مخالَفةُ الأشَاعرةِ لمُعتقدِ أئمَّةِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ
إعدادُ القِسمِ العلميِّ بمؤسَّسةِ الدُّررِ السَّنيَّةِ
17 رجب 1447هـ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، يَسَّر سُبُلَ الهِدايةِ للخَلقِ أجمَعينَ، وأمَر عِبادَه بسُلوكِها لِيكونوا مِن المُتَّقينَ، ونَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له؛ إلهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
ونَشهَدُ أنَّ نَبيَّنا مُحمَّدًا عَبدُ اللهِ ورَسولُه، اختارَه مِن خَلْقِه، وجعَلَه أمينًا على وَحيِه، وسَفيرًا بيْنَه وبيْنَ عِبادِه، بعَثَه بالدِّينِ القَويمِ، والمَنهَجِ المُستَقيمِ، وأرسَلَه رَحمةً للعالَمينَ، وافتَرَض على العِبادِ طاعتَه وتوقيرَه، ومَحبَّتَه والقِيامَ بحُقوقِه، وعَلَّق السَّعادةَ على مُتابَعتِه، وجَعَل الشَّقاوةَ في مُخالفتِه، صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم.
أمَّا بعدُ:
ينتَسِبُ المتأخِّرون من الأشاعرةِ في الفقهِ إلى أحَدِ الإمامينِ العظيمَينِ: مالكِ بنِ أنسٍ، ومحمَّدِ بنِ إدريسَ الشَّافعيِّ، ويدقِّقون في نقلِ أقوالِهما، ويُقَلِّدونهما، ويجعلونهما حُجَّةً بَيْنَهما وبينَ اللهِ، ويردُّون على من خالفهما، وفي الوقتِ عينِه يخالفُ جمهورُ متأخِّري الأشاعرةِ الإمامينِ في كثيرٍ من أبوابِ الاعتقادِ، مع أنَّ للإمامينِ نصوصًا صريحةً فيها!
حتى قال قائلُهم: (مَن كان في الفُروعِ على مَذهَبِ الشَّافِعيِّ، وفي الأُصولِ على اعْتِقادِ الأشْعَريِّ، فهو مَعْلَمُ الطَّريقِ، وهو على الحَقِّ المُبينِ)[1].
فاعجَبْ لهم؛ يُقلِّدون في الفروعِ، ويخالِفون في الأصولِ!
قال أبو المظفَّرِ منصورُ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ الجبَّارِ السَّمعانيُّ الحنَفيُّ ثمَّ الشَّافعيُّ (ت: 489هـ) بعدَ أن ذَكَر كلامَ الشَّافعيِّ في ذمِّ الكلامِ والحَثِّ على السُّنَّةِ: (وهو الإمامُ الذي لا يُجارى، والفَحلُ الذي لا يقاوَمُ، فلو جاز الرُّجوعُ إليه، وطَلَبُ الدِّينِ من طريقِه، لكان بالتَّرغيبِ فيه أَولى من الزَّجرِ عنه، وبالنَّدبِ إليه أَولى من النَّهيِ عنه؛ فلا ينبغي لأحَدٍ أن ينصُرَ مذهَبَه في الفُروعِ، ثمَّ يَرغَبَ عن طريقتِه في الأُصولِ!)[2].
وقال أبو الحَسَنِ محمَّدُ بنُ عبدِ المَلِكِ الكَرَجيُّ أحدُ أئمَّةِ الشَّافعيَّةِ في كتابِه «الفصولُ في الأصولِ عن الأئمَّةِ الفُحولِ إلزامًا لذوي البِدَعِ والفُضولِ» -وقد ذكر فيه من كلامِ الشَّافعيِّ، ومالكٍ، والثَّوريِّ، وأحمدَ بنِ حنبَلٍ، والبخاريِّ، وسفيانَ بنِ عُيينةَ، وعبدِ اللهِ بنِ المباركِ، والأوزاعيِّ، واللَّيثِ بنِ سعدٍ، وإسحاقَ بنِ راهَوَيهِ، في أصولِ السُّنَّةِ ما يُعرَفُ به اعتقادُهم، وذكَر في تراجمِهم ما فيه تنبيهٌ على مراتبِهم ومكانتِهم في الإسلامِ، وذكَر أنَّه اقتصر في النَّقلِ عنهم دونَ غيرِهم؛ لأنَّهم هم المقتدى بهم والمرجوعُ شرقًا وغربًا إلى مذاهِبِهم، ولأنَّهم أجمعُ لشرائطِ القُدوةِ والإمامةِ من غيرِهم، وأكثَرُ لتحصيلِ أسبابِها وأدواتِها؛ من جودةِ الحفظِ، والبصيرةِ والفِطنةِ، والمعرفةِ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، والسَّندِ والرِّجالِ والأحوالِ، ولغاتِ العرَبِ ومواضِعِها، والتَّاريخِ والنَّاسخِ والمنسوخِ، والمنقولِ والمعقولِ، والصَّحيحِ والمدخولِ، في الصِّدقِ والصَّلابةِ وظُهورِ الأمانةِ والدِّيانةِ ممنَّ سواهم-، ذكرَ هذا كلَّه ثمَّ قال: (إنَّ في النَّقلِ عن هؤلاء إلزامًا للحُجَّةِ على كُلِّ من ينتحِلُ مذهَبَ إمامٍ يخالفُه في العقيدةِ؛ فإنَّ أحدَهما لا محالةَ يُضَلِّلُ صاحبَه أو يُبدِّعُه أو يُكفِّرُه، فانتحالُ مذهبِه مع مخالفتِه له في العقيدةِ مُستنكَرٌ واللهِ شَرعًا وطَبعًا، فمن قال: أنا شافعيُّ الشَّرعِ أشعَريُّ الاعتقادِ، قُلْنا له: هذا من الأضدادِ، لا بل من الارتدادِ؛ إذ لم يكُنِ الشَّافعيُّ أشعريَّ الاعتقادِ. ومن قال: أنا حنبليٌّ في الفروعِ مُعتَزِليٌّ في الأصولِ، قُلْنا: قد ضلَلْتَ إذًا عن سواءِ السَّبيلِ فيما تزعُمُه؛ إذ لم يكُنْ أحمدُ معتزليَّ الدِّينِ والاجتهادِ. قال: وقد افتتَن أيضًا خَلقٌ من المالكيَّةِ بمذاهِبِ الأشعريَّةِ، وهذه واللهِ سُبَّةٌ وعارٌ وفلتةٌ تعودُ بالوبالِ والنَّكالِ وسوءِ الدَّارِ على منتَحِلِ مذاهِبِ هؤلاء الأئمَّةِ الكِبارِ)[3].
وقال ابنُ تَيميَّةَ بعدَ كلامٍ له: (... واعتُبِرَ ذلك بأمورٍ:
أحدُها: أنَّ كلامَ مالكٍ في ذمِّ المبتَدِعةِ وهَجرِهم وعقوبتِهم كثيرٌ، ومن أعظَمِهم عنده الجَهميَّةُ الذين يقولون: إنَّ اللهَ ليس فوقَ العرشِ، وإنَّ اللهَ لم يتكلَّمْ بالقرآنِ كُلِّه، وإنَّه لا يُرى، كما وردت به السُّنَّةُ، وينفون نحوَ ذلك من الصِّفاتِ!
ثمَّ إنَّه كثيرٌ في المتأخِّرين من أصحابِه من يُنكِرُ هذه الأمورَ كما يُنكِرُها فروعُ الجَهميَّةِ، ويجعَلُ ذلك هو السُّنَّةَ، ويجعَلُ القولَ الذي يخالِفُها -وهو قولُ مالكٍ وسائرِ أئمَّةِ السُّنَّةِ- هو البدعةَ، ثمَّ إنَّه مع ذلك يعتقدُ في أهلِ البدعةِ ما قاله مالكٌ! فبدَّل هؤلاء الدِّينَ، فصاروا يطعَنون في أهلِ السُّنَّةِ!
الثَّاني: أنَّ الشَّافعيَّ من أعظَمِ النَّاسِ ذَمًّا لأهلِ الكلامِ ولأهلِ التَّغييرِ، ونهيًا عن ذلك، وجعلًا له من البِدعةِ الخارجةِ عن السُّنَّةِ.
ثمَّ إنَّ كثيرًا من أصحابِه عكَسوا الأمرَ حتى جعَلوا الكلامَ الذي ذمَّه الشَّافعيُّ هو السُّنَّةَ وأصولَ الدِّينِ الذي يجِبُ اعتقادُه وموالاةُ أهلِه، وجعلوا موجِبَ الكتابِ والسُّنَّةِ الذي مدحَه الشَّافعيُّ هو البدعةَ التي يعاقَبُ أهلُها)[4].
وإذا حكى الأشاعرةُ المتأخِّرون في أبوابِ الاعتقادِ كلامًا ونسبُوه للأصحابِ، فإنَّما يعنُون بهم من خاض فيما خاضوا فيه، وإمامُ المذهَبِ وقدماءُ أصحابِه ممَّا يَحكُون بُرآءُ.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (ولمَّا كان الكلامُ في هذه الأبوابِ المبتَدَعةِ مأخوذًا في الأصلِ عن المعتَزِلةِ والجهميَّةِ ونحوِهم، وقد تكلَّم هؤلاء في أوَّلِ الواجباتِ: هل هو النَّظَرُ، أو القصدُ، أو الشَّكُّ، أو المعرفةُ؟ صار كثيرٌ من المنتَسِبين إلى السُّنَّةِ المخالِفين للمُعتَزِلةِ في جُمَلِ أصولِهم يوافقونهم على ذلك.
ثمَّ الواحدُ من هؤلاء إذا انتسب إلى إمامٍ من أئمَّةِ العلمِ، كمالكٍ، وأبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، وصنَّف كتابًا في هذا البابِ، يقولُ فيه: «قال أصحابُنا» و«اختلف أصحابُنا»، فإنَّما يعني بذلك أصحابَه الخائضين في هذا الكلامِ، وليسوا من هذا الوجهِ من أصحابِ ذلك الإمامِ؛ فإنَّ أصحابَه الذين شاركوه في مذهَبِ ذلك الإمامِ إنَّما بَيْنَهم وبين أصحابِه المشارِكين له في ذلك الكلامِ عُمومٌ وخُصوصٌ، فقد يكونُ الرَّجُلُ من هؤلاء دونَ هؤلاء، وبالعَكسِ، وقد يجتمِعُ فيه الوصفانِ.
وهذا موجودٌ كثيرًا في أتباعِ جميعِ الأئمَّةِ؛ فتَجِدُ الواحِدَ من أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ يقولُ: اختلف أصحابُنا في أوَّلِ الواجباتِ، ونحوِ ذلك، ولا يَصِحُّ كلامُه إلَّا على هذا الوَجهِ)[5].
وفيما يلي نورِدُ بعضَ أقوالِ الإمامينِ مالكٍ والشَّافعيِّ في أبوابِ الاعتقادِ ممَّا قد خالف فيه الأشاعِرةُ الإمامَينِ!
مخالفةُ الأشاعرةِ المالكيَّةِ لإمامِهم مالِكِ بنِ أنَسٍ
أوَّلًا: كلامُ الإمامِ مالكٍ في ذَمِّ الكلامِ الذي خاض فيه الأشاعِرةُ ومدَحوه
1- عن محمَّدِ بنِ عقيلِ بنِ الأزهَرِ الفقيهِ، قال: (جاء رجُلٌ إلى المُزَنيِّ، فسأله عن شيءٍ من الكلامِ، فقال: إني أكرَهُ هذا، بل أنهى عنه، كما نهى عنه الشَّافعيُّ، ولقد سمعتُ الشَّافعيَّ يقولُ: سُئِل مالكٌ عن الكلامِ والتَّوحيدِ، فقال مالِكٌ: مُحالٌ أن يُظَنَّ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه علَّم أمَّته الاستنجاءَ ولم يُعلِّمْهم التَّوحيدَ، والتَّوحيدُ ما قاله النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أُمِرتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فإذا قالوها عصموا مني دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحَقِّها، وحسابُهم على اللهِ»[6]، فما عُصِم به الدَّمُ والمالُ فهو حقيقةُ التَّوحيدِ)[7].
2- عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ، قال: (دخلتُ على مالكٍ وعنده رجلٌ يسألُه عن القرآنِ، فقال: لعلَّك من أصحابِ عَمرِو بنِ عُبَيدٍ! لعَنَ اللهُ عَمْرًا؛ فإنَّه ابتدع هذه البِدَعَ من الكلامِ، ولو كان الكلامُ عِلمًا لتكلَّمَ فيه الصَّحابةُ والتَّابعون كما تكلَّموا في الأحكامِ والشَّرائعِ، ولكِنَّه باطلٌ يدُلُّ على باطلٍ!)[8].
3- عن إسحاقَ بنِ عيسى، عن مالِكِ بنِ أنسٍ، قال: (مَن طلب الدِّينَ بالكلامِ تزندَقَ، ومَن طلَب المالَ بالكيمياءِ أفلَسَ، ومَن طلب غريبَ الحديثِ كَذبَ)[9].
4- وقال أبو طالبٍ المكِّيُّ: (كان مالكٌ أبعَدَ النَّاسِ من مذاهِبِ المتكَلِّمين، وأشَدَّهم بغضًا للعراقيِّين[10]، وألزَمَهم لسُنَّةِ السَّالِفين من الصَّحابةِ والتَّابعين)[11].
ثانيًا: كلامُ الإمامِ مالِكٍ في ذمِّ التَّأويلِ وصَرفِ النُّصوصِ عن ظواهِرِها، والأشاعرةُ يوجبونه
1- قال ابنُ نافعٍ وأشهَبُ -وأحدُهما يزيدُ على الآخَرِ-: (قُلتُ يا أبا عبدِ اللهِ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ينظُرون إلى اللهِ؟ قال: نعم، بأعيُنِهم هاتين. فقُلتُ له: فإنَّ قومًا يقولون: لا يُنظَرُ إلى اللهِ، إنَّ {نَاظِرَةٌ}بمعنى منتَظِرةٍ إلى الثَّوابِ!
قال: كذَبوا! بل يُنظَرُ إلى اللهِ، أمَا سَمِعتَ قولَ موسى عليه السَّلامُ: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}؟ أفترى موسى سأل ربَّه مُحالًا؟ فقال الله: {لَنْ تَرَانِي} في الدُّنيا؛ لأنَّها دارُ فناءٍ، ولا يُنظَرُ ما يبقى بما يفنى، فإذا صاروا إلى دارِ البقاءِ نظروا بما يبقى إلى ما يبقى. وقال اللهُ: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15])[12].
2- عن الوليدِ بنِ مُسلِمٍ قال: (سألتُ الأوزاعيَّ وسفيانَ الثَّوريَّ ومالِكَ بنَ أنسٍ واللَّيثَ بنَ سَعدٍ عن هذه الأحاديثِ في الصِّفاتِ والرُّؤيةِ، فقالوا: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيفٍ)[13].
3- قال التِّرمِذيُّ بعد أن روى حديثَ أبي هُرَيرةَ رضي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ يقبَلُ الصَّدَقةَ ويأخُذُها بيَمينِه فيُرَبِّيها لأحَدِكم كما يُرَبِّي أحَدُكم مُهْرَه...))[14]:
(قال غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ في هذا الحديثِ وما يُشبِهُ هذا من الرِّواياتِ من الصِّفاتِ، ونزولِ الرَّبِّ تبارك وتعالى كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، قالوا: قد تثبُتُ الرِّواياتُ في هذا، ويؤمَنُ بها ولا يُتوَهَّمُ، ولا يقالُ: كيف؟
هكذا رُوِي عن مالكٍ، وسفيانَ بنِ عُيَينةَ، وعبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ أنَّهم قالوا في هذه الأحاديثِ: أمِرُّوها بلا كيفٍ، وهكذا قولُ أهلِ العِلمِ من أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ)[15].
ثالثًا: كلامُ الإمامِ مالِكٍ في إثباتِ الصِّفاتِ، والأشاعرةُ يؤلونها
1- عن جَعفَرِ بنِ عَبدِ اللهِ قال: (كنَّا عِندَ مالِكِ بنِ أنَسٍ فجاءه رجلٌ، فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ قال: فما رأيتُ مالِكًا وَجَد مِن شَيءٍ ما وَجَد من مسألتِه! فنظر إلى الأرضِ وجَعَل ينكُتُ بعودٍ في يَدِه حتَّى علاه الرُّحَضاءُ -يعني العَرَقَ- ثمَّ رفَع رأسَه ورمى بالعودِ، وقال: الكيفُ منه غيرُ معقولٍ، والاستواءُ منه غيرُ مجهولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنه بدعةٌ، وأظنُّك صاحِبُ بدعةٍ، وأمَر به فأُخرِجَ)[16].
2- عن عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ قال: قال مالكُ بنُ أنَسٍ رحمه اللهُ: (اللهُ عزَّ وجَلَّ في السَّماءِ، وعِلمُه في كُلِّ مكانٍ، لا يخلو من عِلمِه مكانٌ)[17]. والأشاعرةُ لا يُثبتون لله العلو وينفون أنه سبحانه في السماء.
3- وقد روى الإمامُ في تضاعيفِ «الموطَّأِ» جملةً من أحاديثِ الصِّفاتِ، ومن ذلك ما رواه عن هلالِ بنِ أُسامةَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن عُمَرَ بنِ الحَكَمِ، أنَّه قال: ((أتيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ جاريةً لي كانت ترعى غنَمًا لي، فجِئتُها وقد فقَدَت شاةً من الغَنَمِ، فسألتُها عنها فقالت: أكلَها الذِّئبُ! فأسِفْتُ عليها، وكُنتُ من بني آدَمَ فلطَمْتُ وجهَها وعليَّ رَقَبةٌ، أفأُعتِقُها؟ فقال لها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أين اللهُ؟ فقالت: في السَّماءِ. فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسولُ اللهِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أعتِقْها))[18].
4- وروى في «الموطَّأِ» عن ابنِ شهابٍ، عن أبي عبدِ اللهِ الأغَرِّ، وعن أبي سلَمةَ، عن أبي هُرَيرةَ رضي اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يَنزِلُ رَبُّنا تبارك وتعالى كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ يبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، فيقولُ: من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألُني فأعطيَه؟ من يستغفِرُني فأغفِرَ له؟))[19].
قال ابنُ عبدِ البَرِّ المالكيِّ في شَرحِ الموطَّأِ: (هذا حديثٌ ثابتٌ من جهةِ النَّقلِ صَحيحُ الإسنادِ لا يختَلِفُ أهلُ الحديثِ في صِحَّتِه... وهو حديثٌ منقولٌ من طُرُقٍ متواترةٍ ووجوهٍ كثيرةٍ من أخبارِ العدولِ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم... وفيه دليلٌ على أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ في السَّماءِ على العرشِ من فوقِ سَبعِ سَمواتٍ، كما قالت الجماعةُ، وهو من حجَّتِهم على المُعتَزِلةِ والجَهميَّةِ في قولِهم: إنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ في كُلِّ مكانٍ، وليس على العَرشِ!)[20]، إلى أن قال: (أهلُ السُّنَّةِ مُجمِعون على الإقرارِ بالصِّفاتِ الواردةِ كُلِّها في القرآنِ والسُّنَّةِ، والإيمانِ بها، وحَملِها على الحقيقةِ لا على المجازِ، إلَّا أنَّهم لا يُكيِّفونَ شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّونَ فيه صفةً محصورةً، وأمَّا أهلُ البِدَعِ والجَهميَّةُ والمُعتَزِلةُ كُلُّها والخوارجُ فكُلُّهم يُنكِرُها، ولا يحمِلُ شيئًا منها على الحقيقةِ، ويَزعُمونَ أنَّ مَن أقَرَّ بها مُشَبِّهٌ، وهم عند مَن أثبَتَها نافونَ للمَعبودِ، والحَقُّ فيما قاله القائِلونَ بما نَطَق به كِتابُ اللهِ وسُنَّةُ رَسولِه، وهم أئمَّةُ الجَماعةِ، والحَمدُ للهِ)[21].
5- وعن أبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ إدريسَ الشَّافعيِّ قال: (القَولُ في السُّنَّةِ التي أنا عليها، ورأيتُ أصحابَنا عليها أهلَ الحديثِ الذين رأيتُهم فأخذتُ عنهم؛ مِثلُ: سُفيانَ ومالكٍ وغَيرِهما: الإقرارُ بشَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رَسولُ اللهِ، وأنَّ اللهَ على عَرْشِه في سمائِه يَقرُبُ مِن خَلْقِه كيف شاء، وأنَّ اللهَ تعالى ينزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا كيف شاء...) وذكَر سائِرَ الاعتقادِ[22].
6- قال التِّرمِذيُّ بعدَ أن روى حديثَ أبي هُرَيرةَ رضي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يمينُ الرَّحمنِ ملأى سَحَّاءُ لا يَغيضُها اللَّيلُ والنَّهارُ. قال: أرأيتُم ما أنفق منذُ خَلَق السَّمواتِ والأرضَ؟! فإنَّه لم يَغِضْ ما في يميِنه، وعَرشُه على الماءِ، وبيَدِه الأخرى الميزانُ يرفَعُ ويخفِضُ))[23]. قال التِّرمذيُّ: (هذا حديثٌ قد روته الأئمَّةُ، نؤمِنُ به كما جاء من غيرِ أن يُفَسَّرَ أو يُتوَهَّمَ، هكذا قال غيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ؛ الثَّوريُّ، ومالِكُ بنُ أنَسٍ، وابنُ عُيَينةَ، وابنُ المبارَكِ: إنَّه تُروى هذه الأشياءُ ويؤمَنُ بها ولا يُقالُ: كيف)[24].
7- عن زُهَيرِ بنِ عَبَّادٍ قال: (كُلُّ من أدرَكْتُ من المشايخِ: مالِكٌ، وسُفيانُ، وفُضَيلُ بنُ عِياضٍ، وعيسى، وابنُ المبارَكِ، ووكيعٌ، كانوا يقولون: النُّزولُ حَقٌّ)[25].
8- عن عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ قال: كان مالِكُ بنُ أنَسٍ يقولُ: (كَلَّم اللهُ موسى بنَ عِمرانَ)[26].
9- عن ابنِ القاسِمِ قال: (سأل أبو السَّمحِ مالِكًا فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، أيُرى اللهُ يومَ القيامةِ؟ فقال: نعم؛ يقولُ اللهُ عزَّ وجَلَّ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23-23]، وقال لقومٍ آخرينَ: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15])[27]. والأشاعرةُ ينكرون رؤيةَ المؤمنين ربَّهم يوم القيامة.
10- وقال مالكٌ: (لو لم يَرَ المُؤمِنون رَبَّهم يومَ القيامةِ لم يُعَيِّرِ اللهُ الكُفَّارَ بالحجابِ، فقال: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15])[28].
11- وعن عبدِ اللهِ بنِ وَهبٍ قال: قال مالكُ بنُ أنَسٍ: (النَّاسُ يَنظُرون اللهَ عزَّ وجَلَّ يومَ القيامةِ بأعيُنِهم)[29].
رابعًا: كلامُ الإمامِ مالكٍ في أنَّ الإيمانَ قَولٌ وعَمَلٌ، والأشاعرةُ يقولون الإيمان هو التَّصْديقُ
1- عن عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ قال: (كان مالكٌ يقولُ: الإيمانُ قولٌ وعمَلٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ)[30].
2- قال ابنُ القاسِمِ: (قلنا لمالِكٍ: فالإيمان قَولٌ وعَمَلٌ، أو قَولٌ بلا عَمَلٍ؟ قال مالِكٌ: بل قَولٌ وعَمَلٌ)[31].
3- عن عبدِ الرَّزَّاقِ، قال: (سمعت مَعْمَرًا، وسفيانَ الثَّوريَّ، ومالِكَ بنَ أنَسٍ، وابنَ جُرَيجٍ، وسُفيانَ بنَ عُيَينةَ يقولون: الإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ)[32].
4- عن أبي داودَ السِّجِسْتانيِّ قال: (سمعتُ أحمَدَ بنَ حنبَلٍ رحمه اللهُ يقولُ: الإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ. قال أحمدُ: وبلغني أنَّ مالِكَ بنَ أنَسٍ، وابنَ جُرَيجٍ، وفُضَيلَ بنَ عِياضٍ، قالوا: الإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ)[33].
5- قال مالكٌ: (سمَّى اللهُ عزَّ وجَلَّ العَمَلَ إيمانًا، وقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]، يريد: صلاتَكم إلى بيتِ المقدِسِ)[34].
6- قال أبو عُبَيدٍ القاسِمُ بنُ سَلامٍ في كتابِ «الإيمان»: (بابُ الزِّيادةِ في الإيمانِ والانتقاصِ منه... وبهذا القولِ كان يأخُذُ سُفيانُ والأوزاعيُّ ومالِكُ بنُ أنَسٍ، يرون أعمالَ البِرِّ جميعًا من الازديادِ في الإسلامِ؛ لأنَّها كلَّها عندَهم منه، وحُجَّتُهم في ذلك ما وصَف اللهُ به المُؤمِنين في خمسةِ مواضِعَ من كتابِه؛ منه قَولُه: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، وقولُه: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31]، وقولُه: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]، وموضِعانِ آخرانِ قد ذكَرْناهما في البابِ الأوَّلِ، فاتَّبَعَ أهلُ السُّنَّةِ هذه الآياتِ وتأوَّلوها أنَّ الزِّياداتِ هي الأعمالُ الزَّاكيةُ)[35].
7- عن إسحاقَ الفَرويِّ قال: (جئتُ عِندَ مالكٍ قال: الإيمانُ يَزيدُ ويَنقُصُ؛ قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]، وقال إبراهيمُ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]، قال: فطُمَأنينةُ قَلبِه زيادةٌ في إيمانِه)[36].
مخالفةُ الأشاعرةِ الشَّافعيَّةِ لإمامِهم محمَّدِ بنِ إدريسَ الشَّافعيِّ
أوَّلًا: كلامُ الشَّافعيِّ في ذَمِّ الكلامِ الذي خاض فيه الأشاعِرةُ ومدَحوه
1- عن أبي ثَورٍ قال: سمعتُ الشَّافعيَّ يقولُ: (ما تردَّى أحدٌ بالكلامِ فأفلَحَ)[37].
2- وعن يونُسَ بنِ عبدِ الأعلى، عن الشَّافعيِّ قال: (لقد اطَّلعتُ من أهلِ الكلامِ على شيءٍ، واللهِ ما توهَّمتُه قَطُّ، ولأن يُبتلى المرءُ بجميعِ ما نهى اللهُ عنه خلا الشِّركَ باللهِ خيرٌ من أن يبتليَه اللهُ بالكلامِ)[38].
3- عن الحسَنِ بنِ عبدِ العزيزِ الجَرويِّ، قال: (كان الشَّافعيُّ ينهى النَّهيَ الشَّديدَ عن الكلامِ في الأهواءِ)[39].
4- عن محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكَمِ، قال: (كان الشَّافعيُّ بعد أن ناظر حفصًا الفَردَ[40] يكرهُ الكلامَ، وكان يقولُ: لأن يُفتيَ العالِمُ فيقالَ: أخطأ العالِمُ، خيرٌ له من أن يتكلَّمَ فيقالَ: زِنديقٌ! وما شيءٌ أبغَضَ إليَّ من الكلامِ وأهلِه)[41].
قال الذَّهبيُّ مُعلِّقًا: (هذا دالٌّ على أنَّ مذهَبَ أبي عبدِ اللهِ أنَّ الخطأَ في الأصولِ ليس كالخطأِ في الاجتهادِ في الفروعِ)[42].
5- عن محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكَمِ قال: سمعتُ الشَّافعيَّ يقولُ: (لو عَلِم النَّاسُ ما في الكلامِ والأهواءِ لفرُّوا منه كما يفرُّون من الأسدِ)[43].
6- عن يونُسَ بنِ عبدِ الأعلى قال: سمعتُ الشَّافعيَّ يقولُ: (إذا سمِعتَ الرَّجُلَ يقولُ: الاسمُ غيرُ المسمَّى، أو الشَّيءُ غيرُ المُشَيَّا، فاشهَدْ عليه بالزَّندقةِ)[44].
7- عن الرَّبيعِ بنِ سُلَيمانَ المراديِّ قال: (رأيتُ الشَّافعيَّ وهو نازِلٌ من الدَّرجةِ، وقومٌ في المجلسِ يتكلَّمون بشيءٍ من الكلامِ، فصاح، فقال: إمَّا أن تجاوِرونا بخيرٍ، وإمَّا أن تقوموا عنَّا)[45].
8- عن الحُسَينِ بنِ عليٍّ أنَّه سمعَ الشَّافعيَّ يقولُ: (حُكمي في أهلِ الكلامِ حُكمُ عُمَرَ رَضِي اللهُ عنه في صَبِيغٍ[46])[47].
9- عن محمَّدِ بنِ عقيلِ بنِ الأزهَرِ الفقيهِ قال: (جاء رجُلٌ إلى المُزَنيِّ، فسأله عن شيءٍ من الكلامِ، فقال: إني أكرَهُ هذا، بل أنهى عنه، كما نهى عنه الشَّافعيُّ)[48].
ثانيًا: كلامُ الشَّافعيِّ في وجوبِ التَّسليمِ للنُّصوصِ، وعَدَمِ تقديمِ العقلِ على النَّقلِ، خلافًا للأشاعِرة
1- قال الشَّافعيُّ: (وليس في سُنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا اتِّباعُها بفَرضِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، والمسألةُ بكيفَ في شيءٍ قد ثبتت فيه السُّنَّةُ ما لا يسَعُ عالِمًا، واللهُ أعلَمُ)[49].
2- وقال: (إنَّ للعقلِ حَدًّا ينتهي إليه، كما أنَّ للبصَرِ حَدًّا ينتهي إليه)[50].
3- عن محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ الجَوهريِّ قال: (كنتُ عِندَ سُفيانَ بنِ عُيَينةَ، فقيل له: هاهنا فتًى -يعنون: الشَّافعيَّ- يقولُ: عليكم بحديثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ودَعوا الرَّأيَ، فقال سفيانُ: جزى اللهُ هذا من فتًى خيرًا)[51].
ثالثًا: كلامُ الشَّافعيِّ في ردِّ التَّأويلِ وصَرفِ النُّصوصِ عن ظواهِرِها دونَ حُجَّةٍ والأشاعرةُ يوجبونه
1- قال الشَّافعيُّ: (القرآنُ على ظاهرِه حتَّى تأتيَ دَلالةٌ منه أو سُنَّةٌ أو إجماعٌ بأنَّه على باطِنٍ دونَ ظاهرٍ)[52].
2- ومن قولِ الشَّافعيِّ كذلك: (الحديثُ على عمومِه وظهورِه وإن احتَمَل معنًى غيرَ العامِّ والظَّاهِرِ، حتَّى تأتيَ دَلالةٌ على أنَّه خاصٌّ دونَ عامٍّ، وباطنٌ دونَ ظاهِرٍ)[53].
3- وقال: (الأصلُ قرآنٌ أو سُنَّةٌ، فإن لم يكُنْ فقياسٌ عليهما، وإذا اتَّصل الحديثُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصحَّ الإسنادُ به، فهو سُنَّةٌ. والإجماعُ: أكبَرُ من الخبرِ المنفَرِدِ. والحديثُ على ظاهِرِه، وإذا احتمل الحديثُ المعانيَ فما أشبَهَ منها ظاهِرَ الأحاديثِ أولاها به، وإذا تكافأت الأحاديثُ فأصحُّها إسنادًا أَولاها)[54].
رابعًا: كلامُ الشَّافعيِّ في إثباتِ الصِّفاتِ، والأشاعرةُ يؤلونها
قال ابنُ كثيرٍ الشَّافعيُّ عن الإمامِ الشَّافعيِّ: (قد روى عنه الرَّبيعُ وغيرُ واحدٍ من رُؤوسِ أصحابِه ما يدُلُّ على أنَّه كان يمرُّ بآياتِ الصِّفاتِ وأحاديثِها كما جاءت من غيرِ تكييفٍ ولا تشبيهٍ، ولا تعطيلٍ ولا تحريفٍ، على طريقةِ السَّلَفِ)[55].
1- عن أبي شُعَيبٍ وأبي ثَورٍ عن أبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ إدريسَ الشَّافعيِّ، قال: (القولُ في السُّنَّةِ التي أنا عليها، ورأيتُ أصحابَنا عليها، أهلَ الحديثِ الذين رأيتُهم فأخذتُ عنهم؛ مِثلُ سُفيانَ، ومالكٍ، وغيرِهما: الإقرارُ بشَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رَسولُ اللهِ، وأنَّ اللهَ على عَرْشِه في سمائِه يَقرُبُ مِن خَلْقِه كيف شاء، وأنَّ اللهَ تعالى ينزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا كيف شاء...) وذكَر سائِرَ الاعتقادِ[56].
2- عن يونُسَ بنِ عبدِ الأعلى قال: سمِعتُ أبا عبدِ اللهِ محمَّدَ بنَ إدريسَ الشَّافعيَّ رَضِيَ اللهُ عنه يقولُ، وقد سُئِل عن صفاتِ اللهِ تعالى وما يؤمِنُ به، فقال: (للهِ تعالى أسماءٌ وصِفاتٌ جاء بها كتابُه وأخبر بها نبيُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَّتَه، لا يَسَعُ أحَدًا مِن خَلقِ اللهِ تعالى قامت عليه الحُجَّةُ رَدُّها؛ لأنَّ القرآنَ نَزَل بها، وصَحَّ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القولُ بها فيما روى عنه العُدولُ، فإن خالف ذلك بعدَ ثبوتِ الحُجَّةِ عليه فهو كافِرٌ، فأمَّا قبلَ ثُبوتِ الحُجَّةِ فمعذورٌ بالجَهلِ؛ لأنَّ عِلمَ ذلك لا يُدرَكُ بالعقلِ ولا بالرُّؤيةِ والفِكرِ، ولا نُكَفِّرُ بالجهلِ بها أحدًا إلَّا بعدَ انتهاءِ الخبرِ إليه بها، ونُثبِتُ هذه الصِّفاتِ، وننفي عنها التَّشبيهَ، كما نفى التَّشبيهَ عن نفسِه، فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ })[57].
3- عن الرَّبيعِ بنِ سُلَيمانَ قال: (سمِعتُ الشَّافعيَّ يقولُ في قولِ اللهِ عزَّ وجَلَّ {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]: أعلَمَنا بذلك أنَّ ثَمَّ قومًا غيرَ محجوبين ينظُرون إليه لا يُضامُون في رؤيتِه، وهم المُؤمِنون، كما جاء عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: «تَرَون رَبَّكم عزَّ وجَلَّ يومَ القيامةِ كما ترَونَ الشَّمسَ لا تُضامُون في رؤيتِها»[58])[59].
4- عن الرَّبيعِ بنِ سُلَيمانَ قال: (حضرتُ محمَّدَ بنَ إدريسَ الشَّافعيَّ وقد جاءته رُقعةٌ من الصَّعيدِ فيها: ما تقولُ في قولِ اللهِ تبارك وتعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]؟ قال الشَّافعيُّ: فلمَّا أن حُجِبوا هؤلاء في السَّخَطِ كان في هذا دليلٌ على أنَّهم يرونه في الرِّضا، قال الرَّبيعُ: قُلتُ: يا أبا عبدِ اللهِ، وبه تقولُ؟ قال: نعم، وبه أَدِينُ اللهَ، لو لم يوقِنْ محمَّدُ بنُ إدريسَ أنَّه يَرى اللهَ لَمَا عبدَ اللهَ تعالى)[60].
5- قال المُزَنيُّ: (سمِعتُ ابنَ هَرَمٍ القُرَشيَّ يقولُ: سَمِعتُ الشَّافعيَّ يقولُ في قولِ اللهِ عزَّ وجَلَّ: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] قال: فلمَّا حجَبَهم في السَّخَطِ كان هذا دليلًا على أنَّهم يرونه في الرِّضا.
قال: فقال أبو النَّجمِ القزوينيُّ: يا أبا إبراهيمَ، به تقولُ؟ قال: نعم، وبه أَدينُ اللهَ عزَّ وجَلَّ. قال: فقام إليه عصامٌ وقَبَّل رأسَه، وقال: يا سَيِّدَ الشَّافعيِّينَ، اليومَ بيَّضْتَ وُجوهَنا)[61].
6- وقال الشَّافِعيُّ: (معنى قَولِه في الكِتابِ: {مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16، 17]، مَن فوقَ السَّماءِ على العرشِ، كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، الآية، وكُلُّ ما علا فهو سماءٌ، والعَرشُ أعلى السَّمواتِ؛ فهو على العَرشِ سُبحانَه وتعالى كما أخبَرَ بلا كيفٍ، بائنٌ مِن خَلقِه، غيرُ مماسٍّ مِن خَلقِه، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] )[62].
خامسًا: كلامُ الشَّافعيِّ في الأخذِ بخبرِ الآحادِ في أبوابِ العقيدةِ، والأشاعرةُ يردُّونَه
كلامُ الشَّافعيِّ في هذا البابِ كثيرٌ جِدًّا، فلنقتَصِرْ منه على الآتي:
1- قال الشَّافعيُّ: (تثبيتُ خبرِ الواحِدِ أقوى من أن أحتاجَ إلى أن أمثِّلَه بغيرِه، بل هو أصلٌ في نفسِه... فإن قالَ قائِلٌ: اذْكُرِ الحُجَّةَ في تَثْبيتِ خَبَرِ الواحِدِ بنَصِّ خَبَرٍ، أو دَلالةٍ فيه، أو إجْماعٍ، قُلتُ له: أخبَرَنا سُفيانُ عن عَبدِ المَلِكِ بنِ عُمَيرٍ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ قال: «نَضَّرَ اللهُ عَبدًا سَمِعَ مَقالتي فحَفِظَها ووَعاها وأدَّاها، فرُبَّ حامِلِ فِقهٍ غَيرُ فقيهٍ، ورُبَّ حامِلِ فِقهٍ إلى مَن هو أفقَهُ منه»[63]...، فلمَّا نَدَبَ رَسولُ اللهِ إلى استِماعِ مَقالتِه وحِفظِها وأدائِها امرَأً يُؤَدِّيها، والمَرءُ واحِدٌ، دَلَّ على أنَّه لا يأمُرُ أن يُؤَدَّى عنه إلَّا ما تقومُ به الحُجَّةُ على من أدَّى إليه؛ لأنَّه إنَّما يُؤَدَّى عنه حَلالٌ، وحَرامٌ يُجتَنَبُ، وحَدٌّ يُقامُ، ومالٌ يُؤخَذُ ويُعطى، ونَصيحةٌ في دينٍ ودُنْيا)[64].
2- وقال: (في كتابِ اللهِ تبارك وتعالى دليلٌ على ما وصَفتُ:
قال اللهُ: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1].
وقال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [هود: 25، والمُؤمِنون: 23، والعنكبوت: 14].
وقال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} [النساء 163].
وقال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف 65، وهود 50].
وقال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف 73، وهود 61].
وقال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف 85، وهود 84، والعنكبوت 36].
وقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [لشعراء 160 - 163].
وقال لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} [النساء 163].
وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران 144].
فأقام جلَّ ثناؤه حُجَّتَه على خلقِه في أنبيائِه في الأعلامِ التي باينوا بها خَلقَه سِواهم، وكانت الحُجَّةُ بها ثابتةً على من شاهد أمورَ الأنبياءِ ودلائِلَهم التي باينوا بها غيرَهم، ومن بَعدَهم، وكان الواحِدُ في ذلك وأكثَرُ منه سواءً، تقومُ الحُجَّةُ بالواحدِ منهم قيامًا بالأكثَرِ.
قال: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} [يس: 13 - 15].
فظاهَرَ الحُجَجَ عليهم باثنينِ ثمَّ ثالِثٍ، وكذا أقام الحُجَّةَ على الأممِ بواحدٍ، وليس الزِّيادةُ في التَّأكيدِ مانعةً أن تقومَ الحُجَّةُ بالواحدِ؛ إذ أعطاه ما يُباينُ به الخَلقَ غيرَ النَّبيِّين)[65].
2- وقال بعدَ أن ذكَر أحاديثَ في هذا البابِ: (وفي تثبيتِ خبرِ الواحِدِ أحاديثُ، يكفي بعضُ هذا منها، ولم يَزَلْ سبيلُ سَلَفِنا والقُرونِ بعدَهم إلى مَن شاهَدْنا هذا السَّبيلَ، وكذلك حُكي لنا عمَّن حُكي لنا عنه من أهلِ العِلمِ بالبُلدانِ)، ثمَّ عدَّد أسماءَ جملةٍ من الصَّحابةِ والتَّابعين ومحَدِّثي النَّاسِ، وأعلامِهم بالأمصارِ، قال: (كُلُّهم يُحفَظُ عنه تثبيتُ خَبَرِ الواحِدِ عن رسولِ اللهِ، والانتهاءُ إليه، والإفتاءُ به، ويَقبَلُه كُلُّ واحدٍ منهم عمَّن فوقَه، ويَقبَلُه عنه مَن تحتَه.
ولو جاز لأحَدٍ من النَّاسِ أن يقولَ في عِلمِ الخاصَّةِ: أجمع المُسلِمون قديمًا وحديثًا على تثبيِت خَبَرِ الواحِدِ، والانتهاءِ إليه، بأنَّه لم يُعلَمْ من فقهاءِ المسلِمين أحدٌ إلَّا وقد ثبَّته، جاز لي.
ولكِنْ أقولُ: لم أحفَظْ عن فُقَهاءِ المسلِمين أنَّهم اختلفوا في تثبيتِ خبَرِ الواحِدِ بما وصَفتُ من أنَّ ذلك موجودٌ على كُلِّهم)[66].
سادسًا: كلامُ الشَّافعيِّ في أنَّ الإيمانَ قَولٌ وعَمَلٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ، والأشاعرةُ يقولون الإيمان هو التَّصْديقُ
1- عن الرَّبيعِ بنِ سُلَيمانَ قال: سمعتُ الشَّافعيَّ يقولُ: (الإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ)[67].
2- عن أبي عُثمانَ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ الشَّافعيِّ قال: (سمِعتُ أبي محمَّدَ بنَ إدريسَ الشَّافعيَّ يقولُ ليلةً للحُمَيديِّ: ما يُحتَجُّ عليهم -يعني: أهلَ الإرجاءِ- بآيةٍ أحَجَّ من قولِه عزَّ وجَلَّ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5])[68].
3- عن أبي حاتمٍ قال: سمِعتُ حَرملةَ بنَ يحيى: (تناظَرَ رجلانِ بحضرةِ الشَّافعيِّ بمصرَ في دارِ ابنِ الجرويِّ في الإيمانِ، فقال أحَدُهما: إنَّ الإيمانَ قولٌ، فحَمِي الشَّافعيُّ من ذلك، وتقلَّد المسألةَ على أنَّ الإيمانَ قَولٌ وعَمَلٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ. فطَحَن الرَّجُلَ وقَطَعه)[69].
نسألُ اللهَ العَليَّ القَديرَ أنْ يُرِيَنا الحَقَّ حقًّا ويَرزُقَنا اتِّباعَه،
وأنْ يُرِيَنا الباطِلَ باطلًا ويَرزُقَنا اجتِنابَه.
والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين
[1] وهو أبو إسْحاقَ الشِّيرازيُّ (ت: 476هـ) الفَقيهُ الشَّافِعيُّ المَشْهورُ، يُنظر: ((الإشارة إلى مذهب أهل الحقِّ)) له (ص: 405).
وقد اختَلَف الباحثون في عَقيدةِ أبي إسحاقَ الشِّيرازيِّ: هل كان أشْعَريًّا أو لا؟ فهذا النَّقْلُ من كِتابِه يَدُلُّ على أنَّه أشْعَريٌّ، وتوجَدُ نُقولٌ عنه أُخْرى تدُلُّ على أنَّه ليس أشْعَريًّا. فاللهُ أعلَمُ.
يُنظر: مقدمة محقق كتاب ((النكت في المسائل المختلف فيها بين الشافعي وأبي حنيفة للشيرازي)) (ص: 31 - 33).
[2] يُنظر: ((صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام)) للسيوطي (ص: 201).
[3] ((القطوف من الفصول في الأصول)) (ص: 17، 18).
[4] ((الاستقامة)) (1/14، 15).
[5] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (4/175-177).
[6] أخرجه مسلم (21) من حديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه.
[7] ((أحاديث في ذم الكلام وأهله)) لأبي الفضل المقرئ (ص: 91، 92).
[8] ((أحاديث في ذم الكلام وأهله)) لأبي الفضل المقرئ (ص: 96، 97)، ((ذم الكلام وأهله)) لأبي إسماعيل الهروي (5/72، 73)، ((شرح السنة)) للبغوي (1/217).
[9] المصدر السابق: (5/71).
[10] يعني الذين خاضوا في الفِتَنِ والكلامِ.
[11] ((ترتيب المدارك وتقريب المسالك)) للقاضي عياض (2/39). ويُنظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبد البر (2/938).
[12] ((ترتيب المدارك وتقريب المسالك)) للقاضي عياض المالكي (2/42).
[13] يُنظر: ((الشريعة)) للآجري (3/1146)، ((الصفات)) للدارقطني (ص: 44)، ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (7/242)، ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (3/ 558، 582)، ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (2/377)، ((جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبد البر (2/943)، ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 36)، ((الاستذكار)) لابن عبد البر (2/513)، ((شرح السنة)) للبغوي (1/171).
[14] أخرجه الترمذي (662) واللفظ له، وأحمد (9245)
صححه الترمذي، وابن حبان في ((صحيحه)) (3316)، والحاكم على شرط الشيخين في ((المستدرك)) (3283)، وابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (2/119)، والمنذري في ((الترغيب والترهيب)) (2/54).
وأصل الحديث في صحيح البخاري (1410)، ومسلم (1014).
[15] ((سنن الترمذي)) (3/41، 42).
[16] ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)) لأبي نعيم (6/325، 326)، ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (3/441)، ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (2/304، 305).
قال ابنُ تَيميَّةَ: (هذا الجوابُ من مالكٍ رحمه اللهُ في الاستواءِ شافٍ كافٍ في جميعِ الصِّفاتِ؛ مِثلُ النُّزولِ والمجيءِ، واليدِ والوجهِ وغيرِها، فيقالُ في مِثلِ النُّزولِ: النُّزولُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنه بدعةٌ. وهكذا يُقالُ في سائِرِ الصِّفاتِ؛ إذ هي بمثابةِ الاستواءِ الواردِ به الكتابُ والسُّنَّةُ). ((مجموع الفتاوى)) (4/4).
[17] ((السنة)) لعبد الله بن أحمد (1/107، 174، 280)، ((الشريعة)) للآجري (3/1076، 1077)، ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (7/153، 154)، ((التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)) لابن عبد البر (7/138)، ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 35)، ((إثبات صفة العلو)) لابن قدامة (ص: 166). ويُنظر: ((الرسالة)) للقيرواني (ص: 5).
[18] أخرجه مالك (2/776)، وأصله في صحيح مسلم (537) من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه.
[19] أخرجه مالك (1/214).
والحديث أخرجه البخاري (7494)، ومسلم (758).
[20] ((التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)) (7/128، 129).
[21] المصدر السابق (7/145).
فهذا شرحٌ لإمامٍ من أئمَّةِ المالكيَّةِ يشرَحُ فيه حديثًا في الموطَّأِ للإمامِ مالكٍ، وينقُلُ فيه الإجماعَ وأنَّه قولُ الجماعةِ، فلا يمكِنُ ألَّا يكونَ إمامُه الإمامُ مالِكٌ داخلًا في الإجماعِ والجماعةِ.
[22] ((إثبات صفة العلو)) لابن قدامة (ص: 180، 181)، ((العرش)) للذهبي (2/289، 290)، ((العلو للعلي الغفار)) للذهبي (ص: 165).
[23] أخرجه الترمذي (3045) وصحَّحه.
وأخرجه البخاري (7419)، ومسلم (993) بلفظِ: ((يمينُ الله))؛ ولفظ البخاري عن أبي هُريرةَ عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إنَّ يمينَ الله مَلْْأى لا يَغيضُها نفقةٌ، سَحَّاءُ اللَّيلَ والنَّهارَ، أرأيتُم ما أنْفَق منذُ خلقَ السَّمواتِ والأرضَ، فإنَّه لم يَنقُصْ ما في يمينِه، وعرشُه على الماءِ، وبيدِه الأُخرى الفَيْضُ -أو القبضُ- يَرفَعُ ويَخفِضُ)).
[24] ((سنن الترمذي)) (5/250، 251).
[25] ((أصول السنة)) لابن أبي زمنين (ص: 113)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تَيميَّةَ (5/56).
[26] ((سيرة الإمام أحمد بن حنبل)) لصالح بن أحمد (ص: 66)، ((السنة)) لعبد اللهِ بن أحمد (1/280)، ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (6/319).
[27] ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 36)، ((البيان والتحصيل)) لابن رشد الجد (18/478). ويُنظر: ((الجامع)) لابن أبي زيد القيرواني (ص: 123، 124).
[28] ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (3/518)، ((شرح السنة)) للبغوي (15/230).
[29] ((الشريعة)) للآجري (2/984)، ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (3/ 555)، ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)) لأبي نعيم (6/326). ويُنظر: ((شرح السنة)) للبغوي (15/230).
[30] يُنظر: ((السنة)) لعبد الله بن أحمد (1/174)، ((الشريعة)) للآجري (2/608)، ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)) لأبي نعيم (6/327)، ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (5/1030)، ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 36).
[31] ((البيان والتحصيل)) لابن رشد الجد (18/585).
[32] ((الشريعة)) للآجري (2/606، 641)، ((شعار أصحاب الحديث)) لأبي أحمد الحاكم (ص: 28)، ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (2/813)، ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (5/1028، 1029)، ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 34).
[33] ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (2/813).
[34] ((الجامع)) لابن أبي زيد القيرواني (ص: 123).
وفي ((الرسالة)) لابن أبي زيدٍ القيروانيِّ (ص: 8): (الإيمانُ قولٌ باللِّسانِ، وإخلاصٌ بالقلبِ، وعَمَلٌ بالجوارحِ، يزيدُ بزيادةِ الأعمالِ، وينقُصُ بنَقصِها، فيكونُ فيها النَّقصُ وبها الزِّيادةُ، ولا يَكمُلُ قولُ الإيمانِ إلَّا بالعَمَلِ، ولا قولٌ وعَمَلٌ إلَّا بنيَّةٍ، ولا قولٌ وعَمَلٌ ونيَّةٌ إلَّا بموافقةِ السُّنَّةِ).
[35] ((الإيمان)) للقاسم بن سلام (ص: 44).
[36] ((شعار أصحاب الحديث)) لأبي أحمد الحاكم (ص: 29). ويُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (5/1031).
[37] ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص: 142، 143)، ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (1/165، 166)، ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)) لأبي نعيم (9/111)، ((أحاديث في ذم الكلام وأهله)) لأبي الفضل المقرئ (ص: 102، 103)، ((شرح السنة)) للبغوي (1/217).
[38] ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص: 137)، ((أحاديث في ذم الكلام وأهله)) لأبي الفضل المقرئ (ص: 81)، ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (1/453، 454)، ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 78)، ((شرح السنة)) للبغوي (1/217).
[39] ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص: 142).
[40] حفْصٌ الفَرد: من المجْبِرة ومن أكابِرِهم، ويُكَنَّى أبا عمرو وكان من أهلِ مصر. يُنظر: ((الفهرست)) للنَّديم (ص: 223).
[41] ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (51/310).
[42] ((سير أعلام النبلاء)) (10/19).
[43] ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)) لأبي نعيم (9/111)، ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 79).
[44] ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 79).
[45] ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص: 141).
[46] يعني: الضَّربَ ومنع جلوس النَّاس معه حتى يتوب.
[47] ((تاريخ الإسلام)) (5/162)، ((سير أعلام النبلاء)) (10/29) كلاهما للذهبيِّ، ((طبقات الشافعية)) لابن كثير (1/47).
[48] ((أحاديث في ذم الكلام وأهله)) لأبي الفضل المقرئ (ص: 91، 92).
[49] ((الأم)) (2/125)، ((الشريعة)) للآجري (3/1127)، ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (7/240، 241).
وروى أبو نُعَيمٍ في ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)) (9/141) عن إبراهيمَ بنِ محمَّدٍ الشَّافعيِّ، قال: سَمِعتُ ابنَ إدريسَ الشَّافعيَّ يقولُ: (قال ابنُ عبَّاسٍ لرجُلٍ: أيُّ شيءٍ هذا؟ فأخبره، قال: ثمَّ أراه شيئًا أبعَدَ منه، فقال: أيُّ شيءٍ هذا؟ قال: انقطَعَ الطَّرْفُ دونَه! قال: فكما جُعِل لطَرْفِك حدٌّ ينتهي إليه، كذلك جُعِل لعقلِك حَدٌّ ينتهي إليه!).
[50] ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص: 207)، ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (2/187).
[51] ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 71).
[52] ((الرسالة)) (1/580).
[53] ((الأم)) (5/174).
[54] ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص: 177، 178)، ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (2/30).
[55] ((البداية والنهاية)) (14/138، 139).
[56] ((إثبات صفة العلو)) لابن قدامة (ص: 180، 181)، ((العرش)) للذهبي (2/289، 290)، ((العلو للعلي الغفار)) للذهبي (ص: 165).
[57] ((إثبات صفة العلو)) لابن قدامة (ص: 181)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (10/79، 80).
[58] أخرجه البخاري (7437)، ومسلم (182) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ ولفظ البخاري: ((أنَّ النَّاسَ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هلْ تُضَارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟ قالوا: لا يا رَسولَ اللهِ، قالَ: فَهلْ تُضَارُّونَ في الشَّمْسِ، ليسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟، قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: فإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذلكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَومَ القِيَامَةِ، فيَقولُ...)).
[59] ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 79).
[60] ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (3/560).
[61] ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (1/191)، ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (1/420).
[62] ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (1/397-398).
[63] أخرجه مطولًا الترمذي (2658)، والشافعي في ((المسند)) (1806) واللفظ له، والحميدي (88).
صححه ابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/364)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2658)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج ((شرح السنة)) (112).
[64] ((الرسالة)) (ص: 384، 401 - 403).
[65] ((الرسالة)) (ص: 435-438).
[66] ((الرسالة)) (ص: 453 - 458).
[67] ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (1/192)، ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (1/385)، ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر (ص: 81). ويُنظر: ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)) لأبي نعيم (9/110).
[68] ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص: 146، 147)، ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (2/826)، ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (5/956)، ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (1/192)، ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (1/386، 387).
[69] ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (2/826). ويُنظر: ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص: 147)، ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (5/1034).