الموسوعة الفقهية

المطلب الثَّاني: مَن يُصلَّى عليه ومَن لا يُصلَّى عليه


الفرع الأوَّل: الصَّلاةُ على السِّقْطِ
المسألة الأولى: حُكمُ الصَّلاةِ على السِّقطِ إذا استهلَّ
يُصلَّى على السِّقطِ إذا استهلَّ [7996] استهلالُ الصبي: تصويته، وصياحُه عند ولادته. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (5/629). ((مرعاة المفاتيح)) للمباركفوري (5/424). ، وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعة: الحَنفيَّة [7997] ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/243)، ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 395). والاستهلالُ عندهم أن يكون منه ما يدلُّ على حياته مِن رَفْعِ صوتٍ أو حركةِ عُضْوٍ. ، والمالِكيَّة [7998] ((التاج والإكليل)) للمواق (2/240). ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/142)، ((المعونة على مَذهَب عالم المدينة)) للقاضي عبد الوهاب (1/350) ، والشافعيَّة [7999] ((المجموع)) للنووي (5/255)، ((مغني المحتاج)) للخطيب الشربيني (1/349). عِندَهم إنْ تَحَرَّكَ حركةً تدلُّ على الحياةِ- وإنْ لم يَسْتَهِلَّ- يُصَلَّ عليه ، والحَنابِلَة [8000] ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/101). ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/389)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (2/337). ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك [8001] قال ابنُ المنذر: (أجمَعوا على أنَّ الطِّفلَ إذا عُرِفَتْ حياتُه، واستهلَّ: صُلِّيَ عليه). ((الإجماع)) (ص:44). وينظر: ((الأوسط)) لابن المنذر (5/439). وقال ابنُ عبد البرِّ: (وفي هذا الحديثِ من الفِقه: الصلاةُ على الأطفالِ- والسُّنَّة فيها كالصَّلاة على الرِّجال- بعد أن يستهلَّ الطِّفلُ، وعلى هذا جماعةُ الفُقَهاءِ، وجمهورُ أهلِ العِلمِ، والاختلافُ فيه شذوذٌ). ((الاستذكار)) (3/38). وقال ابنُ العربيِّ: (الصَّلاةُ علي الصَّغيرِ إذا استهلَّ، لا خِلافَ فيه). ((عارضة الأحوذي)) (1/343). وقال ابنُ قُدامةَ: (فأمَّا إنْ خرج حيًّا واستهلَّ، فإنَّه يُغسَّلُ ويُصلَّى عليه، بغيرِ خلاف). ((المغني)) (2/389). وقال القرطبي: (وأجمعوا على أنَّ المولودَ إذا استهَلَّ صارِخًا يُصلَّى عليه) ((تفسير القرطبي)) (12/9). وذَكَر الخلافَ في ذلك الماورديُّ والعيني؛ قال الماوردي: (وهذا كما قال، لا يخلو حالُ السِّقطِ مِن أحد أمرينِ: إمَّا أن يستهِلَّ صارخًا، أو يسقُطَ ميتًا، فإنِ استهلَّ صارخًا غُسِّلَ وكُفِّنَ وصُلِّي عليه ودُفِنَ، وبه قال كافَّةُ الفقهاءِ. وقال سعيدُ بنُ جُبير: لا يُصلَّى عليه؛ لأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُصلِّ على ابنِه إبراهيمَ عليه السَّلام، وكان له حين مات سِتَّة عَشرَ، وقيل: ثمانيةَ عشر شهرًا، قال: ولأنَّ الصلاة شفاعةٌ ودعاءٌ لأهلِ الذُّنوب والخطايا، والطِّفلُ لا ذنبَ له، وهو مغفورٌ له). ((الحاوي الكبير)) (3/67). وينظر: ((عمدة القاري)) للعيني (8/176) ؛ وذلك لأنَّه قد ثبَتَ له حُكمُ الدُّنيا في الإسلامِ والميراثِ والدِّيةِ [8002] قال ابنُ قُدامةَ: (واتَّفقوا على أنَّه إذا استهلَّ صارخًا وَرِث، ووُرث). ((المغني)) (6/384). ؛ فيُصلَّى عليه كغيرِه [8003] ((المجموع)) للنووي (5/255).
المسألة الثانية: حُكمُ الصَّلاةِ على السِّقطِ إذا لم يَستهِلَّ
1- حُكمُ الصَّلاةِ على السِّقطِ إذا لم يَستهِلَّ، وكان دون أربعَةِ أشهُرٍ
لا يُصَلَّى على السِّقْطِ إذا لم يستهِلَّ، وكان دون أربعةِ أشْهُرٍ، وهذا باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ: الحَنفيَّة [8004]  ((مراقي الفلاح)) للشرنبلالي (ص:222). ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/302). والمالِكيَّة [8005] ((التاج والإكليل)) للمواق (2/240)، ((منح الجليل)) لعليش (1/511). ، والشَّافعيَّة [8006] ((المجموع)) للنووي (5/255)، ((مغني المحتاج)) للخطيب الشربيني (1/349) ، والحَنابِلَة [8007] ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/101). ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/389). ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك [8008] قال النوويُّ: (قال العبدريُّ: إنْ كان له دون أربعةِ أشهُر لم يُصلَّ عليه بلا خلافٍ، يعني: بالإجماعِ). ((المجموع)) (5/258).                                                 وقال ابنُ قُدامةَ: (فأمَّا مَن لم يأتِ له أربعةُ أشهرٍ، فإنه لا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، ويُلفُّ في خِرقة، ويُدفَن، ولا نعلم فيه خلافًا، إلَّا عن ابن سيرينَ، فإنه قال: يُصلَّى عليه إذا عُلِم أنه نُفِخَ فيه الرُّوحُ، وحديث الصَّادق المصدوق يدلُّ على أنَّه لا يُنفَخُ فيه الرُّوحُ إلَّا بعد أربعةِ أشهرٍ، وقبل ذلك فلا يكون نسَمَةً؛ فلا يُصلَّى عليه، كالجماداتِ والدَّمِ). ((المغني)) (2/389). ؛ وذلك لأنَّه قبل الأربعةِ أشهُرٍ لا يكون نسَمَةً، فهو كالجماداتِ والدَّمِ، فلا يُصَلَّى عليه [8009] ((المغني)) لابن قدامة (2/389).
2- حُكمُ الصلاة على السِّقط إذا لم يَستهلَّ، وكان له أربعةُ أشهُرٍ
اختلف أهلُ العِلمِ في الصَّلاة على السِّقطِ إذا لم يستهلَّ، وكان له أربعةُ أشهرٍ فأَكْثَرُ، على قولين:
القول الأوّل: لا يُصلَّى عليه، وهو مذهبُ الجُمهورِ: الحَنفيَّة [8010] ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/243)، ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 395) ، والمالِكيَّة [8011] ((التاج والإكليل)) للمواق (2/240). ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/142). ، والشافعيَّة [8012] ((المجموع)) للنووي (5/256)، ((مغني المحتاج)) للخطيب الشربيني (1/349). ، وهو قولُ بعضِ السَّلف [8013] ((المغني)) لابن قدامة (2/389). ؛ وذلك لأنَّه لم يثبُتْ له حُكمُ الحياةِ [8014] ((المغني)) لابن قدامة (2/389).
القول الثاني: يُصلَّى عليه، وهو مذهبُ الحَنابِلَة [8015] ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/101). ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/389). ، وقولُ فُقهاءِ المُحدِّثين [8016] ((شرح النووي على مسلم)) (7/48). ، وقال به بعضُ السَّلَف [8017] ((المغني)) لابن قدامة (2/389). ، واختاره ابنُ باز [8018] ((مجموع فتاوى ابن باز)) (13/164). ، وابنُ عُثَيمين [8019] ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (17/143).
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
عمومُ حديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: ((السِّقطُ يُصلَّى عليه، ويُدْعَى لوالِدَيه بالمغفرةِ والرحمةِ )) [8020] أخرجه أبو داود (3180)، وأحمد (18174)، والطيالسي (737)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (6866). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وحسَّن إسنادَه ابنُ باز في ((التعليق على فتح الباري)) (3/24)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (3180).
ثانيًا: لأنَّه نَسَمةٌ نُفِخَ فيها الرُّوحُ؛ فيُصلَّى عليه [8021] ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/101).
الفرع الثَّاني: أحكامُ الصَّلاةِ على أصحابِ الكبائرِ، وأهلِ البِدعِ، وغيرِ المُسلِمينَ
المسألة الأولى: الصَّلاةُ على أصحابِ الكَبائرِ
لا يجوزُ تَرْكُ الصَّلاةِ على جَنائِزِ أَهلِ الكبائِرِ مِنَ المسلِمينَ، وذلك في الجُملة.
الدَّليل من الإجماع:
نقَل الإجماعَ على ذلك: القاضي عِياض [8022] قال القاضي عياض: (مذهبُ كافَّةِ العلماء الصلاةُ على كلِّ مسلِم، ومرجومٍ، وقاتلِ نفْسِه، وولدِ الزِّنا وغيرِه). ((إكمال المعلم)) (3/454). وينظر: ((شرح النووي على مسلم)) (7/47). ، وابنُ عبدِ البَرِّ [8023] قال ابنُ عبد البرِّ: (وأجمَع المسلمونَ على أنَّه لا يجوز ترْكُ الصَّلاةِ على جنائِزِ المسلمين؛ من أهلِ الكبائِرِ كانوا أو صالحينَ، وراثةً عن نبيِّهم صلَّى الله عليه وسلَّم قولًا وعملًا، واتَّفق الفقهاءُ على ذلك، إلَّا في الشُّهَداءِ، وأهلِ البِدع، والبُغاة؛ فإنَّهم اختلفوا في الصَّلاة على هؤلاء). ((التمهيد)) (6/331-332).  وقال أيضًا: (وأجمَع المسلمون على أنَّه لا يجوزُ ترْكُ الصَّلاةِ على المسلمين المذنبِين؛ من أجْلِ ذنوبهم، وإنْ كانوا أصحابَ كبائرَ). ((الاستذكار)) (3/29). ، والقرطبيُّ [8024] قال القرطبيُّ: (وأجمع المُسلمون على أنَّه لا يجوز ترْكُ الصَّلاةِ على جنائِزِ المسلمينَ، مِن أهل الكبائر كانوا أو صالحين، وراثةً عن نبيِّهم صلَّى الله عليه وسلَّم قولًا وعملًا، والحمدُ لله). ((تفسير القرطبي)) (8/221). ، والشوكانيُّ [8025] قال الشوكانيُّ: (الصَّلاةُ على الأموات شريعةٌ ثابتةٌ ثبوتًا أوضحَ من شمس النهار؛ فلم تُترَك الصلاةُ لا في أيَّام النبوَّة، ولا في غيرها على فَرْدٍ مِن أفرادِ أمواتِ المسلمين، إلَّا مَن عليه دَينٌ لا قضاءَ له، وعلى الذي قتَل نفْسَه، مع أنَّه قال فيمَن عليه دَينٌ: ((صلُّوا على صاحبِكم)).... فعُرِفَ بهذا أنَّه ممَّن يُصلَّى عليه، وإنَّما تَرَكَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الصلاةَ عليه؛ لقصْد الزَّجرِ عن أن يحصُلَ التراخي في قضاء الدُّيونِ، وهكذا ترْكُه للصَّلاةِ على قاتل نفْسه، فإنَّه للزجْرِ عن أن يتسرَّعَ النَّاسُ في قتْل أنفُسِهم؛ فلا يُلحَقُ غيرُه من أهل المعاصي به؛ فإنَّه من جملة المسلمينَ، وممَّن يدخلون تحتَ ما شَرَعه اللهُ لعباده أحياءً وأمواتًا). ((السيل الجرار)) (ص: 215). ووقَع خلافٌ في بعض صُور هذه المسألة: قال القاضي عِياض: (ولم يختلفِ العلماءُ في الصَّلاةِ على أهلِ الفُسوق والمعاصي المقتولينَ في الحُدودِ، وإنْ كرِه بعضُهم ذلك لأهلِ الفَضلِ؛ ردعًا لأمثالِهم إذا رأى تجنُّبَ أهلِ الفَضلِ الصَّلاةَ على مِثلِه، إلَّا ما ذهب إليه أبو حنيفةَ وأبو يوسف في المحارِبين، إذا قُتِلوا أو صُلِبوا، وكذلك في الفِئة الباغية عندهم، وما ذهب إليه الحسنُ في الميِّتةِ مِنَ نِفاس الزِّنا لا يُصلَّى عليها، وما ذهب إليه الحسنُ والزهريُّ في المرجومِ، وفي قاتلِ نفْسِه ألَّا يُصلَّى عليه، وما قاله قَتادةُ في وَلَدِ الزنا: لا يُصلَّى عليه، والناسُ كلُّهم على خِلافِ مَن ذَكرنا في هذه المسائِلِ). ((إكمال المعلم)) (5/523)، وينظر: ((شرح النووي على مسلم)) (7/47- 48)
المسألة الثانية: الصَّلاةُ على المُبتدِعِ
تُصلَّى صلاةُ الجِنازة على صاحبِ البِدعةِ المُسلِمِ، وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعةِ: الحَنفيَّة [8026] الأحنافُ لم ينصُّوا على المُبتدِع، ولكنَّهم قالوا: يُصلَّى على كلِّ مسلمٍ إلَّا البغاةَ، وقطَّاعَ الطُّرُق، ومَن في حُكم البُغاة؛ قال الكاسانيُّ: (وأمَّا بيانُ مَن يُصلَّى عليه: فكلُّ مسلمٍ ماتَ بعد الولادةِ يُصلَّى عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، حرًّا كان أو عبدًا، إلَّا البُغاةَ، وقُطَّاعَ الطريق، ومن بِمِثل حالهم). ((بدائع الصنائع)) (1/311)، وقال الحصكفيُّ: («وهي فرضٌ على كلِّ مسلم مات خَلا أربعةٍ «بغاة، وقطَّاع طريق» فلا يُغَسَّلوا، ولا يُصلَّى عليهم «إذا قُتِلوا في الحَرْبِ»، ولو بعده صلَّى عليهم؛ لأنَّه حدٌّ أو قصاص، «وكذا» أهل عصبة و«مكابِر في مصرٍ ليلًا بسلاحٍ وخِناقٍ» خنق غير مرَّة، فحُكمُهم كالبُغاة). ((الدر المختار)) (ص: 119). ويُنظر: ((مختصر القدوري)) (ص: 49). ، والمالِكيَّة [8027] ((منح الجليل)) لعليش (1/512). ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/138)، ((المعونة على مَذهَب عالم المدينة)) للقاضي عبد الوهاب (1/349). إلَّا أنَّ المالكيَّة قالوا: يُكره للإمام، وأهل الفضل الصلاةُ عليهم؛ ليكون ذلك ردعًا لهم وزجرًا لغيرهم عن مِثل حالهم. ينظر المصادر السابقة. ، والشافعيَّة [8028] لم نقفْ على نَصِّ للشافعيَّة في المسألة، ولكنَّهم ذكروا أنَّ من يُصلَّى عليه يُعتَبَرُ فيه ثلاثةُ قُيودٍ فقط: أن يكون ميِّتًا، مُسلِمًا، غيرَ شهيد، فعلى ذلك فالمُبتدعُ المسلم يُصلَّى عليه. قال الرافعيُّ: (وشرائِطُها «الأوَّل» فيمَن يُصلَّى عليه، ويعتبَرُ فيه ثلاثة قيود: أن يكون ميِّتًا، مسلمًا، غيرَ شهيدٍ). ((فتح العزيز)) (5/144)، وينظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (2/116). ، والحَنابِلَة [8029] قال ابنُ قُدامةَ: (ويُصلَّى على كلِّ مُسلمٍ؛ لِمَا تقدَّمَ، إلَّا شهيدَ المُعتَرَك). ((الكافي)) (1/367). ((الإقناع)) للحجاوي (1/228)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/123). قال البهوتيُّ: («ولا يُغَسَّل» كلُّ صاحب بِدعة مكفِّرةٍ، «ولا يُصلَّى على كلِّ صاحِبِ بدعة مكفِّرة نصًّا، ولا يُورَث، ويكون مالُه فَيئًا»). ، وهو قولُ جُمهورِ الفقهاءِ [8030] ((التمهيد)) لابن عبد البر (24/132). ، وقالت به طائفةٌ مِنَ السَّلف [8031] ((المحلى)) لابن حزم (3/401). ، وحُكيَ إجماعُ أكثرِ أهلِ العِلمِ على ذلِك [8032] قال ابنُ رُشد: (وأجمَع أكثرُ أهلِ العِلم على إجازةِ الصَّلاةِ على كلِّ مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وفي ذلك أثرٌ أنَه قال عليه الصَّلاة والسَّلام: ((صلُّوا على من قال لا إلهَ إلا اللهُ))، وسواء كان مِن أهل الكبائر، أو من أهل البِدَع، إلَّا أنَّ مالكًا كَرِهَ لأهل الفَضلِ الصلاةَ على أهلِ البِدَعِ، ولم يرَ أن يُصلِّيَ الإمامُ على مَن قَتَلَه حدًّا). ((بداية المجتهد)) (1/239). وقال النوويُّ: (وفي هذا الحديثِ دليلٌ لِمَن يقول: لا يُصلَّى على قاتلِ نَفْسِه؛ لعصيانه، وهذا مذهَبُ عُمَرَ بنِ عبد العزيز، والأوزاعيِّ. وقال الحسن، والنَّخَعي، وقتادة، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء: يُصلَّى عليه، وأجابوا عن هذا الحديثِ بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يصلِّ عليه بنَفْسِه؛ زجرًا للناسِ عن مِثل فِعْلِه، وصلَّتْ عليه الصَّحابةُ، وهذا كما ترَكَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الصلاةَ في أوَّلِ الأمرِ على مَنْ عليه دَينٌ؛ زجرًا لهم عن التَّساهُل في الاستدانةِ، وعن إهمالِ وفائِه، وأَمَرَ أصحابَه بالصَّلاةِ عليه، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((صلُّوا على صاحبِكم)). قال القاضي: مذهَبُ العُلَماءِ كافَّةً الصَّلاةُ على كلِّ مُسلمٍ، ومحدودٍ ومَرجومٍ، وقاتلِ نَفسِه، وولد الزِّنا، وعن مالكٍ وغيرِه أنَّ الإمامَ يجتَنِبُ الصَّلاةَ على مقتولٍ في حدٍّ، وأنَّ أهْلَ الفضْلِ لا يصلُّون على الفُسَّاقِ زجرًا لهم). ((شرح النووي على مسلم)) (7/47).
الأدلَّة:
أولًا: مِنَ الكِتاب
قال تعالى: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا [التوبة: 84]
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللهَ تعالى نَهى عن الصَّلاةِ على المُنافقينِ؛ فدلَّ ذلك على أنَّ كلَّ مُسلمٍ لم يُعلَمْ أنَّه مُنافقٌ تجوزُ الصَّلاةُ عليه، وإنْ كانتْ فيه بِدْعةٌ أو فِسقٌ [8033] ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (5/159).
ثانيًا: من السُّنَّة
حديثُ سَلمةَ بنِ الأكوعِ في قِصَّةِ الرجُلِ صاحِبِ الدَّينِ: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((صلُّوا على صاحِبِكم )) [8034] أخرجه البخاري (2289).
وَجهُ الدَّلالةِ:
عمومُ أمْرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((صلُّوا على صاحِبِكم ))، والمسلمُ- وإنْ كانتْ فيه بِدعةٌ أو فِسقٌ- صاحِبٌ لنا [8035] ((المحلى)) لابن حزم (5/169).
ثالثًا: لأنَّهم من جُملة المسلمينَ، وممَّن يَدخلونَ تحتَ ما شَرَعه اللهُ لعبادِه أحياءً وأمواتًا [8036] ينظر ((السيل الجرار)) للشوكاني (ص: 215).
المسألة الثالثة: الصَّلاةُ على الكافِرِ
تحرُمُ الصَّلاةُ على الكافِرِ.
الأدلَّة:
أولًا: من الكِتاب
قال اللهُ تعالى: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة: 84]
وَجهُ الدَّلالةِ:
 أنَّه علَّلَ نهيَه عن الصَّلاةِ عليهم بالكُفرِ، فقال: إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فدلَّ على حُرمةِ الصلاةِ على الكافِر؛ إذ الأصلُ في النَّهيِ أنَّه للتَّحريمِ [8037] ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (1/165)، ((الثمر المستطاب)) للألباني (2/666).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقَل الإجماعَ على ذلك: النوويُّ [8038] قال النوويُّ: (وأجمَعوا على تحريم الصَّلاة على الكافِرِ). ((المجموع)) (5/258). ، والكاسانيُّ [8039] قال الكاسانيُّ: (كتابيَّةٌ تحت مسلم حبلت، ثم ماتت وفي بَطْنِها ولدٌ مُسْلِمٌ، لا يُصلَّى عليها بالإجماعِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ على الكافرةِ غيرُ مشروعةٍ). ((بدائع الصنائع)) (1/303).
ثالثًا: لأنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ لطلبِ المغفرةِ، والكافِرُ لا يُغفَرُ له [8040] ((المهذب)) للشيرازي (1/250). ؛ قال تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: 80] وقال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: 48]
المسألة الرابعة: صلاةُ الجِنازة في حالةِ اشتباهِ موتَى المُسلمِينَ بموتى الكافِرينَ
إذا اشتَبَه موتى المُسلِمينَ بموتى الكافِرينَ يجبُ غُسلُ الجميعِ، والصَّلاةُ عليهم، سواءٌ كان عددُ المسلمين أقلَّ أو أكثرَ، وهذا مذهبُ الجُمهورِ: المالِكيَّة [8041] ((التاج والإكليل)) للمواق (2/250). ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/142). ، والشافعيَّة [8042] ((المجموع)) للنووي (5/258)، ((مغني المحتاج)) للخطيب الشربيني (1/360). ، والحَنابِلَة [8043] ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/124،125). ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/399). ، وهو قولُ داودَ الظاهريِّ [8044] قال النوويُّ: (مَذهَبُنا: وجوبُ غُسلِ الجميع، والصلاةُ عليهم، سواءٌ كان عددُ المسلمينَ أقلَّ أو أكثرَ، وهو مذهبُ مالك، وأحمد، وداود، وابن المنذر). ((المجموع)) (5/259). ؛ وذلك لأنَّ هذه الأمورَ واجبةٌ في المسلمينَ، وهؤلاءِ فيهم مُسلمونَ، ولا يُتوصَّلُ إلى أداءِ الواجبِ إلَّا باستيعابِ الجميعِ [8045] ((المجموع)) للنووي (5/258).
الفرع الثَّالث: الصَّلاةُ على الشُّهَداءِ
المسألة الأولى: الصَّلاةُ على شهيدِ المعركةِ
لا يُصلَّى على الشَّهيدِ الذي قُتِلَ في المعركةِ [8046] وهو مَن مات بسببٍ مِن أسبابِ قِتالِ الكفَّار قبلَ انقضاء الحرْب. ينظر: ((المجموع)) للنووي (5/261). ، وهو مذهبُ الجُمهور: المالِكيَّة [8047] ((التاج والإكليل)) للمواق (2/247). ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/140). وعندهم أنَّ مَن رُفِعَ حيًّا من المُعتَرَك، ثم مات في أهلِه، أو في أيدي الرِّجال، فإنَّه يُغَسَّل، ويُصلَّى عليه، ولو كان حين الرَّفْعِ منفوذَ المَقَاتِل إلَّا الذي لم يأكُلْ ولم يَشْرَب إلى أنْ مات، فله حُكمُ الشَّهيدِ. ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/141). ، والشافعيَّة [8048] ((المجموع)) للنووي (5/260)، ((مغني المحتاج)) للخطيب الشربيني (1/349). وقال الشافعيَّة في ضابط الشهيدِ الذي لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه: (هو مَن مات بسببِ قتالِ الكفَّارِ حالَ قيامِ القتالِ، سواء قتَلَه كافرٌ، أو أصابه سلاحُ مسلمٍ خطأً، أو عاد إليه سلاحُ نفْسِه، أو سَقَطَ عن فَرَسِه، أو رَمَحَتْه دابَّة فمات، أو وَطِئَتْه دوابُّ المسلمينَ أو غيرِهم، أو أصابه سهمٌ لا يُعْرَف هل رمى به مسلمٌ أم كافر، أو وُجِدَ قتيلًا عند انكشافِ الحَرْبِ ولم يُعْلَم سببُ موتِه، سواء كان عليه أثرُ دمٍ أم لا، وسواء مات في الحالِ أم بقِي زمنًا ثم مات بذلك السَّبَب قبل انقضاءِ الحَربِ، وسواء أَكِلَ وشرب ووصَّى أم لم يفعَلْ شيئًا من ذلك، وهذا كلُّه متَّفَقٌ عليه عندنا). ((المجموع)) للنووي (5/261). ، والحَنابِلَة [8049] ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/100). ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/393). ومذهبهم: أنه لو حُمِل فأَكَلَ أو طال بقاؤه- يعني: لو جُرِحَ فأكَل- فإنَّه يُغَسَّل، ويُصلَّى عليه. وكذا لو جُرح فشَرِبَ، أو نام، أو بالَ، أو تكلَّمَ، أو عَطِسَ ولو لم يَطُلِ الفَصْلُ. ((الإنصاف)) للمرداوي (2/352). وقالت به طائفةٌ مِنَ السَّلَف [8050] ((المجموع)) للنووي (5/264).
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
1- عن جابرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَرَ في قَتْلى أُحُدٍ بدفنِهم بدِمائهم، ولم يُصلِّ عليهم، ولم يُغَسَّلوا )) [8051] أخرجه البخاري (1347).
2- عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، قال: ((كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يجمعُ بينَ الرَّجُلَينِ مِن قتلى أُحُدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثم يقولُ: أيُّهُم أكثرُ أخذًا للقُرآنِ؟ فإذا أُشيرَ لهُ إلى أَحدهِما قدَّمهُ في اللَّحدِ، وقال: أنا شهيدٌ على هؤلاءِ يومَ القيامةِ، وأَمَرَ بِدَفْنِهِم في دِمائِهِم، ولم يُغَسَّلوا، ولم يُصلَّ عليهِم )) [8052] أخرجه البخاري (1343).
ثانيًا: أنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ شفاعةٌ له، ولا يُشفَعُ إلَّا للمُذنبينَ؛ والشُّهداءُ قد غُفرِتْ ذُنوبُهم، وصاروا إلى كرامةِ الله ورحمتِه وجَنَّته أجمعين؛ فارتفعتْ حالُهم عن أنْ يُصلَّى عليهم كما يُصلَّى على سائرِ موتَى المسلمينَ [8053] ((البيان والتحصيل)) لابن رشد الجد (2/299).
ثالثًا: لأنَّ الغُسلَ لا يجوزُ للشَّهيدِ، وهو شرطٌ في الصَّلاةِ على غيرِ الشهداءِ؛ فوجَب أنْ لا تجوزَ الصَّلاةُ على الشَّهيدِ بلا غُسْلٍ [8054] ((المجموع)) للنووي (5/266).
المسألة الثانية: شهيدُ الآخِرةِ دُون الدُّنيا
1- الشَّهيدُ بغيرِ قَتْلٍ
يُصلَّى على الشَّهيدِ بغيرِ قَتْلٍ؛ كالمبطونِ والمطعونِ، والغريقِ والحريقِ، وصاحبِ الهَدْم، ونحوِ ذلك [8055] كالمرأةِ تموت في نفاسها بسبب ولدِها، وذات الجَنْب- وهي قُرحة تُصيب الإنسانَ داخل جَنْبه- إلى غيرِ ذلك. ينظر: ((المغني)) (2/399)، ((فتح الباري)) لابن حجر (6/43)، ((أحكام الجنائز)) للألباني (ص: 51).
الدَّليل من الإجماع:
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ قُدامةَ [8056] قال ابنُ قُدامةَ: (فأمَّا الشَّهيد بغير قتْل؛ كالمبطون، والمطعون، والغَرِق، وصاحب الهدم، والنُّفَساء، فإنَّهم يُغسَّلون، ويُصلَّى عليهم؛ لا نعلم فيه خلافًا، إلَّا ما يُحكَى عن الحسَن: لا يُصلَّى على النُّفَساء؛ لأنَّها شهيدة). ((المغني)) (2/399). ، والنوويُّ [8057] قال النوويُّ: (الشُّهداءُ الذين لم يموتوا بسبب حرْب الكفَّار؛ كالمبطون، والمطعون، والغريق، وصاحب الهَدْم، والغريب، والميِّتة في الطَّلق، ومَن قتَلَه مسلمٌ أو ذِمِّيٌّ، أو مات في غير حال القِتال، وشِبهِهم- فهؤلاء يُغسَّلون ويُصلَّى عليهم بلا خلافٍ). ((المجموع)) (5/264). ، والشوكانيُّ [8058] قال الشوكانيُّ: (وأمَّا سائِرُ مَن يُطلَقُ عليه اسمُ الشَّهيد؛ كالطَّعين، والمبطون، والنُّفَساء، ونحوِهم-فيُغسَّلون إجماعًا، كما في البحر). ((نيل الأوطار)) (4/37).
2- المقتولُ ظُلمًا
يُصلَّى على المقتولِ ظُلمًا، وهو مذهبُ الجُمهورِ: الحَنفيَّة [8059] ((حاشية ابن عابدين)) (2/210). ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/311). ، والمالِكيَّة [8060] ((مواهب الجليل)) للحطاب (3/67). ويُنظر: ((الذخيرة)) للقرافي (2/476)، ((القوانين الفقهية)) لابن جزي (1/64). ، والشافعيَّة [8061] ((المجموع)) للنووي (5/267). ويُنظر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/315). ، وروايةٌ عن أحمدَ [8062] ((الفروع)) لابن مفلح (3/299)، ((الإنصاف)) للمرداوي (2/353).
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
عن أنسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، ((أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم صعِدَ أُحُدًا، وأبو بكرٍ وعُمَرُ وعُثمانُ، فَرَجَفَ بهم، فقال: اثبُتْ أُحُدُ؛ فإنَّما عليكَ نبيٌّ، وصِدِّيقٌ، وشَهيدانِ )) [8063] أخرجه البخاري (3675).
ثانيًا: مِن الآثار
أنَّ عُمرَ وعثمانَ وعليًّا رَضِيَ اللَّهُ عنهم غُسِّلوا، وصُلِّيَ عليهم بالاتِّفاقِ، مع كونِهم شهداءَ بالاتِّفاقِ [8064] ((المجموع)) للنووي (5/264).

انظر أيضا: