الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ السابع: نِيَّةُ القَصرِ


اختَلفَ أهلُ العِلمِ في اشتراطِ نيَّة القَصرِ لجوازِ قَصْرِ الصَّلاةِ، على قولين:
القول الأوّل: أنَّ نيَّة القصرِ عند تكبيرةِ الإحرام شَرْطٌ لجوازِه، وهذا مذهبُ الشافعيَّة ((مغني المحتاج)) (1/270) للشربيني، ((تحفة المحتاج)) للهيتمي، مع ((حواشي الشرواني والعبادي)) (2/390). ، والحَنابِلَة ((الإقناع)) للحجاوي (1/181)، ويُنظر: ((العدة شرح العمدة)) لبهاء الدِّين المقدسي (ص: 111). ، وأحد القولين للمالكيَّة ((الشرح الكبير)) للدردير (1/367)، ((منح الجليل)) لابن عليش (1/415). وهذا الاشتراط في نيَّة القصر على هذا القولِ يكون في أوَّل صلاة يَقصُرها؛ قال الدسوقي: (ينبغي أن يكونَ محل التردُّد في أوَّل صلاة صلَّاها في السفر، فإن كان قد سبَق له نيَّة القصر؛ فإنَّه يتَّفق على الصحَّة فيما بعدُ إذا قصَر؛ لأنَّ نيَّة القصر قد انسحبتْ عليه؛ فهي موجودةٌ حُكمًا، وكذا يُقال فيما إذا نوى الإتمامَ في أوَّل صلاةٍ، ثم ترَك نيَّة القصر والإتمام فيما بعدَها وأتمَّ) ((حاشية الدسوقي)) (1/367). ، وبه قال أكثرُ الفقهاء قال النووي: (مذهبنا أنَّه لا يجوزُ القصر حتى ينويَه عند الإحرام؛ قال العبدري: وبه قال أكثرُ الفُقهاء) ((المجموع)) (4/353). ؛ وذلك لأنَّ الأصلَ الإتمامُ، فإذا لم يَنوِ القصرَ انعقَدَ إحرامُه على الإتمامِ؛ فلم يجُزْ القصرُ كالمُقيمِ ((المجموع)) للنووي (4/351).
القول الثاني: أنَّ القصرَ لا يَفتقِرُ إلى نيَّة، وهذا مذهبُ الحَنَفيَّة وذلك لأنَّ الفَرْض عندهم في السَّفر هو قصرُ الصَّلاة ركعتينِ، وليس هو قصرًا، وإنَّما هو تمامٌ على الحقيقة. يُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/91)، ((الفتاوى الهندية)) (1/139)، وينظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (24/16). ، وأحدُ القولينِ للمالكيَّة ((الشرح الكبير)) للدردير، مع ((حاشية الدسوقي)) (1/367)، ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/66). ، وروايةٌ عن أحمدَ ((الإنصاف)) للمرداوي (2/228). ، واختاره ابنُ تَيميَّة قال ابنُ تَيميَّة: (اختَلفوا في الجمع والقصر هل يُشترَط له نيَّة؟ فالجمهور لا يشترطون النيةَ، كمالكٍ وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو مقتضى نصوصه. والثاني: تُشترَط، كقول الشافعيِّ وكثيرٍ من أصحاب أحمد كالخِرقي وغيرِه، والأول أظهرُ، ومَن عمِل بأحد القولين لم يُنكَر عليه) ((مجموع الفتاوى)) (24/16). وقال المَرداويُّ: ((الصحيح من المذهب: أنَّه يُشترَط في جواز القصر أن ينويَه عند الإحرام، وعليه جماهير الأصحاب، وقال أبو بكر: لا يحتاجُ القصرُ والجمعُ إلى نيَّة، واختاره الشيخ تقيُّ الدِّين، واختاره جماعةٌ من الأصحاب في القصر) ((الإنصاف)) (2/228). ، وابن عُثيمين قال ابنُ عثيمين: (الصحيح: أنَّه لا يلزمه الإتمام، بل يَقصُر؛ لأنَّه الأصل، وكما أنَّ المقيم لا يلزمه نيَّةُ الإتمام، كذا المسافر لا يلزمه نيَّة القصر) ((الشرح الممتع)) (4/371).
وذلك للآتي:
أولًا: أنَّ قَصرَ الصلاةِ في السَّفرِ هو الأصلُ؛ فلم يَفتقرْ إلى نيَّة ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (4/371).
ثانيًا: وأنَّه كما أنَّ المقيمَ لا يَلزمُه نِيَّةُ الإتمام، كذا المسافرُ لا يَلزمه نيَّةُ القصرِ ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (4/371).
ثالثًا: ولأنَّه لم يَنقُلْ قطُّ أحدٌ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه أمَرَ أصحابَه لا بِنيَّةِ قصْرٍ، ولا نِيَّة جمْع، ولا كان خلفاؤه وأصحابُه ولا التابعون يأمرون بذلك مَن يُصلِّي خَلفَهم مع أنَّ المأمومين- أو أكثرهم- لا يَعرِفون ما يَفعلُه الإمامُ قال ابنُ تَيميَّة: (وإذا كان فَرضُه ركعتينِ، فإذا أتى بهما أجزأه ذلك، سواء نوَى القصرَ أو لم ينوِه، وهذا قولُ الجماهير كمالكٍ وأبي حنيفة، وعامَّة السَّلف. وما علمتُ أحدًا من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ اشترَطَ نيَّةً لا في قصر ولا في جمع، ولو نوى المسافرُ الإتمام كانتِ السُّنَّة في حقِّه الركعتين، ولو صلَّى أربعًا كان ذلك مكروهًا كما لم ينوِه. ولم يَنقُلْ قطُّ أحدٌ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه أمَر أصحابه لا بنيَّة قَصر، ولا نيَّة جمْع، ولا كان خلفاؤه وأصحابُه يأمرون بذلك مَن يُصلِّي خلفهم مع أنَّ المأمومين أو أكثرهم لا يَعرِفون ما يفعله الإمام) ((مجموع الفتاوى)) (24/104).

انظر أيضا: