موسوعة اللغة العربية

الفَصْلُ السَّابِعُ: التَّعْريبُ والاشْتِقاقُ


المُعرَّبُ على قِسْمَينِ:
الأوَّلُ: ما كانَ في اللُّغةِ المَنْقولِ مِنها عَلَمًا أعْجَميًّا، فأجْرَتْه العَربُ على عَلَمِيَّتِه كما كانَ، ورُبَّما غَيَّرَتْ لَفْظَه وقَرَّبَتْه مِن ألْفاظِها.
الثَّاني: أسْماءُ الأجْناسِ؛ كالإسْتَبْرَقِ وغيْرِه.
القِسْمُ الأوَّلُ: الأعْلامُ
لا يُطلِقُ أئِمَّةُ اللُّغةِ على العَلَمِ المَنْقولِ مِن لُغةٍ أعْجَميَّةٍ اسمَ "المُعرَّبِ"، إنَّما يُطلِقونَ عليه اسمَ "الأعْجَميِّ"، وهو الَّذي يُعتَدُّ بعُجْمتِه في المَنْعِ مِن الصَّرْفِ، والاسْتِدْلالُ بالمَنْعِ مِن الصَّرْفِ على العُجْمةِ كَثيرٌ عنْدَ اللُّغَويِّينَ؛ يقولُ الجَواليقيُّ في الاسْتِدْلالِ على عُجْمةِ (إبْليس): (وإبْلِيسُ: ليس بعَربيٍّ ... إذ لو كانَ مِنه لصُرِفَ) [218] ((المعرَّب)) للجواليقي (ص: 122). .
ومِن حيثُ الاشْتِقاقُ، فالرَّاجِحُ أنَّ هذا النَّوْعَ لا يُحكَمُ على أمْثِلتِه بالاشْتِقاقِ، حتَّى وإن وافَقَتْ أصْلًا عَربيًّا، فليس يَعْني ذلك أنَّ اللَّفْظَ الأعْجَميَّ مُشتَقٌّ مِنه؛ مِثلُ إبْليسَ، اسمٌ أعْجَميٌّ، فليس له اشْتِقاقٌ، حتَّى وإن وافَقَ قَوْلَهم: أبْلَسَ الرَّجُلُ، أي: انْقَطَعَتْ حُجَّتُه، أو أبْلَسَ يُبلِسُ بمَعْنى اليأسِ، ومَن قالَ: إنَّه عَربيٌّ، اشْتَقَّه مِن أبْلَسَ يُبلِسُ، وقدْ تَردَّدَ ابنُ دُرَيْدٍ بيْنَ عَرَبيَّتِه وعُجْمتِه [219] يُنظر: ((الجمهرة)) لابن دُرَيْدٍ (1/ 340)، (2/ 1193). ، وذَكَرَ الجَوْهَريُّ [220] يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (3/ 909). والأزْهَريُّ اشْتِقاقَه مِن الإبْلاسِ، بَيْدَ أنَّ الأزْهَريَّ لم يَجزِمْ بِذلك [221] يُنظر: ((تهذيب اللُّغة)) للأزهري (12/ 306). ، وخَطَّأَ ابنُ جِنِّي مَن ذَهَبَ إلى عَربيَّتِه فقالَ: (لو كانَ "إبْليسُ" مِن هذا لكانَ عَربيًّا لأنَّه مُشتَقٌّ، ولَوَجَبَ صَرْفُه؛ لأنَّك لو سَمَّيْتَ رَجُلًا بـ"إِجْفيل، وإخْريط" لصَرَفْتَه؛ لأنَّه لا مانِعَ له مِن الصَّرْفِ) [222] ((المنصف)) لابن جني (1/ 128). .
وكذلك أيضًا لا يَجوزُ أن يُقالَ: إنَّ (إدْريسَ) وهو عَلَمٌ على النَّبِيِّ، مِن: دَرَسْتُ القُرآنَ، ولا مِن: دَرَسَ المَنزِلُ، ولا أن يُقالَ: إنَّ (يَعْقوبَ) -وهو عَلَمٌ على النَّبيِّ- مِن العُقْبى ولا مِن العِقابِ؛ إذ لو كانَ مُشتَقًّا عَربيًّا لَوَجَبَ صَرْفُه؛ لعَدَمِ وُجودِ ما يَمنَعُ صَرْفَه، إنَّما هذه ألْفاظٌ أعْجَميَّةٌ وافَقَتْ ألْفاظَ العَربِ، واسْتَدلَّ ابنُ جِنِّي على ذلك ببَيْتٍ للنَّابِغةِ الذُّبْيانيِّ من البسيط:
أُنْبِئْتُ أنَّ أبا قابوسَ أوْعَدَني
ولا قَرارَ على زَأرٍ مِن الأسَدِ
فلو كانَت لَفْظةُ (قابوس) مُشْتقَّةً مِن: قَبَسْتُ النَّارَ، لصُرِفَتْ، وقدْ صَحَّحَ ابنُ جِنِّي عِبارةَ اللُّغَويِّينَ الَّذين قالوا باشْتِقاقِ هذه الأعْلامِ؛ إذ يَرى أنَّ الصَّحيحَ ألَّا يُقالَ في إبْراهيمَ وإسْماعيلَ وغيْرِهما مِن الأعْلامِ: إنَّ لها وَزْنًا صَرْفيًّا، ولكنَّ الصَّحيحَ أن يُقالَ: إنَّ هذه الأسْماءَ لو كانَت مِن كَلامِ العَربِ لَكانَ حُكْمُها كذا وكذا [223] يُنظر: ((المنصف)) لابن جني (1/ 128). .
القِسْمُ الثَّاني: أسْماءُ الأجْناسِ
ذَكَرَ الخَليلُ أنَّ العَربَ قد تَصرَّفوا في الكَلِمةِ المُعرَّبةِ كما كانوا يَتَصرَّفونَ في الكَلِمةِ العَربيَّةِ، بلِ افْتُرِضَ لبعضِها أصْلٌ اشْتُقَّتْ مِنه؛ قالَ الخَليلُ: (والسِّخْتِيتُ كَلِمةٌ يُقال: هي فارِسيَّةٌ اشْتَقَّها رُؤْبةُ مِن سَخت) [224] ((العين)) للخليل (4/ 194). ، بلْ إنَّ الخَليلَ قد صَرَّحَ بجَوازِ الاشْتِقاقِ مِن اسمِ الجَنْسِ الأعْجَميِّ، مِثلُ الباشِق، قالَ الخَليلُ: (ولو اشْتُقَّ مِن فِعلِ الباشِقِ "بَشَقَ" لَجازَ، وهي فارِسيَّةٌ عُرِّبَتْ للأجْدَلِ الصَّغيرِ) [225] ((العين)) للخليل (5/ 46). .
وذَكَرَ سيبَوَيْهِ أنَّ كلَّ الأسْماءِ الأعْجَميَّةِ -الَّتي ليست أعْلامًا- تُعرَّبُ، وتَتَمكَّنُ في الكَلامِ، وتَدخُلُها الألِفُ واللَّامُ تَمامًا كالكَلِمةِ العَربيَّةِ، ولا تُمنَعُ مِن الصَّرْفِ لكَوْنِها أعْجَميَّةً، إلَّا إن كانَ ثَمَّةَ مانِعٌ يَمنَعُها مِن الصَّرْفِ كما يَمنَعُ الكَلِمةَ العَربيَّةَ، مِثلُ الدِّيباجِ، واللِّجامِ، والنَّيْروزِ [226] يُنظر: ((الكتاب)) لسيبَوَيْهِ (3/ 234). .
وقدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ على أنَّ اللَّفْظَ المُعرَّبَ لا يُشتَقُّ مِن شيءٍ؛ لأنَّه إمَّا أن يُشتَقَّ مِن لَفْظٍ أعْجَميٍّ أو عَربيٍّ، ومُحالٌ أن يُشتَقَّ الأعْجَميُّ مِن العَربيِّ أو العَربيُّ مِن الأعْجَميِّ؛ لأنَّ اللُّغاتِ لا يُشتَقُّ بعضُها مِن بعضٍ؛ إنَّما يَقَعُ الاشْتِقاقُ في اللُّغةِ الواحِدةِ؛ لأنَّ الاشْتِقاقَ نِتاجٌ وتَوْليدٌ؛ قالَ ابنُ السَّراجِ: (بابُ ما يَجِبُ على النَّاظِرِ في الاشْتِقاقِ أن يَتَوقَّاه ويَحْترِسَ مِنه: فمِمَّا يَنْبَغي أن يَحذَرَه غايةَ الحَذَرِ أن يَشتَقَّ مِن لُغةِ العَربِ لشيءٍ قد أُخِذَ مِن لُغةِ العَجَمِ، فيكونَ بمَنزِلةِ مَن ادَّعى أنَّ الطَّيْرَ وَلَدُ الحوتِ) [227] ((رسالة الاشْتِقاق)) لابن السراج (ص: 31). .
واتَّفَقَ العُلَماءُ على أنَّ اللَّفْظَ المُعرَّبَ يُشتَقُّ مِنه، فيَجْري عليه كَثيرٌ مِن الأحْكامِ الجارِيةِ على العَربيِّ، وقدِ افْتَرَضَ العُلَماءُ لبعضِ ما عَرَّبوه أصْلًا ثُلاثيًّا أو رُباعيًّا، ثُمَّ اشْتَقُّوا مِنه أفْعالًا وصِفاتٍ، ومِن أمْثِلةِ ذلك:
- اشْتِقاقُهم مِن (السَّبيج) -وهو الثَّوْبُ الأسْوَدُ- فِعْلًا بوَزْنِ (تَفَعَّل)، قالَ رُؤْبةُ من الرَّجَز:
كالحَبَشيِّ الْتَفَّ أو تَسَبَّجا
فقَوْلُه: تَسَبَّجا (تَفَعَّل) مِن السَّبيج، أي: الْتَفَّ به [228] يُنظر: ((لسان العَرب)) لابن منظور (2/ 294). .
- ومِثلُه (دِيوان) اشْتَقُّوا مِنه: دَوَّنَ، وجاءَ المَصدَرُ على (تَفْعيل): تَدْوين، كالفِعلِ العَربيِّ سَواءً بسَواءٍ.
- وقَوْلُ الشَّاعِرِ مِن الرَّجَزِ:
فكَرْنِبوا ودَوْلِبوا
أي: تَوَجَّهوا إلى كَرْنَبَا ودَوْلابَ، وهما مَدينتانِ أعْجَميَّتانِ.
وقَوْلُ الآخَرِ مِن الرَّجَزِ:
مِثلُ القِسِيِّ عاجَها المُقَمجِرُ
والمُقَمْجِرُ على وَزْنِ (مُفَعْلِل)، وهو مُعرَّبٌ فارِسيٌّ بمَعْنى القَوَّاسِ [229] يُنظر: ((لسان العَرب)) لابن منظور (5/ 116). .
وقَوْلُ رُؤْبةَ مِن الرَّجَزِ:
هل يُنجِيَنِّي حَلِفٌ سِخْتيتُ
فـ(سِخْتيتٌ) على وَزْنِ (فِعْلِيل) مِن السَّخْتِ، وهو الشَّديدُ [230] يُنظر: ((لسان العَرب)) لابن منظور (2/ 42). .
وقالوا: بَهْرَجَه: إذا أبْطَلَه، مِن البَهْرَجِ، وهو الباطِلُ [231] يُنظر: ((لسان العَرب)) لابن منظور (2/ 217). .
ومِن ثَمَّ فإنَّ العَربَ تَشتَقُّ مِن اسمِ الجِنْسِ الأعْجَميِّ كما يَقْتَضي الاشْتِقاقُ مِن نَظيرِه العَربيِّ.
الخُلاصةُ: الأسْماءُ المُعرَّبةُ لا يُقالُ إنَّها مُشتقَّةٌ، أمَّا أن يُشتَقَّ مِنها فقدْ جاءَ الاشْتِقاقُ مِن أسْماءِ الأجْناسِ دونَ الأعْلامِ؛ فليستِ الأعْلامُ مُشْتقَّةً ولا يُشتَقُّ مِنها [232] يُنظر: ((المزهر)) للسيوطي (1/ 228 – 234)، ((التقريب لأصول التَّعْريب)) للشيخ طاهر الجزائري (ص: 76 – 79)، ((التَّعْريب في القديم والحديث)) لمحمد حسن عبد العزيز (ص: 74 – 78). .

انظر أيضا: