الموسوعة الفقهية

الفرعُ الثَّاني: من الشُّروط الفاسِدة المُفسِدة في النكاح: نِكاحُ التَّحليلِ


يَحرُمُ نِكاحُ التَّحليلِ، وهو نِكاحٌ فاسِدٌ، ولا يُحَلِّلُ المرأةَ لِزَوجِها الأوَّلِ [887]     قيَّد الشَّافعيَّةُ تحريمَ التَّحليلِ وبُطلانَ النِّكاحِ فيما إذا شَرَط في العقدِ أنَّه إذا وَطِئَها طَلَّقها، أمَّا  إذا لم يشترِطْ في العَقدِ وتزوَّجها بقَصدِ التَّحليلِ يَصِحُّ النِّكاحُ مع الكراهةِ، وتحِلُّ المرأةُ بوطءِ الزَّوجِ الثَّاني للأوَّلِ. يُنظر: ((مغني المحتاج)) للشربيني (3/183)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (6/282). ، وهو مَذهَبُ المالِكيَّةِ [888]     ((الكافي)) لابن عبد البر (2/533). ، والحَنابِلةِ [889]     ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (2/666)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (5/124). ، وهو قَولُ أبي يوسُفَ مِن الحَنَفيَّةِ [890]     ((الهداية)) للمرغيناني (2/11)، ((حاشية ابن عابدين)) (3/415). ، واختيارُ ابن تيميَّة [891]     قال ابن تيمية: (أمَّا المَناكِحُ فلا ريبَ أنَّ مذهَبَ أهلِ المدينةِ في بُطلانِ نِكاحِ المحَلِّلِ ونكاحِ الشِّغارِ أتبَعُ للسُّنَّة ممَّن لم يُبطِلْ ذلك من أهلِ العراقِ؛ فإنَّه قد ثبت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه لَعَن المحلِّلَ والمحَلَّلَ له). ((مجموع الفتاوى)) (20/377). ، وابنِ القيِّمِ [892]     قال ابن القيِّم في مكايد الشيطان: (مِن مكايِدِه التى بلغ فيها مرادَه: مكيدةُ التَّحليلِ الذى لعن رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فاعِلَه، وشَبَّهه بالتَّيسِ المُستعارِ، وعَظُم بسببه العارُ والشَّنارُ، وعيَّر المسلمين به الكفَّارُ، وحصل بسَبَبِه من الفسادِ ما لا يحصيه إلَّا رَبُّ العبادِ، واستُكرِيَت له التيوسُ المستعاراتُ، وضاقت به ذَرعًا النفوسُ الأبيَّاتُ، ونَفَرت منه أشَدَّ مِن نِفارِها من السِّفاحِ). ((إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)) (1/268). ، وبه قال طائِفةٌ من السَّلَفِ [893]     ((إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)) لابن القيم (1/274). ، وحُكِيَ إجماعُ الصَّحابةِ على تحريمِه [894]     قال ابنُ تيمية: (نكاحُ المحَلِّلِ حرامٌ بإجماعِ الصَّحابةِ: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم -رَضِيَ اللهُ عنهم). ((المستدرك على مجموع الفتاوى)) (4/173). وقال أيضًا: (ثبت عن أصحابِه؛ كعُمَرَ، وعثمانَ، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس: أنَّهم نَهَوا عن التحليلِ، لم يُعرَفْ عن أحدٍ منهم الرُّخصةُ في ذلك). ((مجموع الفتاوى)) (20/378).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
1- قال تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  [البقرة: 230]
وَجهُ الدَّلالةِ:
قَولُه تعالى: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ دَليلٌ على حُرمةِ التَّحليلِ؛ وذلك لأنَّ النِّكاحَ إذا أُطلِقَ صُرِفَ إلى النِّكاحِ المعروفِِ، وهذا النِّكاحُ نِكاحٌ مُقَيَّدٌ، فيُسَمَّى نكاحَ تحليلٍ، فيبقى على أصلِ التَّحريمِ حتى يقومَ الدَّليلُ على حِلِّه [895]     ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (6/250). ويُنظر: ((بيان الدليل على بطلان التحليل)) له أيضًا (ص: 375).
2- قال تعالى: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 231]
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللهَ تعالى حرَّم أن يطيلَ الرَّجُلُ عِدَّةَ المرأةِ؛ بأن يُطَلِّقَها ثمَّ يُراجِعَها في أُخرَياتِ عِدَّتِها ثمَّ يُطَلِّقَها؛ لِيَضُرَّها، ومعلومٌ أنْ لو حدث هذا من غيرِ قَصدِ الإضرارِ لحَلَّ؛ فكذلك المحَلِّلُ قَصَد بالفُرقةِ التَّحليلَ، فلو أنَّه لم يَقصِدْها لحَلَّ كما هاهنا [896]     ((بيان الدليل على بطلان التحليل)) لابن تيمية (ص: 382).
ثانيًا: مِن الآثارِ [897]     قال ابنُ القيم: (قال شيخُ الإسلام: وهذه الآثارُ عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر -رضى الله عنهم- مع أنَّها نصوصٌ فيما إذا قَصَد التحليلَ ولم يُظهِرْه، ولم يتواطَآ عليه، فهى مُبيِّنةٌ أنَّ هذا هو التَّحليلُ، وهو المحَلِّلُ الملعونُ على لسان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم؛ فإنَّ أصحابَ رَسولِ الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أعلَمُ بمرادِه ومقصودِِه، لاسيما إذا رووا حديثًا وفسَّروه بما يوافِقُ الظاهِرَ. هذا مع أنَّه لم يُعلَمْ أنَّ أحدًا مِن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فرَّق بين تحليلٍ وتحليلٍ، ولا رخَّصوا فى شىءٍ مِن أنواعه، مع أنَّ المطلَّقةَ ثلاثًا مِثلُ امرأةِ رفاعةَ القُرَظيِّ قد كانت تختلِفُ إليه المدةَ الطويلةَ: وإلى خُلَفائِه لتعودَ إلى زوجِها، فيمنعونَها من ذلك. ولو كان التحليلُ جائزًا لدلَّها رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك؛ فإنها لم تكن تعدمُ مَن يحلِّلُها، لو كان التَّحليلُ جائزًا). ((إغاثة اللهفان عن مصايد الشيطان)) (1/272). ويُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (5/101).
1- عن عُمرَ رَضيَ الله عنه قال: (لا أُوتى بمُحِلٍّ ولا مُحَلَّلٍ له إلَّا رجَمْتُهما) [898]     أخرجه عبدالرزاق (10777)، وابن أبي شيبة ( 37344) واللفظ له، والبيهقي (14576). قال ابن تيمية في ((بيان الدليل)) (481): مشهور محفوظ عن عمر. وصححه ابن القيم في ((إغاثة اللهفان)) (1/411).
2- عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِىَ الله عنهما، وسأله رجلٌ فقال: (إنَّ عَمِّي طلَّق امرأتَه ثلاثًا! فقال: إنَّ عَمَّك عصى اللهَ فأندَمَه، وأطاع الشَّيطانَ فلم يجعَلْ له مَخرجًا، قال: كيف ترى فى رجُلٍ يُحَلِّلُها؟ قال: من يخادِعِ اللهَ يَخدَعْه!) [899]     أخرجه عبدالرزاق (10779)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (4476)، والبيهقي (15376). ذكر ثبوته ابن تيمية في ((بيان الدليل)) (486)، وابن القيم في ((أعلام الموقعين)) (3/139).
ثالثًا: لأنَّه نِكاحٌ إلى مُدَّةٍ؛ فأشبَهَ نِكاحَ المُتعةِ [900]     ((المغني)) لابن قدامة (7/181). ويُنظر: ((العزيز شرح الوجيز)) للرافعي (8/53).

انظر أيضا: