الموسوعة الفقهية

المَطلَب الرابع: آدابُ المَشي إلى المسجِدِ


الفَرْعُ الأوَّل: المشيُ بسكينةٍ ووَقارٍ حالَ كَوْنِه مُتَوَضِّئًا
يُستحبُّ أن يأتيَ المصلِّي إلى المسجدِ متوضئًا، وعليه السَّكينةُ السَّكينة: التأنِّي في الحركات واجتناب العبَث، ونحو ذلك. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (5/100). والوقارُ الوقار: في الهيئة، وغَضُّ البصر، وخَفْضُ الصوت، والإقبالُ على طريقِه بغيرِ التفاتٍ، ونحو ذلك. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (5/100). قال النوويُّ: (مذهبنا: أنَّ السُّنة لقاصد الجماعة أن يمشي بسكينة، سواء خاف فوتَ تكبيرة الإحرام أم لا، وحكاه ابنُ المنذر عن زيد بن ثابت وأنس، وأحمد، وأبي ثور، واختاره ابنُ المنذر، وحكاه العبدريُّ عن أكثر العلماء، وعن ابن مسعود وابن عُمر، والأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد، وهما تابعيان، وإسحاق بن راهويه: أنَّهم قالوا: إذا خاف فوتَ تكبيرة الإحرام أسرع). ((المجموع)) (4/207).
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
1- عن أبي هُرَيرَةَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أنَّه قال: ((إذا أُقيمتِ الصَّلاةُ فلا تأتوها وأنتم تَسعَونَ، ولكن ائتوها وأنتم تَمشُونَ وعليكم السَّكينةُ، فما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا )) [4131]رواه البخاري (908)، ومسلم (602).
2- عن أَبي قَتادةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((بينما نحنُ نُصلِّي مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ سمِعَ جَلبةَ [4132] الجَلَبَة: اختلاطُ الأصوات. يُنظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (5/563)، ((النهاية)) لابن الأثير (1/281). رجالٍ، فلمَّا صلَّى قال: ما شأنُكم؟ قالوا: استعجلْنا إلى الصَّلاةِ، قال: فلا تَفْعَلوا؛ إذا أتيتُم الصَّلاةَ فعليكم بالسَّكينةِ، فما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتَكم فأتمُّوا )) رواه البخاري (635)، ومسلم (603).
3- عن أبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((صلاةُ الرجُلِ في جماعةٍ تَزيدُ على صلاتِه في بيتِه وصلاتِه في سُوقِه بِضعًا وعِشرين درجةً؛ وذلك أنَّ أحدَكم إذا توضَّأ فأحْسَنَ الوضوءَ، ثمَّ أتى المسجدَ لا يَنهَزُه إلَّا الصَّلاةُ، لا يُريد إلَّا الصَّلاةَ، فلم يَخطُ خُطوةً إلَّا رفَعَ اللهُ له بها درجةً، وحطَّ عنه بها خطيئةً، حتى يدخُلَ المسجدَ، فإذا دخَلَ المسجدَ كان في صلاةٍ ما كانتِ الصَّلاةُ هي تحبسُه، والملائكةُ يُصلُّونَ على أحدِكم ما دامَ في مجلسِه الذي صَلَّى فيه، يقولون: اللَّهمَّ ارحمْه، اللَّهمَّ اغفرْ له، اللَّهمَّ تُبْ عليه، ما لم يُؤذِ فيه، ما لم يُحدِثْ فيه)) رواه البخاري (477)، ومسلم (649).
4- عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من تطهَّرَ في بيتِه ثم مشَى إلى بيتٍ مِن بيوتِ اللهِ؛ ليقضي فريضةً مِن فرائضِ اللهِ، كانت خطوَتاهُ إحداهما تحطُّ خطيئةً، والأُخرى ترفعُ درجةً )) رواه مسلم (666).
ثانيًا: أنَّ الذاهبَ إلى صلاةٍ عامدٌ في تحصيلِها، ومتوصِّلٌ إليها، فينبغي أن يكونَ متأدِّبًا بآدابها، وعلى أكملِ الأحوالِ ((شرح النووي على مسلم)) (5/99).
الفَرْعُ الثَّاني: عَدَمُ تَشْبيكِ أصابِعِه
يكره للمصلي التشبيك بين أصابعه ذكر ابن حجر الجمع بين الأحاديث التي فيها جوازُ التشبيك والنهي عنه، فقال: (وجمع الإسماعيلي بأن النهي مقيَّدٌ بما إذا كان في الصلاة أو قاصدًا لها؛ إذ منتظِر الصلاة في حكم المصلي، وأحاديث الباب الدالة على الجواز خاليةٌ عن ذلك؛ أما الأولان فظاهران، وأما حديث أبي هريرة فلأنَّ تشبيكَه إنما وقعَ بعد انقضاء الصلاة في ظنه، فهو في حكم المنصرف من الصلاة،والرواية التي فيها النهي عن ذلك ما دام في المسجد، ضعيفةٌ) ((فتح الباري)) (1/566). وهو في طريقه إلى المسجد، وهذا مذهب الشافعية ((المجموع)) للنووي (4/544)، ((روضة الطالبين)) للنووي (2/47). ، والحنابلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/325)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/328). ، وهو اختيار ابن تيمية قال ابن تيمية: (وأما التشبيك بين الأصابع فيُكرَه من حين يخرج، وهو في المسجد أشد كراهة، وفي الصلاة أشد) ((شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة)) (1/601). وابن باز قال ابن باز: (يكره للمسلم أن يشبك بين أصابعه إذا خرج إلى الصلاة وهكذا حال انتظاره للصلاة وهكذا في الصلاة؛ لأنه جاء عن النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ما يدل على كراهة ذلك، فإذا خرج في الصلاة، فإنه في صلاة فلا يشبك بين أصابعه) ((الموقع الرسمي للشيخ ابن باز- فتاوى نور على الدرب)) ، وابن عثيمين قال ابن عثيمين: (يكره التشبيك بين الأصابع؛ وهو إدخال بعضها في بعض في حال صلاته؛ لحديث ورد فيمن قصد المسجد أن لا يشبكن بين أصابعه، فإذا كان قاصد المسجد للصلاة منهيا عن التشبيك بين الأصابع، فمن كان في نفس الصلاة، فهو أولى بالنهي) ((الشرح الممتع)) (3/234).
الدَّليلُ مِنَ السُّنَّةِ:
عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن تَوضَّأ ثم خرَجَ يُريدُ الصَّلاةَ، فهو في صلاةٍ حتَّى يَرجِعَ إلى بيتِه، فلا تقولوا هَكَذا- يعني: يُشبِّكُ بيْنَ أصابعِه )) رواه الدارميُّ (1446)، وابنُ خُزيمة (439)، وابن حِبَّان (2149)، والطبرانيُّ في ((المعجم الأوسط)) (838)، والحاكم (744). قال الحاكمُ: صحيحٌ على شرْط الشيخينِ ولم يُخرجاه. وصحَّحه الألبانيُّ في ((الإرواء)) (2/101).
الفَرْعُ الثَّالِثُ: دخولُ المسجِدِ باليمينِ، وقَوْلُ الذِّكْرِ المأثورِ
إذا دخَل المسجدَ يقدِّم رِجلَه اليُمنى، ويقولُ عندَ دخولِه بعدَ أن يُسلِّم على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أعوذُ بالله العظيمِ، وبوجهِه الكريمِ، وسلطانِه القديمِ، مِن الشَّيطانِ الرَّجيمِ، اللهمَّ افتحْ لي أبوابَ رحمتِك.
الأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّة:
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه كان إذا دخَلَ المسجِدَ قال: أعوذُ باللهِ العظيمِ، وبوجهِه الكريمِ، وسلطانِه القديمِ، مِن الشَّيطانِ الرَّجيمِ. قال: أَقَطْ؟ قلتُ: نعم، قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حُفِظ مني سائرَ اليومِ أخرجه أبو داود (466)، ومن طريقه البيهقي في ((الدعوات الكبير)) (68) حسن الحديث النووي في ((الأذكار)) (46)، والسيوطي في ((الجامع الصغير)) (6669)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (814)، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (466). وصحح إسناده مغلطاي في ((شرح ابن ماجه)) (3/217)، وحسن إسناده ابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (26/37)
2- عن أبي حُمَيدٍ، أو عن أبي أُسَيْدٍ، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا دخلَ أحَدُكم المسجِدَ، فلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افتَحْ لي أبوابَ رَحْمَتِك، وإذا خَرَجَ فلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ مِنْ فَضْلِك )) رواه مسلم (713).
وفي رواية: ((إذا دخل أحدُكم المسجدَ، فليسلِّمْ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثمَّ لْيَقُلْ: اللهمَّ افتحْ لي أبوابَ رحمتِك، وإذا خَرَجَ فلْيَقُلْ: اللهمَّ إنِّي أسألُك مِن فضلِك )) رواه أبو داود (465)، وابن ماجه (772)، والدارمي (1394). صحح إسناده النووي في ((الخلاصة)) (1/314) وقال: ورواه مسلم وليس في روايته السلام على النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (772).

انظر أيضا: