الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الأوَّلُ: مِن وظائِفِ العَقْلِ في بابِ الصِّفاتِ: فَهْمُ معانيها

خاطَبَ اللهُ سُبحانَه وتعالى عِبادَه بلِسانٍ عَربيٍّ مُبِينٍ، وجَعَل كِتابَه تِبيانًا لكُلِّ شَيءٍ، ولم يَستَثْنِ نوعًا من الآياتِ يمتَنِعُ فَهْمُها.
قال اللهُ تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ *الأحقاف: 12*.
ولا يمكِنُ أن تتحَقَّقَ هذه النِّذارةُ إلَّا بفَهمِ معناه وتعَقُّلِه.
قال اللهُ سُبحانَه: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *الزخرف: 3*.
وعربيَّةُ القُرآنِ سَبَبٌ لحُصولِ التقوى النَّاشِئةِ مِنَ الفَهمِ.
قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا *طه: 113*.
وقَطَع اللهُ حُجَّةَ الذين يتعَلَّلونَ بعَدَمِ فَهْمِه، بجَعْلِه عَربيًّا مَفهومَ المعنى.
قال اللهُ تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءً *فصلت: 44*.
فالعَقلُ مَدْعوٌّ لفَهمِ خِطابِ الشَّارِعِ دونَ استِثناءٍ.
ومِن الأمثِلةِ على فَهمِ معاني ما أخبَرَ اللهُ به عن نَفْسِه من الأسماءِ والصِّفاتِ: ما ذَكَره أبو القاسِمِ الأصبهانيُّ في شَرحِ أسماءِ اللهِ الحُسنى، ومِن ذلك قَولُه: (مِن أسماءِ اللهِ تعالى: الحَليمُ؛ حَليمٌ عمَّن عصاه؛ لأَّنه لو أراد أَخْذَه في وَقْتِه أخَذَه، فهو يَحلُمُ عنه ويؤَخِّرُه إلى أجْلِه، وهذا الاسمُ وإن كان مُشتَرَكًا يُوصَفُ به المخلوقُ، فحِلمُ المخلوقينَ حِلمٌ لم يكُنْ في الصِّغَرِ، ثمَّ كان في الكِبَرِ، وقد يتغَيَّرُ بالمرَضِ والغَضَبِ والأسبابِ الحادثةِ، ويَفْنى حِلْمُه بفَنائِه، وحِلمُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لم يَزَلْ ولا يَزولُ، والمخلوقُ يَحلُمُ عن شَيءٍ، ولا يَحلُمُ عن غيرِه، ويحلُمُ عمَّن لا يَقدِرُ عليه، واللهُ تعالى حَليمٌ مع القُدرةِ) [3418] يُنظر: ((الحجة في بيان المحجة)) (1/156). .
فهذا مِثالٌ للمَنهَجِ الصَّحيحِ في فَهمِ نُصوصِ الصِّفاتِ تضَمَّنَ إثباتَ المعنى المشتَرَكِ لِلَفْظِ الصِّفةِ المعهودِ بالأذهانِ، ثمَّ فَرَّق بين ما ينبغي للخالِقِ وما ينبغي للمَخلوقِ، وأنَّ لله تعالى المَثَلَ الأعلى [3419] يُنظر: ((مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات)) لأحمد القاضي (ص: 476). .
قال ابنُ عُثَيمين: (إنَّ العَقلَ يُدرِكُ ما يجِبُ لله سُبحانَه وتعالى ويمتَنِعُ عليه على سَبيلِ الإجمالِ لا على سَبيلِ التَّفصيلِ؛ فمثلًا: العَقلُ يُدرِكُ بأنَّ الرَّبَّ لا بُدَّ أن يكونَ كامِلَ الصِّفاتِ، لكِنْ هذا لا يعني أنَّ العَقلَ يُثبِتُ كُلَّ صِفةٍ بعَينِها أو ينفيها، لكِنْ يُثبِتُ أو ينفي على سَبيلِ العُمومِ أنَّ الرَّبَّ لا بدَّ أن يكونَ كامِلَ الصِّفاتِ سالِمًا من النَّقصِ... على سَبيلِ العُمومِ نُدرِكُ ذلك، لكِنْ على سَبيلِ التَّفصيلِ لا يمكِنُ أن نُدرِكَه، فنتوقَّفُ فيه على السَّمعِ) [3420] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) (1/81). .

انظر أيضا: