الموسوعة الفقهية

المطلب الرَّابعُ: إمساكُ الخَمرِ للتَّخليلِ


يَحرُمُ إمساكُ المُسلِمِ الخَمرَ للتَّخليلِ، وهو مذهَبُ الحَنابِلةِ [123] لكنَّهم استَثنَوا الخَلَّالَ، فقالوا: لا يَحرُمُ على الخَلَّالِ إمساكُ الخَمرِ ليتخَلَّلَ؛ لئلَّا يضيعَ مالُه. يُنظر: ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/187)، (3/334). والخَلَّال: هو صانِعُ الخَلِّ وبائِعُه. يُنظر: ((المحكم والمحيط الأعظم)) لابن سِيْدَه (4/511)، ((لسان العرب)) لابن منظور (11/212). ، وقَولٌ للمالِكيَّةِ [124] ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير)) (1/52)، ((حاشية الصاوي على الشرح الصغير للدردير)) (1/48)، ((منح الجليل)) لعليش (1/50). اختاره ابنُ عبد البَرِّ [125] قال ابن عبد البر: (ولا يخَلِّلُ أحدٌ خَمرًا، فإن خَلَّلَها فبِئسَ ما فعل، ولْيستغفِرِ اللهَ، وليأكُلْها إن شاء، وقد قيل: لا يأكُلها إلَّا أن تَعُودَ خلًّا بغير صنيعِ آدميٍّ، وهو الأشهَرُ عن مالكٍ، وهو قولُ عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ الله عنه، وبه أقولُ. وقد قيل: إنَّها حرامٌ إذا خَلَّلَها الآدميُّ، إلا أن يكونَ نصرانيًّا). ((الكافي)) (1/443). وقال: (في هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الخمرَ لا يجوزُ لأحدٍ تَخليلُها، ولو جاز لمسلمٍ تخليلُها ما كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدَعُ الرجُلَ يفتَحُ من أذُنَيه حتى يُذهِبَ ما فيها منها؛ لأنَّ الخَلَّ مالٌ، وقد نهى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن إضاعةِ المالِ). ((الاستذكار)) (8/28). وقال: (هذا هو الصحيحُ مِن جهةِ النظَرِ أيضًا؛ لأنَّه لا يستَقِرُّ مِلكُ مُسلمٍ على خمرٍ، ولا يَثبُتُ له عليها مِلكٌ بحالٍ، كما لا يَثبُتُ له ساعةً مِلكُ الخنزيرِ، ولا دَم، ولا صَنَم، فكيف يخَلِّلُها؟!). ((الاستذكار)) (8/30). ، وهو قَولُ ابنِ حَزمٍ [126] قال ابنُ حزم: (المُمسِكُ للخَمرِ لا يُريقُها حتى يخَلِّلَها أو تتخَلَّلَ مِن ذاتِها- عاصٍ لله عَزَّ وجَلَّ، مُجَرَّحُ الشهادةِ). ((المحلى)) (6/115). ، وابنِ تيميَّةَ [127] قال ابنُ تيميَّة: (لأنَّ اقتناءَ الخَمرِ مُحرَّمٌ، فمتى قَصَدَ باقتنائها التَّخليلَ، كان قد فعَلَ مُحَرَّمًا). ((مجموع الفتاوى)) (21/503). وقال: (لأنَّ حَبسَ الخَمرِ حرامٌ، سواءٌ حُبِسَت لقصدِ التَّخليلِ أو لا). ((مجموع الفتاوى)) (21/503). والشَّوكانيِّ [128] قال الشوكاني: (الخمرُ لا تُملَكُ، بل يجِبُ إراقتُها في الحالِ، ولا يجوزُ لأحدٍ الانتفاعُ بها إلَّا بالإراقةِ). ((نيل الأوطار)) (8/215). ، وابنِ عُثَيمينَ [129] قال ابن عثيمين: (ولكِنَّ الصَّحيحَ أنَّه لا فَرقَ، وأنَّ الخمرَ متى تخَمَّرت أُريقَت، ولا يجوزُ أن تتَّخَذَ للتخليلِ، بخلاف ما إذا تخَلَّلت بنَفسِها، فإنَّها تَطهُرُ وتَحِلُّ). ((الشرح الممتع)) (1/432). ، وبه أفتَت اللَّجنةُ الدَّائِمةُ [130] جاء في فتوى اللَّجنةِ الدَّائمةِ: (نهيُه- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عن تخليلِ الخَمرِ يدُلُّ على أنَّه لا يجوزُ التَّخليلُ، ولا تَطهُرُ الخَمرُ ولا تحِلُّ بالتَّخليلِ). ((فتاوى اللجنة الدائمة)) (22/108).
الأدلَّة:
أولًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((سُئِلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الخَمرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ قال: لا )) [131] أخرجه مسلم (1983).
2- عن أنسٍ رَضِيَ الله عنه: ((أنَّ أبا طلحةَ سأل النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أيتامٍ وَرِثوا خَمرًا، قال: أهرِقْها، قال: أفلا أجعَلُها خلًّا؟ قال: لا )) [132] أخرجه أبو داود (3675) واللفظ له، وأحمد (12189). صَحَّحه النووي في ((المجموع)) (2/575)، وابن الملقن في ((البدر المنير)) (6/630)، وابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (2/296)، وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (9/74): رجالُ إسنادِه في سنن أبي داود ثقات، وصَحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (3675)، والحديث أصلُه مختَصَر في الصحيحِ؛ أخرجه مسلم (1983).
وجهُ الدَّلالةِ:
الحديثُ فيه دليلٌ على أنَّ الخَمرَ لا تُملَكُ، بل يجِبُ إراقتُها في الحالِ، ولا يجوزُ لأحدٍ الانتِفاعُ بها إلَّا بالإراقةِ [133] ((نيل الأوطار)) للشوكاني (8/215).
ثانيًا: لأنَّ حَبسَ الخَمرِ حَرامٌ، سَواءٌ حُبِسَت لِقَصدِ التَّخليلِ أو لِغَيرِ ذلك [134] ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (21/503).

انظر أيضا: