال: (إذا قالت: في عَشرةِ أيامٍ وما أشبَهَ ذلك قد انقَضَت عِدَّتي وقد حِضتُ ثلاثَ حِيَضٍ، لم تُصَدَّقْ ولم يُقبَلْ قَولُها. وهذا لا أعلَمُ فيه اختِلافًا إلَّا أن تقولَ: قد أسقَطتُ سِقطًا قد استبان خَلْقُه). ((الأوسط)) (9/585). ونقله عنه القرطبي في ((تفسيره)) (3/119). ، وابنُ قُدامةَ [48] قال ابنُ قدامة: (الحَملُ الذي تنقَضي به العِدَّةُ: ما يتبيَّنُ فيه شيءٌ مِن خَلقِ الإنسانِ، حُرَّةً كانت أو أمَةً، وجُملةُ ذلك أنَّ المرأةَ إذا ألقَتْ بعد فُرقةِ زَوجِها شَيئًا، لم يَخْلُ مِن خمسةِ أحوالٍ: أحدُها: أن تضَعَ ما بان فيه خَلْقُ الآدميِّ مِنَ الرَّأسِ واليَدِ والرِّجلِ، فهذا تنقَضي به العِدَّةُ بلا خلافٍ بينهم). ((المغني)) (8/119).
ثالثًا: لأنَّه إذا بان فيه شَيءٌ مِن خَلقِ الآدَمِيِّ عُلِمَ أنَّه حَملٌ [49] ((المغني)) لابن قدامة (8/119، 120).

انظر أيضا: