مقالات وبحوث مميزة

نشر المنكر بدعوى إنكاره

خلل منهجي في ميزان المآلات

خالد بن سليمان بن ناصر السلومي

8 شعبان 1447هـ

 

الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم إنا نسألك كما أمرتنا أن تُصلي وتسلم وتبارك عليه وعلى آله، كما صليت وسلمت وباركت على إبراهيم وآله في العالمين إنك حميد مجيد. وبعد.

شهد الخطاب الدعوي المعاصر توسّعًا ملحوظًا في توظيف الوسائط الإعلامية الحديثة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى غدا النشر العام أحد أبرز أدوات "الإنكار" المتداولة، وتحوّل عرض المنكرات وتداولها بصورٍ وأوصافٍ متعددة إلى ممارسةٍ شائعة تُسوَّغ غالبًا بدعوى التوعية، أو كشف الانحراف، أو التأثير على الجمهور.

ومع شيوع هذا المسلك، قلّما يُطرح السؤال المنهجي الحاكم: هل كل ما يُقصد به الإنكار يُشرَع نشره؟ وهل صحة المقصد كافية لتجاوز ضوابط البيان ومآلات الخطاب؟

إن هذا الإشكال لا يتعلّق بوجود المنكر من عدمه، ولا بمشروعية إنكاره في الجملة، فذلك أمرٌ مقطوعٌ به شرعًا، وإنما يتعلّق بكيفية الإنكار، ووظيفة الخطاب، وحدود النشر، وما يترتب على ذلك من آثارٍ ظاهرةٍ وخفيةٍ في الوعي العام، وفي تلقّي الناس للمنكرات وتمثّلهم لها.

وهنا يظهر الخلط بين مقام التحذير المشروع، القائم على البيان المنضبط وصيانة المتلقّي، وبين مقام النشر الذي قد يفضي إلى إشاعة المنكر، أو تطبيعه، أو توسيع دائرته.

وتزداد حدّة هذا الخلط حين تُستدعى مفاهيم التأثير، وسرعة الانتشار، وكثرة التفاعل، بوصفها مبرّراتٍ لتجاوز الضوابط الشرعية، ويُقدَّم ضعف استجابة الجمهور للفتوى أو النصيحة مسوّغًا لاعتماد أساليب لا تنضبط بأصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بميزان المآلات الذي قررته الشريعة، وسار عليه السلف الصالح في تنزيل الأحكام.

ومن هنا تأتي أهمية تحرير هذه المسألة تحريرًا منهجيًا، يفرّق بين أصل الإنكار المشروع، ووسائله، وآثاره، ويعيد ضبط النقاش ضمن الإطار الأصولي الذي يجعل العبرة بوظيفة الخطاب ومآله، لا بمجرد صدق المحتوى ولا بحسن القصد.

ويسعى هذا المقال إلى بيان أن نشر المنكر بدعوى إنكاره لا يمثّل مجرد خطأٍ في الأسلوب، بل خللًا منهجيًا في ميزان المآلات، يفضي إلى قلب مقاصد الإنكار من الإصلاح إلى الإفساد، ومن الحماية إلى الإشاعة.

ويُعدّ التفريقُ المنهجيُّ بين التحذير المشروع والنشر المحرَّم هو الضابطَ الأهم في هذا الباب، بل هو الميزان الذي يُفهم به معنى الإنكار الشرعي وحدوده؛ فالتحذير خطابٌ مقصودُه البيانُ والكشفُ والصيانة، يُقدَّر بقدره، ويُراعى فيه حال المخاطَب ومآل الانتشار، بينما النشرُ المحرَّم هو كل ما يفضي من حيث الأثر والنتيجة إلى إشاعة المنكر أو تطبيعه أو إعادة إنتاجه، ولو تزيّن بشعار الإنكار أو التوعية. وإغفال هذا التفريق أوقع بعضَ صور الخطاب الدعوي المعاصر في خلطٍ بين الجرأة والمشروعية، وبين البيان والإشاعة، فجعل من وسائل الإنكار أسبابًا لزيادة المنكر بدل تقليله.

ويتجلّى هذا المسلك في عددٍ من الصور المتداولة في الخطاب العام، حيث يُقدَّم إنكار المنكر عبر إعادة عرض مادّته نفسها، اعتمادًا على النشر بوصفه وسيلةً للتنبيه أو التحذير.

فمن ذلك إعادةُ تداول مقاطع مرئيّة تُظهِر مظاهر شركيّة أو بدعيّة، كالتعلّق بالأضرحة أو الاستغاثة بالأموات أو تعظيم بعض الشعائر المحدثة، مع إرفاقها بتعليقٍ إنكاريٍّ موجز، بينما تبقى الصورةُ أو المشهدُ هي العنصرَ الأبرز حضورًا في تلقّي الجمهور.

ومنه كذلك نشرُ موادّ مرئيّة أو نصيّة تتضمّن فواحش صريحة، أو ألفاظًا بذيئة، أو مشاهد محرّمة، بدعوى التحذير منها، دون بيانٍ مفصّلٍ يضبط مقام العرض أو يراعي أثر المشاهدة ذاتها.

كما يدخل في ذلك إعادةُ تداول مقالاتٍ أو لقطاتٍ تتناول شبهاتٍ عقديّة، أو تعرض انحرافاتٍ فكريّة وأخلاقيّة، مع الاكتفاء بإطارٍ لغويٍّ عامٍّ من قبيل: "للتنبيه" أو "للتحذير"، دون تفكيكٍ علميٍّ للشبهة، ولا معالجةٍ منهجيّةٍ توضّح موضع الخلل أو تحدّ من أثره في ذهن المتلقّي.

وفي جميع هذه الصور، يكون المعروضُ بذاته هو المحورَ الرئيس للتلقّي، بينما يظلّ الوصفُ المصاحب له محدود التأثير، بما يجعل صورة المنكر أو مضمونه حاضرًا في الوعي العام حضورًا مباشرًا ومتكررًا.

أولًا: تحرير محلّ النزاع بين الإنكار المشروع وإشاعة المنكر

من أبرز مواطن الخلل في بعض الخطاب الدعوي المعاصر عدمُ تحرير الفرق بين الإنكار المشروع بوصفه عبادةً شرعيةً منضبطة، وبين إشاعة المنكر بوصفها مفسدةً مستقلة، قد تقع ولو رُفعت تحت شعار الإصلاح أو التوعية.

فالإنكار في الشريعة ليس مجرّد إظهار الرفض، ولا الإعلان عن المخالفة، وإنما هو خطابٌ شرعيٌّ له وظيفةٌ محددة، ومقاصدُ معلومة، وضوابطُ تضبط وسيلته وأثره.

ومن هنا قرّر أهل العلم أن الإنكار لا يُقاس بصورته الظاهرة، ولا بحدّة لهجته، ولا بمدى انتشاره أو التفاعل معه، وإنما يُعتبر بمآله وأثره في حفظ الدين، وتقليل الفساد أو زيادته.

وفي مقابل ذلك، فإن إشاعة المنكر تتحقّق كلما أُعيد إنتاجه في الوعي العام، أو عُرض بصورته، أو فُتح له مجال التداول والتكرار، ولو اقترن ذلك بادّعاء النقد أو الإنكار؛ لأن العبرة في هذا الباب ليست بالقصد المجرّد، بل بحقيقة الوظيفة التي يؤدّيها الخطاب في الواقع.

وبهذا يظهر أن النزاع في هذا الباب ليس لفظيًا ولا شكليًا، بل نزاعٌ في وظيفة الخطاب ومآله. ولهذا فرّق أهل السنة تفريقًا دقيقًا بين:

التحذير من المنكر: وهو بيانٌ علميٌّ منضبط، يُكشف فيه الانحراف بوصفه، ويُردّ عليه بدليله، مع صيانة المتلقّي عن التعلّق بصورته أو التفاعل معه.

نشر المنكر: وهو إبرازه أو تداوله أو إعادة عرضه على وجهٍ يُفضي إلى اعتياده، أو تطبيعه، أو توسيع دائرته، ولو كان ذلك بحجّة الإنكار أو التوعية.

وهذا التفريق ليس اصطلاحًا حادثًا، ولا تشدّدًا زائفًا، بل هو مستفادٌ من أصول الشريعة وقواعدها الكلية؛ إذ إن الشريعة لا تكتفي بتحريم الفعل المنكَر في ذاته، بل تسدّ كل طريقٍ يؤدّي إلى إشاعته أو تقليل نكارته في القلوب.

ومن هنا يتبيّن أن الخلل المنهجي في دعوى «نشر المنكر للتوعية» لا يرجع في الغالب إلى ضعف الغيرة أو سوء القصد، وإنما إلى اختلال ميزان التنزيل، والغفلة عن الفرق بين البيان الذي يحفظ الدين، والخطاب الذي يوسّع دائرة الفتنة.

لماذا لا يُعتبر حسن القصد مسوّغًا في هذا الباب؟

يُعدّ الاستناد إلى حسن القصد من أكثر المسوّغات تداولًا في تبرير نشر المنكر بدعوى إنكاره أو التحذير منه، حتى غدا كأنه أصلٌ مستقلٌّ يُحتكم إليه عند الاعتراض على هذا المسلك.

غير أن هذا التعليل عند التحقيق لا يستقيم لا من جهة التأصيل الشرعي، ولا من جهة التنزيل المنهجي.
فالشريعة لم تجعل صلاح النيّة وحده كافيًا في تصحيح الأفعال، ولا اعتبرت حسن المقصد مُبيحًا لما يفضي إلى مفسدةٍ راجحة أو يُفضي إلى نقض مقصودٍ شرعيٍّ أعظم؛ بل قرّرت أن الأعمال تُوزن بمجموع قصدها وصورتها ومآلاتها، وأن النية الصالحة لا تُصلح العمل الفاسد، كما أن فساد القصد يُفسد العمل الصالح.

ومن هنا، فإن الاحتجاج بحسن القصد في هذا الباب لا يُعالج محل النزاع، ولا يُجيب عن الإشكال الحقيقي؛ إذ الإشكال ليس في الدافع إلى الإنكار، بل في وسيلته وأثره ومآله.
فالخطاب الذي يُفضي من حيث النتيجة إلى إشاعة المنكر، أو تعويد النفوس عليه، أو توسيع دائرته، لا ينقلب مشروعًا بمجرد سلامة النية، كما لا تُسوّغ الغاية الحسنة الوسيلة المحرّمة.

وعليه، فإن تصحيح هذا الخلل لا يكون بتبادل الاتهامات حول المقاصد، ولا بمصادرة النقد بدعوى حسن النيات، وإنما بإعادة ضبط المسألة على ميزانها الشرعي الصحيح، الذي يجعل العبرة بحقيقة الفعل ووظيفته وأثره في حفظ الدين، لا بمجرد الشعارات المصاحبة له.

ثانيًا: ميزان المآلات: الضابط الحاكم في هذا الباب

إذا سقط الاحتجاج بحسن القصد بوصفه مسوّغًا مستقلًا، تعيّن الرجوع إلى الميزان الذي أقامته الشريعة لضبط الأفعال الدعوية، وعلى رأسها إنكار المنكر؛ إذ يُعدّ اعتبارُ المآلات من القواعد الكلية الحاكمة في الشريعة، وهو الميزانُ الأضبط في تنزيل الأحكام على الوقائع؛ به تُفهم النصوص في سياقها، وتُنزَّل الأحكام على مقاصدها، ويُميَّز بين ما يُصلح في الجملة وما يُفسد في العاقبة.
وقد تقرّر عند أهل الأصول قديمًا وحديثًا أن العبرة في التكليف ليست بمجرد صورة الفعل، ولا بدافعه النفسي وحده، وإنما بما يفضي إليه من نتائج وآثار؛ ولهذا بُنيت الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، ولم تُشرَع الأحكام معزولة عن واقع الناس، ولا عن طبائع النفوس وقابليتها للتأثّر والاعتياد.

ومن هذا الباب كان إنكار المنكر مقيّدًا شرعًا بألّا يفضي إلى منكرٍ أعظم، أو فتنةٍ أوسع، أو مفسدةٍ أغلظ، ولو كان في أصل فعله مشروعًا؛ فليس كل ما صَحَّ إنكاره صَحَّ إظهاره، ولا كل ما جاز بيانه جاز تعميمه، ولا كل ما كان حقًّا في ذاته حَسُن بثّه في كل مقام.

وعند تنزيل هذا الأصل على واقع النشر المعاصر، يتبيّن أن كثيرًا من صور ما يُسمّى "الإنكار العلني" عبر الوسائط الإعلامية لا تُقاس بمجرّد نبرة الرفض، ولا بوضوح التسمية، بل بما تُحدثه فعليًا في وعي المتلقّي؛ إذ إن تكرار عرض المنكر، وتفصيل صوره، وتداول مشاهده ولو مقرونًا بالاستنكار، قد يفضي في الأعمّ الأغلب إلى تطبيعه، أو تهوين قبحه، أو تعريف من لم يكن يعلمه به، وهي مآلات تُنافي مقصود الشارع من أصل الإنكار.

ومن هنا يتبيّن أن ميزان المآلات ليس قيدًا طارئًا على الخطاب الدعوي، ولا تعطيلًا لوظيفة البيان، بل هو شرطُ سلامته، وضمانُ بقائه في دائرة الإصلاح لا الإفساد، وفي نطاق الحماية لا الإشاعة.
ويتضح بذلك أن الخلل في دعوى جواز نشر المنكر بدعوى إنكاره ليس خللًا جزئيًا في وسيلة أو أسلوب، بل خللٌ منهجيٌّ في ضبط مقامات البيان وميزان المآلات؛ إذ تُختزل وظيفة الإنكار في مجرد إظهار المخالفة، ويُغفل ما يترتب على ذلك من آثارٍ في الوعي العام وتطبيع المنكر في النفوس.

فالشريعة لم تجعل صحة المقصود مسوّغًا لتجاوز الضوابط، ولا حسن النية مبررًا لتعطيل الأصول، بل قرّرت أن العبرة في الخطاب الشرعي بوظيفته ومآله، لا بشعاره ولا بصدى التفاعل معه.

ومن هنا يظهر أن تحويل المنكر إلى مادة تداولٍ بدعوى التوعية أو التأثير إنما هو عدولٌ عن المنهج السلفي في ضبط الإنكار، واستبدالٌ للميزان الشرعي باعتباراتٍ انفعالية أو إعلامية، تُفضي في الغالب إلى عكس المقصود، وتفتح باب الفتنة حيث يُظن الإصلاح.

ثالثًا: الأدلة الشرعية على التفريق بين التحذير المشروع والنشر المحرَّم

دلّت النصوص الشرعية وتقريرات السلف على أن البيان في باب إنكار المنكر ليس مطلقًا من حيث الصورة ولا من حيث النشر، بل هو منضبط باعتبار المآلات، وضبط مقام الخطاب، ومراعاة حال المخاطَبين؛ وهو ما يؤسّس للتفريق المنهجي بين التحذير المشروع والنشر المحرَّم.

فمن ذلك ما ثبت عند الإمام مسلم رحمه الله، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.

وهذا نصٌّ صريح في أن صحة المعلومة أو صدق الخبر لا يكفي وحده في مشروعية بثّه، بل إن عدم مراعاة حال المتلقّي ومآل الخطاب قد يجعل من الحق نفسه سببًا للفتنة، وهو عين ما يقع في نشر المنكرات بدعوى إنكارها.

وكذلك ما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكذَّب الله ورسوله؟

فجعل رضي الله عنه سوء التنزيل، لا ضعف الدليل، سببًا لانقلاب البيان إلى مفسدة، وفيه تقريرٌ واضح لمبدأ التفريق بين مقام التعليم المنضبط ومقام الإلقاء العام غير المحسوب.

ومن أوضح النصوص في هذا الباب ما جاء في الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بحق الله على العباد وبشارة النجاة، ثم منعه من تبشير الناس بها خشية الاتكال، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تُبشّرهم فيتّكلوا).

فمنعه صلى الله عليه وسلم من نشر بشارةٍ حقٍّ محضٍ، لا لقصور في مضمونها، بل نظرًا إلى مآلها عند عموم الناس؛ وهو أصلٌ قاطع في أن كفّ بعض الحق عن النشر قد يكون هو الواجب شرعًا إذا خيف من بثّه مفسدة راجحة.

ومثله ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم.

وهو تصريحٌ بجواز كتمان بعض العلم، بل وجوبه، إذا كان بثّه مظنّة فتنة أو اضطراب، مع كونه علمًا صحيحًا ثابتًا.

وتجتمع هذه النصوص في إسقاط دعوى أن مجرد قصد الإنكار أو التوعية يُبيح النشر العام، وتؤكّد أن الشريعة فرّقت تفريقًا بيّنًا بين البيان الذي يُقصد به التحذير والصيانة، وبين الإظهار الذي يفضي إلى الإشاعة والتطبيع، وأن العبرة في هذا الباب ليست بحسن القصد ولا بصحة المضمون، بل بوظيفة الخطاب ومآله في الواقع.

رابعًا: تقريرات السلف والأئمة في ضبط النشر ومراعاة المآلات

لم يكن اعتبارُ المآلات وضبطُ مقام البيان أصلًا نظريًا مجردًا عند السلف، بل كان مسلكًا عمليًا مستقرًّا في منهجهم العلمي والدعوي، ظهر جليًا في تعاملهم مع النصوص، وفي فقههم لبثّ العلم، وتمييزهم بين ما يُقال وما يُكفّ عنه، وبين ما يُبيَّن في نطاقٍ خاص وما يُمنع نشره على العموم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومن العلم ما يضرّ بعض النفوس لاستعانتها به على أغراضها الفاسدة، فيكون بمنزلة السلاح للمحارب، والمال للفاجر.

فشبّه بثَّ بعض العلم في غير موضعه بتمكين المفسد من أدوات فساده، وهو تقريرٌ بالغ الدقة في أن العبرة ليست بذات المعلومة، بل بمآل استعمالها وأثرها في الواقع.

وبيّن الحافظ ابن حجر رحمه الله هذا الأصل في فتح الباري عند شرحه لحديث أبي هريرة في الوعاءين، فقال: ومِمَّن كره التحديثَ ببعضٍ دون بعضٍ أحمدُ في الأحاديث التي ظاهرُها الخروجُ على السلطان، ومالكٌ في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب… وضابطُ ذلك أن يكون ظاهر الحديث يُقوِّي البدعة، فالإمساك عنه عند من يُخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب.

وهو نصٌّ صريح في أن كفَّ النشر ليس تعطيلًا للعلم، بل فقهٌ في تنزيله، وسدٌّ لباب الفتنة، وضبطٌ لمقام البيان.

ونقل الإمام ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم أن طوائف من العلماء كرهوا التحديث ببعض الأحاديث الصحيحة، كحديث (إنما الماء من الماء)، لما قد يورثه من شبهة أو سوء فهم عند العامة، مما يدلّ على أن صحة الدليل لا تستلزم صحة النشر إذا اختلّ الفهم أو فُقدت الأهلية.
وقال ابن عقيل رحمه الله كلمةً جامعة في هذا الباب: حرامٌ على عالمٍ قويّ الجوهر أن يُلقي علمه إلى ضعيفٍ لا يحتمله؛ فإنه يُفسده.

فجعل بثّ العلم في غير موضعه صورةً من صور الإفساد، لا الإصلاح.

وتتضافر هذه التقريرات في تقرير أصلٍ منهجيٍّ راسخ، مفاده أن ضبط النشر، وكفّ بعض البيان، ومراعاة أحوال المتلقّين، ليس خروجًا عن منهج السلف، بل هو عين منهجهم في حفظ الدين، وصيانة القلوب، وسدّ ذرائع الفتنة.

ويتبين من هذا التأصيل أن الخلل في هذا الباب لا يقف عند حدود التنظير أو ضعف الاستدلال، بل يتجاوز ذلك إلى خللٍ في تنزيل الأصول وضبط مقامات البيان، حين يُتعامل مع إنكار المنكر بوصفه مجرّد إعلانٍ للمخالفة، لا خطابًا شرعيًا له وظيفةٌ محددة ومآلٌ معتبر.
فمع وضوح القواعد المقرّرة في اعتبار المآلات، وكثرة النصوص وتقريرات الأئمة في ضبط النشر وكفّ بعض البيان، يظهر أن الإشكال الحقيقي يكمن في العدول عن هذه الأصول عند التطبيق، واستبدال الميزان الشرعي بمعايير انفعالية أو إعلامية، تُقاس فيها سلامة المسلك بحدّة الطرح أو سرعة الانتشار، لا بحقيقة أثره في حفظ الدين وصيانة القلوب.

وفي ضوء هذا الميزان المنهجي، تتجلّى صور الخلل في عددٍ من الممارسات المعاصرة التي تُدرج ضمن ظاهرة "الإنكار العلني"، حيث يُعاد عرض المنكر أو تفصيل بعض صوره، أو يُوسَّع في تداوله بدعوى كشفه أو التحذير منه، دون ضبطٍ لمقام البيان ولا نظرٍ كافٍ في أثر هذا العرض على المتلقّي العام.

وفي مثل هذه الصور يتحوّل الخطاب من بيانٍ يُقصد به الصيانة إلى محتوى يُسهم في تعريف الجاهل بالمنكر، أو تهوين قبحه، أو تطبيعه بالتكرار، أو تحويله إلى مادة تداول وتفاعل، وهو ما يناقض مقصود الشارع من أصل الإنكار، ويجعل الوسيلة سببًا في توسيع دائرة الفتنة بدل تقليصها.

ولا يقتصر الخلل في هذه الممارسات على مجرّد إظهار المنكر، بل يتعدّاه إلى تحويل الإنكار نفسه إلى محتوى استهلاكي يُقاس أثره بعدد المشاهدات أو كثافة التفاعل، فيُستبدل بذلك الميزان الشرعي القائم على تقليل الفساد وحفظ الدين بمعايير إعلامية لا تنظر إلا إلى الحضور الظاهر، ولو كان ذلك على حساب المقاصد الباطنة.

ومن هنا يتبيّن أن الإشكال في هذه التطبيقات ليس في أصل إنكار المنكر ولا في مشروعية التحذير منه في الجملة، وإنما في هذا النمط من التنزيل الذي يُغفل وظيفة الخطاب ومآله، ويجعل من وسيلة الإنكار سببًا لإعادة إنتاج المنكر وتوسيع دائرته.

وبذلك يتّضح أن شبهة جواز نشر المنكر بدعوى إنكاره أو التوعية به لا ترجع في حقيقتها إلى خلافٍ في أصل الإنكار، ولا إلى ضعف الغيرة على الدين، وإنما إلى خللٍ منهجيٍّ في ضبط مقامات البيان وميزان المآلات؛ إذ جعلت بعض الممارسات الإنكار مجرّد إظهارٍ للمخالفة، لا خطابًا شرعيًا محكومًا بوظيفته وأثره.

وقد دلّت النصوص وتقريرات السلف على التفريق الواضح بين مقام التحذير المشروع، الذي يُقصد به البيان والصيانة وتقليل الفساد، وبين مقام النشر الذي يفضي إلى إشاعة المنكر أو تطبيعه أو توسيع دائرته، وهو تفريقٌ أصيل في المنهج السلفي لحفظ الدين وسدّ ذرائع الفتنة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.