trial

الموسوعة الفقهية

المَطلَب الثَّاني: تَكرارُ الجماعةِ في المسجدِ الواحدِ لعارضٍ


الفرع الأوَّلُ: إذا لم يَكُنْ للمسجدِ إمامٌ راتبٌ
إذا لم يكُنْ للمسجدِ إمامٌ راتب كمسجدِ السُّوق، والمساجد التي على الممرَّات والطرق. ، فلا كراهةَ في الجَماعةِ الثَّانيةِ والثالثةِ وأكثرَ، وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعة: الحَنَفيَّة ((المبسوط)) للسرخسي (1/247)، ((البحر الرائق)) لابن نجيم (1/367). ، والمالِكيَّة ((الشرح الكبير للدردير، مع حاشية الدسوقي)) (1/332)، وينظر: ((المدونة الكبرى)) لسحنون (1/118). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (4/222)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/245). ، والحَنابِلَة ((الإنصاف)) للمرداويِّ (2/155)، وينظر: ((المغني)) لابن قُدامة (2/133). والحنابلة لا تُكره إعادةُ الجماعة عندهم في غيرِ المساجدِ الثلاثة. ، وحُكِي الإجماعُ على ذلك قال النوويُّ: (في مذاهب العلماء في إقامة الجماعةِ في مسجدٍ أُقيمت فيه جماعة قبلها: أمَّا إذا لم يكن له إمامٌ راتب فلا كراهة في الجماعة الثانية والثالثة وأكثر، بالإجماع) ((المجموع)) (4/222). وقال ابنُ رجب: (ومتَى لَمْ يكن للمسجد إمامٌ راتب لَمْ يُكره إعادة الجماعة فيه عند أحدٍ من العلماء، ما خلا الليثَ بن سعد؛ فإنَّه كره الإعادةَ فيه أيضًا) ((فتح الباري)) (4/25). .
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رجلًا جاءَ وقد صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ((مَن يَتصدَّقُ على هذا؟ فقام رجلٌ فصلَّى معه )) رواه أبو داود (574)، أحمد (3/45) (11426)، والدارمي (1/367) (1369). رواه أبو داود (574)، والترمذي(220) بنحوه، وأحمد (3/45) (11426) واللفظ له، والدارمي (1/367) (1369). صحَّحه النووي في ((المجموع)) (4/221)، وابن حجر في ((فتح الباري)) (2/166)، وجوَّد إسنادَه وقوَّاه ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (1/166)، وابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (12/170)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (574)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (406). .
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ هذا الحديثَ وردَ في مسجدٍ له إمامٌ راتب، فما ليس له إمامٌ راتبٌ مِن باب أَوْلى.
ثانيًا: دفعًا للحاجةِ لكثرةِ استطراقِ الناسِ إلى مساجدِ الأسواق [4325] ((فتح الباري)) لابن رجب (4/25). .
ثالثًا: لأنَّ تعدُّدَ الجماعات به يحصُل المقصودُ، ولا يُؤدِّي إلى مفسدةٍ تُفرِّق الجماعاتِ، أو اختلاف الكلمةِ، أو إيغار صَدْر الإمامِ، وغير ذلك [4326] ((المجموع)) للنووي (4/221). .
رابعًا: لعمومِ الأحاديثِ الواردةِ في فضلِ الجماعةِ [4327] ((مجموع فتاوى ابن باز)) (12/172). .
خامسًا: لأنَّ المساجدَ التي في الأسواق، أو في الطُّرُقِ وممرِّ العامَّة، الناس فيه سواءٌ، لا اختصاصَ له بفريقٍ دون فريقٍ [4328] ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (27/177). .
الفرع الثاني: إذا كان للمسجدِ إمامٌ راتِبٌ
يُشرَعُ لِمَن فاتتْه الجماعةُ الأولى مع الإمامِ الراتبِ أن يُصلِّيَ مع جماعةٍ أُخرى، وهذا مذهبُ الحَنابِلَةِ [4329] ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/458)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/133). ، وهو قولُ طائفةٍ من السَّلف [4330] قال ابنُ المنذر: (ثبَت عن أنسٍ أنَّه صلَّى جماعةً بعد صلاة الإمام، ورُوي ذلك عن ابن مسعود، وبه قال عطاء، والنَّخعي، والحسن البصرى، وقتادة، وأحمد، وإسحاق). ((الإشراف)) (2/147). وقال ابنُ قُدامة: (ولا يُكره إعادة الجماعة في المسجد، ومعناه: أنه إذا صلَّى إمام الحي، وحضر جماعة أخرى، استحبَّ لهم أن يصلُّوا جماعة، وهو قول ابن مسعود، وعطاء، والحسن، والنخعي، وقتادة، وإسحاق) ((المغني)) (2/133). ، وداودَ الظاهريِّ قال النوويُّ: (وقال أحمدُ، وإسحاق، وداود، وابن المنذر: لا يُكره) ((المجموع)) (4/222). ، واختاره ابنُ المنذرِ ((الإشراف)) لابن المنذر (2/147). ، وابنُ باز [4333] قال ابنُ باز: (الجماعة الثانية مشروعةٌ، وقد تجِب؛ لعموم الأدلَّة، إذا فاتتْه الجماعة الأولى) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (12/165). ، وابنُ عُثَيمين [4334] قال ابنُ عُثيمين: (القسم الثالث: أن تكون إقامةُ الجماعتين عارضةً بحيث يأتي جماعةٌ بعد انتهاء الجماعة الأولى؛ فإقامةِ الجماعة الثانية هنا أفضلُ من الصلاة فرادى) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (15/84). .
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
1- عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: دخلَ رجلٌ المسجدَ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد صلَّى، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ألَا مَن يَتصدَّقُ على هذا فيُصلِّي معه... )) رواه أبو داود (574)، أحمد (3/45) (11426)، والدارمي (1/367) (1369). رواه أبو داود (574)، والترمذي(220) بنحوه، وأحمد (3/45) (11426) واللفظ له، والدارمي (1/367) (1369). صحَّحه النووي في ((المجموع)) (4/221)، وابن حجر في ((فتح الباري)) (2/166)، وجوَّد إسنادَه وقوَّاه ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (1/166)، وابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (12/170)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (574)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (406). .
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
هذا نصٌّ صريحٌ في إعادةِ الجماعةِ بعدَ الجماعةِ الرَّاتبةِ، حيث ندَبَ النبيُّ عليه الصَّلاة والسلام مَن يُصلِّي مع هذا الرجُلِ ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (4/162). .
2- عن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((صلاةُ الجماعةِ تَفضُلُ على صلاةِ الفذِّ بسبعٍ وعِشرينَ دَرجةً )) [4337] رواه البخاري (645)، ومسلم (650). .
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
عمومُ فضلِ الجماعةِ واستحبابها الواردِ في الحديثِ، سواء الأُولى أو الثانية ((لقاء الباب المفتوح)) لابن عثيمين (رقم اللقاء: 44). .
3- عن أُبيِّ بن كعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((صلاةُ الرجُلِ مع الرجلِ أزكى من صلاتِه وحْدَه، وصلاتُه مع الرجلينِ أزكى مِن صلاتِه مع الرجلِ، وما كثُرَ فهو أحبُّ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ )) رواه أبو داود (554)، والنسائي (2/104)، وأحمد (5/140) (21302). صحَّحه عليُّ بن الـمَديني كما في ((خلاصة البدر المنير)) (1/185)، وقال العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (2/116): من حديث شُعبة صحيح. وقال النووي في ((المجموع)) (4/197): إسنادُه صحيحٌ إلَّا عبد الله بن أبي بصير الراوي عن أبي فسكتوا عنه. وقال الذهبي في ((المهذب)) (2/1033): إسناده صالح، وله طُرق عن أبي إسحاق تختلف. وقال ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (1/166): في إسناده اختلاف، والأرجحُ أنه صحيح. وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (2/160): له شاهدٌ قويٌّ. وصحَّحه ابن باز في ((فتاوى نور على الدرب)) (11/428)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (554). .
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
هذا نصٌّ صريحٌ بأنَّ صلاةَ الرجُلِ مع الرجُلِ أفضلُ من صلاتِه وحْدَه، ولو قلنا: لا تُقامُ الجماعةُ لزِمَ أن نَجعلَ المفضولَ فاضلًا، وهذا خلافُ النصِّ [4340] ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (4/162). .
ثانيًا: من الآثارِ
عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (أنَّه جاءَ ذاتَ يومٍ والناسُ قد صلَّوْا، فجمَعَ أصحابَه فصلَّى بهم جماعةً) رواه البخاري معلَّقًا بصيغة الجزم قبل حديث (645) بلفظ: (وجاء أنسٌ إلى مسجد قد صُلِّي فيه، فأذَّن وأقام وصلَّى جماعةً)، ورواه موصولًا البيهقي (1/407) (1994) ولفظه: (جاءنا أنسُ بن مالك وقد صَلَّيْنا الفجر فأذَّن وأقام، ثم صلَّى الفجر بأصحابه). صحح إسناده ابن رجب في ((فتح الباري)) (3/550)، وقال الألبانيُّ في ((تمام المنة)) (155): علَّقه البخاري، ووصله البيهقي بسند صحيح عنه. .

انظر أيضا: