مقالات وبحوث مميزة

تاريخُ نَشأةِ مُصطَلَحِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ

علويُّ بنُ عبدِالقادِر السَّقَّاف

المشرفُ العام على مؤسَّسةِ الدُّررِ السَّنيَّة

 

الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، يَسَّر سُبُلَ الهِدايةِ للخَلقِ أجمَعينَ، وأمَر عِبادَه بسُلوكِها لِيكونوا مِن المُتَّقينَ، ونَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له؛ إلهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

ونَشهَدُ أنَّ نَبيَّنا مُحمَّدًا عَبدُ اللهِ ورَسولُه، اختارَه مِن خَلْقِه، وجعَلَه أمينًا على وَحيِه، وسَفيرًا بيْنَه وبيْنَ عِبادِه، بعَثَه بالدِّينِ القَويمِ، والمَنهَجِ المُستَقيمِ، وأرسَلَه رَحمةً للعالَمينَ، وافتَرَض على العِبادِ طاعتَه وتوقيرَه، ومَحبَّتَه والقِيامَ بحُقوقِه، وعَلَّق السَّعادةَ على مُتابَعتِه، وجَعَل الشَّقاوةَ في مُخالفتِه، صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم.

أمَّا بعدُ:

فقد كَثُرَ خَوضُ النَّاسِ في هذا الزَّمانِ في مُصطَلَحِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وفي مَنْ أحقُّ بالانتسابِ إليه، حتَّى تنازَعَه المنتسِبون للسَّلف والأشاعرةُ، فزَعَم كُلُّ فريقٍ أنَّ هذا اللَّقَبَ خاصٌّ به، بل ذَهَب بعضُهم إلى نفيِه عمَّن خالَفَه. وإزاءَ هذا الاضطِرابِ والاختِلافِ، اقتضى النَّظَرُ العِلميُّ الرُّجوعَ إلى تاريخِ نشأةِ هذا المُصطَلَحِ، وبيانَ مَدلولِه، وتتبُّعَ استِعمالِه: على مَن كان يُطلَقُ، وأيَّ طائفةٍ كان يُرادُ به؟ ولا سيَّما في العَصرِ الأوَّلِ، وفي العُصورِ الزَّاهيةِ من تاريخِ الإسلامِ والسُّنَّةِ.

ومن المعلومِ أنَّ ولادةَ أبي الحَسَنِ الأشعَريِّ مُؤَسِسِّ المذهَبِ الأشعَريِّ كانت في البَصرةِ سنةَ 260هـ، وقد اتَّفَقَ المُؤَرِّخونَ والباحِثونَ على أنَّه كان في أوَّلِ أمرِه مُعتزِليًّا، وأنَّه لازَمَ أبا علِيٍّ الجُبَّائيَّ البَصريَّ(1) (ت: 303هـ) شَيخَ المُعتَزِلةِ، وأخَذَ عنه مَذهَبَ الاعتِزالِ، وكان الأشعَريُّ يَنوبُ عنه في بعضِ مَجالِسِه، واستَمَرَّ على ذلك سِنينَ كَثيرةً، ثُمَّ رَجَعَ عن بِدعةِ الاعتِزالِ وعُمُرُه نَحوُ أربَعينَ سَنةً، أي عام 300ه، ورَدَّ على المُعتَزِلةِ، وبَيَّنَ بُطلانَ عَقائِدِهم التي خالَفوا فيها الحَقَّ، وأكثَرَ مِن التَّأليفِ في الرَّدِّ عليهم وعلى غَيرِهم مِن أهلِ البِدَعِ(2)، وهذا ممَّا يُحمَدُ عليه ويُشكَرُ رَحِمه اللهُ، ثم صار أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ في هذه المَرحلةِ على طَريقةِ عَبدِ اللهِ بنِ سَعيدِ بنِ كُلَّابٍ البَصريِّ المُتَوفَّى سَنةَ (243هـ)، الَّذي كان يُخالِفُ المُعتَزِلةَ، ويُوافِقُ أهلَ السُّنَّةِ في كَثيرٍ مِن المَسائِلِ الاعتِقاديَّةِ. وطَريقةُ ابنِ كُلَّابٍ أَقرَبُ إلى السُّنَّةِ مِن طَريقةِ المُعتَزِلةِ، فكان أبو الحَسَنِ على هذه الطَّريقةِ مدَّةً من الزَّمَنِ، ثمَّ أعلن رُجوعَه إلى مَذهَبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وإلى ما كان عليه الإمامُ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمه اللهُ، وقد تُوفِّي سَنةَ 324ه.

كما اتفقَ الباحِثونُ مِن الأشاعِرةِ وغَيرِهم على أنَّ المَذهَبَ الأشعَريَّ تَطَوَّرَ بَعدَ أبي الحَسَنِ الأشعَريِّ بواسِطةِ كَثيرٍ مِن أئِمَّةِ المَذهَبِ؛ كأبي الحَسَنِ الباهِلِيِّ، وابنِ مُجاهِدٍ الطَّائيِّ، والقاضي أبي بَكرِ بنِ الباقِلَّانيِّ، وابنِ فُورَك، وأبي إسحاقَ الأسفَرايِينيِّ، وعَبدِ القاهِرِ البَغداديِّ، وأبي القاسِمِ القُشَيريِّ، وأبي المَعالي الجُوَينيِّ، وأبي حامِدٍ الغَزاليِّ، والفَخرِ الرَّازيِّ، وأبي الحَسَنِ الآمِدِيِّ، والإيجيِّ وغيرِهم. وهذا التَّطَوُّرُ في المذهَبِ الأشعَريِّ كان مِن حَسَنٍ إلى سَيِّئٍ ثمَّ إلى أسوأَ؛ حيثُ ابتعد عَن مَذهَبِ السَّلَفِ وعَمَّا آلَ إلَيه أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ نَفسُه في آخِرِ حَياتِه؛ وذلك بسَبَبِ تَأثُّرِهم وانخِراطِهم في الفَلسَفةِ وعِلمِ الكَلامِ، ومَعَ ذلك يَنسُبونَ أنفُسَهم لأهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، مَعَ أنَّ هذا المُصطَلَحَ كانَ يُطلَقُ على مَن سَلَكَ مَنهَجَ السَّلَفِ قَبلَ تَركِ الأشعَريِّ الِاعتِزالَ، بَل قَبلَ وِلادَتِه بمِائةِ سَنةٍ! فمَن سَلَكَ مَسلَكَهم واعتَقدَ بعَقيدَتِهم فهو مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، وبهذا المُصطَلَحِ كان يُميَّزُ بَينَ أهلِ البِدَعِ والأهواءِ وغَيرِهم؛ فإذا أُريدَ التحقُّقُ من حالِ شَخصٍ ما، هل هو من أهلِ البِدَعِ أم لا، قيل: بل هو من أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ. وقد كان لهذا الاستِعمالِ أثرٌ في حمِل الأشاعِرةِ على التمَسُّكِ بهذا المصطَلَحِ والانتسابِ إليه.

نَشَأ هذا المُصطَلَحُ في عَصرِ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهُم(3) عِندَما ظَهَرَ بَعضُ المُبتَدِعةِ، فاحتيجَ إلى التَّمييزِ بينَهم وبينَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ فاستُعمِلَ هذا اللَّقَبُ للدَّلالةِ على أهلِ الاتِّباعِ والتَّفريقِ بَينَهم وبَينَ أهلِ الابتداعِ. ومع ذلك نَجِدُ الأشاعِرةَ –مع أنَّ مَذهَبَهم لم يظهَرْ ولم يُعرَفْ إلَّا في القرنِ الرَّابعِ الهِجريِّ– يزعُمون أنَّهم هم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ! ثم جاء المعاصِرون منهم في سِياقِ المناكَفةِ مع السَّلفيِّين وادعوا أنَّ هذا الاسمَ كان يُطلَقُ عليهم ثمَّ سُلِب منهم واختُطِف! والمتأمِّلُ فيمن أُطلِقَ عليهم هذا اللَّقَبُ في القُرونِ الثَّلاثةِ الأولى وفي مُعتقَداتِهم المدوَّنةِ في كُتُبِ السُّنَّةِ والاعتقاد، يجِدُ بَونًا شاسعًا بَينَهم وبينَ الأشاعِرةِ في الأصولِ الاعتِقاديَّةِ، ولا سيِّما في بابِ الصِّفاتِ، والإيمان، ومصْدر التلقِّي، فَضلًا عن أنَّ الأشاعِرةَ لا ينتَسِبون إلى أولئك الأئمَّةِ، ولا يَعدُّونهم من أئمَّتِهم4، مع أنَّ هؤلاء هم الذين اشتهروا تاريخيًّا بلَقَبِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: كالحَسَنِ البَصريِّ، ويونُسَ بنُ عُبَيدٍ، وسفيانَ الثَّوريِّ، وأحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، ومحمَّدِ بنِ عيسى التِّرمِذيِّ، وأبي سعيدٍ الدَّارميِّ، ومحمَّدِ بنِ نَصرٍ المَرْوَزيِّ، والبَربَهاريِّ، وغَيرِهم، ممن دوَّنوا عقائدَ السَّلف ونافحوا عنها قبل ظهورِ المذاهبِ الكلاميَّة.

وقد سَبَق البيانُ أنَّ هذا المصطَلَحَ نشَأ قبلَ وِلادةِ الأشعَريِّ بنحوِ مائةِ سَنةٍ، أي: في حدودِ سنةِ (160هـ)، وأنَّ الحَسَنَ البَصريَّ ومَن سيأتي ذِكرُهم ممَّن نُقِل عنهم استِعمالُ هذا المُصطَلَحِ إنَّما كانوا قبلَ ذلك التَّاريخِ بمدَّةٍ؛ ممَّا يدُلُّ على رُسوخِ هذا اللَّقَبِ واستعمالِه قَبلَ ظُهورِ المذهَبِ الأشعَريِّ.

1- قال الحَسَنُ البَصريُّ (المَولودُ عامَ 21هـ) وهو مِن كِبارِ التَّابِعينَ: (ابتُلينا بكَثرةِ الهَوى والخُصوماتِ في اللَّهِ، والمُجادَلةِ في القُرآنِ، وقد أُميتَتِ السُّنَنُ، وأُحييَتِ البِدَعُ، وأرجو إن شاءَ اللهُ لَو لَم يَبقَ أحَدٌ في الدُّنيا إلَّا رَجُلٌ واحِدٌ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ لَكانَ أكثَرَ؛ لأنَّه دينُ اللَّهِ الأعظَمُ...)(5).

والمقصودُ بذلك أنَّ ثَباتَ الواحِدِ على السُّنَّةِ والحقِّ أقوى أثرًا وأرجحُ وَزنًا من كثرةٍ غالبةٍ من أهلِ البِدَعِ؛ إذ العِبرةُ بالحقِّ لا بالكَثرةِ.

2- وعَن يونُسَ بنِ عُبَيدٍ، قال: (كانوا يَجتَمِعونَ فأتاهُمُ الحَسَنُ -يعني البصريَُ- فقال لَه رَجُلٌ: يا أبا سَعيدٍ، ما تَرى في مَجلِسِنا هذا؟ قَومٌ مِن ‌أهلِ ‌السُّنَّةِ ‌والجَماعةِ لا يَطعَنونَ على أحَدٍ، نَجتَمِعُ في بَيتِ هذا يَومًا، وفي بَيتِ هذا يَومًا، فنَقرَأُ كِتابَ اللَّهِ، ونَدعو رَبَّنا، ونُصَلِّي على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونَدعو لأنفُسِنا ولعامَّةِ المُسلِمينَ؟ قال: فنَهى عَن ذلك الحَسَنُ أشَدَّ النَّهيِ)(6). وتَكمُنُ الحُجَّةُ هنا في إقرارِ الحَسَنِ للسائل على التَّسمِّي بهذا الاسمِ، ثمَّ إرشادِه بعدَ ذلك إلى مُقتضاه العَمَليِّ؛ من لُزومِ السُّنَّةِ وتَركِ البِدَعِ، أو ما يُفضي إليها.

3- ولَمَّا بَلَغَ الخَليفةَ الأُمَويَّ هِشامَ بنَ عَبدِ المَلِكِ بنِ مَروانَ (72-125هـ) أنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ -وكانَ مِنَ التَّابِعينَ ومِن عُلَماءِ المَدينةِ توفِّيَ سَنةَ 126هـ- خَرَجَ عليه مَعَ الحارِثِ بنِ شُرَيحٍ بخُراسانَ سَنةَ 115هـ غَضِبَ وقال لإبراهيمَ بنِ هِشامٍ المَخزوميِّ أحَدِ وُلاتِه: (أيُّ رَجُلٍ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ القاسِمِ؟ فقال إبراهيمُ بنُ هِشامٍ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ)(7)، أي: ليس مِنَ الخَوارِجِ المُبتَدِعةِ.

4- وكانَ عَمرو بنُ قَيسٍ الملائيُّ (ت: 146هـ) يَقولُ: (إذا رَأيتَ الشَّابَّ أوَّلَ ما يَنشَأُ مَعَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ فارجُه، وإذا رَأيتَه مَعَ أهلِ البِدَعِ فايئَسْ منه؛ فإنَّ الشَّابَّ على أوَّلِ نُشوئِه(8))(9).

5- وهذا المُصطَلَحُ -مُصطَلَحُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ- جاءَ عَنِ الإمامِ أبي حَنيفةَ رَحِمَه اللهُ، وهو مِن صِغارِ التَّابِعينَ (80-150هـ) في أكثَرَ مِن مَوضِعٍ ومُناسَبةٍ، ومِن ذلك أنَّه قال: (لا يوصَفُ اللهُ تَعالى بصِفاتِ المَخلوقينَ، وغَضَبُه ورِضاهُ صِفَتانِ مِن صِفاتِه بلا كَيفٍ، وهو قَولُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، وهو يَغضَبُ ويَرضى، ولا يُقالُ: غَضَبُه عُقوبَتُه، ورِضاهُ ثَوابُه، ونَصِفُه كَما وصَفَ نَفسَه، أحَدٌ صَمَدٌ لَم يَلِدْ ولَم يولَدْ ولَم يَكُنْ لَه كُفُوًا أحَدٌ، حَيٌّ قَيُّومٌ قادِرٌ، سَميعٌ بَصيرٌ عالِمٌ ...)(10).

6- وجاءَ في وصيَّتِه لأصحابِه عِندَ مَرَضِ مَوتِه: (اعلَموا -أصحابي وإخواني- أنَّ مَذهَبَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ على اثنَتَي عَشرةَ خَصلةً، فمَن كانَ يَستَقيمُ على هذه الخِصالِ لا يَكونُ مُبتَدِعًا ولا صاحِبَ هَوًى.....)(11).

7- وورَدَ هذا المُصطَلَحُ عَن إمامِ المُحَدِّثينَ سُفيانَ الثَّوريِّ (97-161هـ)، وهو مِن صِغارِ التَّابِعينَ، في أكثَرَ مِن مَوضِعٍ؛ مِنها: ما رَواهُ يوسُفُ بنُ أسباطٍ، قال: سَمِعتُ سُفيانَ الثَّوريَّ يَقولُ: (إذا بَلَغَكَ عَن رَجُلٍ بالمَشرِقِ صاحِبِ سُنَّةٍ وآخَرَ بالمَغرِبِ فابعَث إلَيهما بالسَّلامِ وادعُ لَهما، ما أقَلَّ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعةِ!)(12).

8- وقال: (صَلِّ خَلفَ مَن أدرَكتَ -أي: صَلاةَ الجُمُعةِ والعيدَينِ- وأمَّا سائِرُ ذلك فأنتَ مُخَيَّرٌ، لا تُصَلِّ إلَّا خَلفَ مَن تَثِقُ به وتَعلَمُ أنَّه مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ)(13).

9- وقال يوسُفُ بنُ أسباطٍ الشَّيبانيُّ (ت: 195هـ) تِلميذُ الإمامِ سُفيانَ الثَّوريِّ، وكانَ مِنَ الثِّقاتِ: (أهلُ ‌السُّنَّةِ ‌والجَماعةِ يَعتَقِدونَ أنَّ القُرآنَ كَلامُ اللَّهِ -عَزَّ وجَلَّ- مُنَزَّلٌ غَيرُ مَخلوقٍ، والتَّصديقَ بالنَّظَرِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَومَ القيامةِ، يَراهُ المُؤمِنونَ يَومَ القيامةِ)(14).

10- وكَتَبَ بِشرٌ المِرِّيسيُّ الجَهميُّ إلى مَنصورِ بنِ عَمَّارٍ الواعِظِ (ت: 225)، قال: أخبِرْني: القُرآنُ خالِقٌ أو مَخلوقٌ؟ فكَتَبَ إلَيه: (عافانا اللهُ وإيَّاكَ مِن كُلِّ فِتنةٍ، وجَعَلَنا وإيَّاكَ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ؛ فإنَّه إن يَفعَلْ فأعظِمْ بها مِن نِعمةٍ، وإلَّا فهيَ الهَلَكةُ)(15).

11- وقال عُثمانُ بنُ سَعيدٍ الرَّازيُّ: (حَدَّثَنا الثِّقةُ مِن أصحابِنا، قال: لَمَّا ماتَ بشرُ بنُ غياثٍ المَرِيسيُّ (ت: 218هـ) لَم يَشهَدْ جِنازَتَه مِن أهلِ العِلمِ والسُّنَّةِ أحَدٌ إلَّا عُبَيدٌ الشُّونيزيُّ، فلَمَّا رَجَعَ مِن جِنازةِ المَرِيسيِّ أقبَلَ عليه أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ، قالوا: يا عَدوَّ اللَّهِ، تَنتَحِلُ السُّنَّةَ وتَشهَدُ جِنازةَ المَرِيسيِّ؟! قال: أنظِروني حَتَّى أُخبِرَكُم...)(16).

12- وقال عَبدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ أبو جَعفَرٍ النفيليُّ (ت: 234هـ): (خَيرُ النَّاسِ بَعدَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبو بَكرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثمانُ ثُمَّ عَليٌّ ... أدرَكتُ ‌النَّاسَ ‌وأهلَ ‌السُّنَّةِ والجَماعةِ على هذا)(17).

13- وقال الإمامُ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ (ت: 241هـ): (صِفةُ المُؤمِنِ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ مَن يَشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ لَه، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وأقَرَّ بجَميعِ ما أتَت به الأنبياءُ والرُّسُلُ، وعَقدَ عليه ما أظهَرَ، ولَم يَشُكَّ في إيمانِه، ولَم يُكَفِّرْ أحَدًا مِن أهلِ التَّوحيدِ بذَنبٍ، وأرجَأ ما غابَ عَنهُ مِنَ الأُمورِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ...)(18).

14- وكانَ شَيخُ البُخاريِّ إسحاقُ بنُ شاهينَ الواسِطيُّ (ت: 260هـ) يَقولُ: (كانَ خالِدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ الواسِطيُّ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، خَرَجَ النَّاسُ مَعَ إبراهيمَ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ الحَسَنِ غَيرَه؛ فإنَّه لَزِمَ بَيتَه)(19).

15- وقال سَهلُ بنُ المُتَوكِّلِ: (أدرَكتُ ألفَ أُستاذٍ أو أكثَرَ، كُلُّهم يَقولُ: الإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ)، وقال يَعقوبُ بنُ سُفيانَ (ت: 277): (أدرَكتُ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعةِ على ذلك)(20). أدرك من؟ هل أدركَ الأشاعرةَ وهو قد توفيَّ قبل ظهورِ المذهبِ الأشعريِّ بأكثرَ من ثلاثين سنة؟!

16- وقال الإمامُ مُحَمَّدُ بنُ عيسى التِّرمِذيُّ (ت: 279): (قال غَيرُ واحِدٍ مِن أهلِ العِلمِ في هذا الحَديثِ وما يُشبِهُ هذا مِنَ الرِّواياتِ مِنَ الصِّفاتِ: ونُزولُ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، قالوا: قد تَثبُتُ الرِّواياتُ في هذا ويُؤمَنُ بها ولا يُتَوهَّمُ، ولا يُقالُ: كَيفَ؟ هَكَذا رويَ عَن مالِكٍ، وسُفيانَ بنِ عُيَينةَ، وعَبدِ اللَّهِ بنِ المُبارَكِ أنَّهم قالوا في هذه الأحاديثِ: أَمِرُّوها بلا كَيفٍ، وهَكَذا قَولُ أهلِ العِلمِ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ)(21).

17- وقال الإمامُ عُثمانُ بنُ سَعيدٍ الدَّارِميُّ (ت: 280هـ): (فلَم تَزَلِ الجَهميَّةُ سَنَواتٍ يَركَبونَ فيها أهلَ ‌السُّنَّةِ ‌والجَماعةِ بقوَّةِ ابنِ أبي دُؤادَ المُحادِّ للَّهِ ولرَسولِه، حَتَّى استُخلِفَ المُتَوكِّلُ -رَحمةُ اللَّهِ عليه- فطَمَسَ اللهُ به آثارَهم، وقَمَعَ به أنصارَهم، حَتَّى استَقامَ أكثَرُ النَّاسِ على السُّنَّةِ الأولى، والمِنهاجِ الأوَّلِ)(22).

18- وقال الإمامُ حَربٌ الكرمانيُّ (ت: 280): (وأمَّا الخَوارِجُ فإنَّهم يُسَمُّونَ‌ أهلَ ‌السُّنَّةِ ‌والجَماعةِ مُرجِئةً...)(23).

19- وقال الإمامُ مُحَمَّدُ بنُ نَصرٍ المَروَزيُّ (ت: 294هـ) في مَعرِضِ حَديثِه عن أقوالِ الطَّوائِفِ في الإيمانِ: (وقالت طائِفةٌ ثالِثةٌ، وهُمُ الجُمهورُ الأعظَمُ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ وأصحابِ الحَديثِ: الإيمانُ الذي دَعا اللهُ العِبادَ إلَيه، وافتَرَضَه عليهم هو الإسلامُ الذي جَعَلَه دينًا...)(24).

20- وقال أحمَدُ بنُ عَليٍّ الأبَّارُ: حَدَّثَنا أبو هاشِمٍ، سَمِعتُ ابنَ فُضَيلٍ -يَعني: مُحَمَّدَ بنَ فُضَيلِ بنِ غَزوانَ (ت: 295)- يَقولُ: (رَحِمَ اللهُ عُثمانَ، ولا رَحِمَ اللهُ مَن لا يَتَرَحَّمُ عليه، قال: ورَأيتُ عليه آثارَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، رَحِمَه اللهُ احتَجَّ به الجَماعةُ)(25).

21- وقال الإمامُ ابنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ (ت: 310هـ): (أمَّا الصَّوابُ مِنَ القَولِ في رُؤيةِ المُؤمِنينَ رَبَّهم عَزَّ وجَلَّ يَومَ القيامةِ، وهو دينُنا الذي نَدينُ اللَّهَ به، وأدرَكنا عليه أهلَ السُّنَّةِ والجَماعةِ، فهو: أنَّ أهلَ الجَنَّةِ يَرَونَه على ما صَحَّت به الأخبارُ عَن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)(26). وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ الأشاعرةَ ليسوا من أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ لأنَّه مُخالِفٌ لمعتقدِهم؛ إذ لا يُثبِتونَ رؤيةَ المُؤمِنينَ رَبَّهم يَومَ القيامةِ على الوجهِ الذي دَلَّت عليه النُّصوصُ عِندَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، ويَرَونَ أنَّ إثباتَها على ظاهِرِها يُفضي إلى التَّشبيه والتَّجسيمِ.

23- وقال الإمامُ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ (ت: 321هـ) في أوَّلِ عَقيدَتِه المَشهورةِ: (هذا ذِكرُ بَيانِ عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ على مَذهَبِ فُقَهاءِ المِلَّةِ: أبي حَنيفةَ النُّعمانِ بنِ ثابِتٍ الكوفيِّ، وأبي يوسُفَ يَعقوبَ بنِ إبراهيمَ الأنصاريِّ، وأبي عَبدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الشَّيبانيِّ -رِضوانُ اللَّهِ عليهم أجمَعينَ- وما يَعتَقِدونَ مِن أُصولِ الدِّينِ، ويَدينونَ به رَبَّ العالَمينَ).

24- وقال الإمامُ الحَسَنُ بنُ عَليٍّ البَربَهاريُّ (ت: 329): (الأساسُ الذي بَنَينا عليه الجَماعةَ هُم أصحابُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَحِمَهمُ اللهُ أجمَعينَ، وهُم أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ، فمَن لَم يَأخُذْ عَنهُم فقد ضَلَّ وابتَدَعَ، وكُلُّ بدعةٍ ضَلالةٌ، والضَّلالُ وأهلُه في النَّارِ)(27).

وفي الخِتامِ:

هل يَشُكُّ مُنصِفٌ بعدَ هذا كلِّه أنَّ لقَبَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أحقُّ به أهلُ القُرونِ الثَّلاثةِ الأُولى من التَّابعينَ وأتباعِ التَّابعينَ، ومَن سَلَك سبيلَهم واقتفى آثارَهم، لا أهلُ الكلامِ والرَّأيِ والأهواءِ؟!

 

نسألُ اللهَ تعالى أن يَهديَنا جميعًا إلى الحَقِّ،
وأن يَرزُقَنا الإنصافَ وحُسنَ القَصدِ،

وأن يَجمَعَ قُلوبَ المُسلِمين على الهُدى،
ويُجَنِّبَنا أسبابَ الفُرقةِ والاختِلافِ،

وأن يجعَلَنا من المتَّبِعينَ للسُّنَّةِ العامِلين بها؛
إنَّه وَليُّ ذلك والقادِرُ عليه
.

--------------------------

[1] هو أبو عليٍّ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ، المعروفُ بالجُبَّائيِّ، كان رأسًا في الفلسفةِ وعلمِ الكلامِ، وأخذ هذا العلمَ عن أبي يوسُفَ يعقوبَ الشَّحَّامِ البَصريِّ رئيسِ المعتَزِلةِ بالبصرةِ في عصرِه. يُنظر: ((وَفَيَات الأعيان)) لابن خلِّكان (4/267)، ((تاريخ الإسلام)) للذهبي (7/70)، ((لسان الميزان)) لابن حجر (7/324).

[2] يُنظر: ((الفهرست)) للنديم (ص: 225)، ((بيان تلبيس الجهميَّة في تأسيس بِدَعِهم الكلاميَّة)) لابن تيميَّة (1/204)، ((تاريخ الإسلام)) للذهبي (7/71، 118).

[3] ورَدَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ في قَولِه تَعالى: {يَومَ تَبيَضُّ وُجوهٌ وتَسودُّ وُجوهٌ} [آل عمران: 106] أنَّه قال: (فأمَّا الذينَ ابيَضَّت وُجوهُهم ‌فَأهلُ ‌السُّنَّةِ ‌والجَماعةِ وأولو العِلمِ، وأمَّا الذينَ اسودَّت وُجوهُهم فأهلُ البِدَعِ والضَّلالةِ). يُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (1/ 79):

لكنه لا يَصِحُّ.

[4] بل إنَّ إمامَ الأشاعِرةِ بلا مُنازعٍ فَخرَ الدِّينِ الرَّازيَّ (ت: 606هـ) يُسمِّي (كتابَ التَّوحيدِ) لإمامِ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ بنِ خُزَيمةَ الشَّافعيِّ (ت: 311هـ): (كتابَ الشِّركِ)! قال في تفسيرِه ((مفاتيح الغيب)) (27/582): (واعلَمْ أنَّ محمدَ بنَ إسحاقَ بنِ خُزَيمةَ أورَدَ استدلالَ أصحابِنا بهذه الآيةِ في الكتابِ الذي سمَّاه «التَّوحيدَ»، وهو في الحقيقةِ كتابُ الشِّركِ)، ثمَّ قال عنه: (كان رَجُلًا مُضطَرِبَ الكلامِ، قليلَ الفَهمِ، ناقِصَ العَقلِ!).

[5] طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها (2/ 349).

ولَم يَكُنْ -رَحِمَه اللهُ- مِمَّن يُخدَعُ بالكَثرةِ، على خِلافِ أهلِ الأهواءِ الذينَ يَحتَجُّونَ بها ويَجعَلونَها شاهِدًا على الحَقِّ.

[6] ((البدع والنهي عنها)) لابن وضاح (ص: 42).

[7] يُنظر: ((أنساب الأشراف)) للبلاذري (8/ 423).

[8] وهذا هو الغالِبُ، غَيرَ أنَّ مِنَ النَّاسِ مَن يَنشَأُ على مَنهَجِ أهلِ السُّنةِ والجَماعةِ، ثُمَّ تَستَميلُه الأهواءُ وتَختَطِفُه شُبُهاتُ المُبتَدِعةِ، فيَنحَرِفُ عنهم، كَما أنَّ مِنهُم مَن يَنشَأُ في بيئاتٍ مُبتَدِعةٍ، فيَتَدارَكُه اللهُ بالهِدايةِ، ويَقودُه إلى الحَقِّ، كما وقَعَ لأبي الحَسَنِ الأشعَريِّ وغَيرِه.

[9] ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (1/ 205).

[10] ((الفقه الأكبر)) (ص: 159).

[11] ((وصية الإمام الأعظم أبي حنيفة)) (ص: 25).

[12] ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) للَّالكائي (1/ 64).

[13] ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) للَّالكائي (1/ 154).

[14] ((الأربعون حديثًا)) للآجُري (ص: 116).

[15] ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (7/ 531)، ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (1/ 620).

[16] ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (7/ 531).

[17] ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (32/ 354).

[18] ((المقصد الأرشد)) لبرهان الدين ابن مفلح (2/ 399).

[19] ((مقاتل الطالبيين)) لأبي الفرج الأصبهاني (ص: 323).

[20] ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للَّالكائي (5/ 1028).

[21] ((سنن الترمذي)) (3/ 41).

[22] ((النقض على المريسي)) (ص: 204).

[23] ((مسائل حرب الكرماني من كتاب النكاح إلى نهاية الكتاب)) (3/ 978).

[24] ((تعظيم قدر الصلاة)) (2/ 529).

[25] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (1/ 441).

[26] ((صريح السنة)) (ص: 20).

[27] ((شرح السنة)) (ص: 21).