الموسوعة العقدية

البابُ الثَّالِثُ: وسائِلُ الشِّرْكِ

تمهيدٌ:
إنَّ خَطَر الوَسيلةِ يأتي تبعًا لخَطَرِ ما تؤدِّي إليه، وإنَّ أخطَرَ الوسائِلِ ما أدَّت إلى الشِّرْكِ باللهِ؛ لأنَّه أعظَمُ ذَنبٍ عُصِيَ اللهُ به، وما كان وسيلةً لشِركٍ فهو أيضًا شِرْكٌ؛ فحَرَّم اللهُ ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كُلَّ قَولٍ أو فِعلٍ يؤدِّي إليه، أو يكونُ سَببًا في وُقوعِ المسلِمِ فيه، سدًّا للطُّرُقِ الموصِلةِ له [482] يُنظر: ((المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية)) لإبراهيم البريكان (ص: 165)، ((تسهيل العقيدة الإسلامية)) لعبد الله الجبرين (ص: 273)، ((منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى)) لخالد عبد اللطيف (1/100). .
قال المقريزي: (قد حمى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جانِبَ التوحيدِ أعظَمَ حمايةٍ؛ تحقيقًا لقَولِه تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ...، حتى نهى عن الصَّلاةِ في هذينِ الوقتينِ وقتِ طُلوعِ الشَّمسِ ووَقتِ غُروبِها؛ لكَونِها ذريعةً إلى التشَبُّهِ بعُبَّادِ الشَّمسِ، الذين يَسجُدون لها في هاتينِ الحالتينِ، وسدَّ الذَّريعةَ بأن منَعَ من الصَّلاةِ بعد العَصرِ والصُّبحِ؛ لاتِّصالِ هذين الوقتينِ بالوقتينِ اللَّذينِ يَسجُدُ المُشرِكون فيهما للشَّمسِ) [483] يُنظر: ((تجريد التوحيد المفيد)) (ص: 20). .
وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَن آل الشَّيخ تعليقًا على حديثِ: ((لا يَقُلْ أحَدُكم: أطعِمْ رَبَّك وَضِّئْ رَبَّك، وليقُلْ: سَيِّدي ومولاي )) [484] أخرجه البخاري (2552) واللفظ له، ومسلم (2249). : (هذه الألفاظُ المنهيُّ عنها وإن كانت تُطلَقُ لُغةً، فالنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى عنها تحقيقًا للتوحيدِ، وسَدًّا لذرائعِ الشِّركِ؛ لِما فيها من التشريكِ في اللَّفظِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى هو رَبُّ العِبادِ جميعِهم، فإذا أُطلِقَ على غَيرِه شاركه في الاسمِ، فيُنهى عنه لذلك، وإن لم يَقصِدْ بذلك التشريكَ في الرُّبوبيَّةِ التي هي وَصفُ اللهِ تعالى، وإنما المعنى أنَّ هذا مالِكٌ له، فيُطلَقُ عليه هذا اللَّفظُ بهذا الاعتبارِ، فالنَّهيُ عنه حسمًا لمادةِ التشريكِ بين الخالِقِ والمخلوقِ، وتحقيقًا للتوحيدِ، وبُعدًا عن الشِّركِ حتى في اللَّفظِ. وهذا من أحسَنِ مقاصِدِ الشَّريعةِ؛ لِما فيه من تعظيمِ الرَّبِّ تعالى، وبُعْدِه عن مشابهةِ المخلوقين. فأرشَدَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى ما يقومُ مَقامَ هذه الألفاظِ، وهو قَولُه: ((سَيِّدي ومولاي))... وهذا من بابِ حمايةِ المصطفى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَنابَ التوحيِد؛ فقد بلَّغ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَّتَه كُلَّ ما فيه لهم نَفعٌ، ونهاهم عن كُلِّ ما فيه نَقصٌ في الدِّينِ، فلا خَيْرَ إلَّا دَلَّهم عليه، خصوصًا في تحقيقِ التوحيدِ، ولا شَرَّ إلَّا حَذَّرهم منه، خُصوصًا ما يَقرُبُ من الشِّركِ لفظًا، وإن لم يُقصَدْ به) [485] يُنظر: ((فتح المجيد)) (ص: 455). .
وقال محمود الألوسي: (قد اشتَهَر عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه منع من تعليقِ الأوتارِ والتمائِمِ وأمَرَ بقَطْعِها، وبعث رسولَه بذلك كما في السُّنَنِ وغَيرِها... بل نهى عن قَولِ الرَّجُلِ: ما شاء اللهُ وشِئتَ. وقال لِمن قال ذلك: ((أجعَلْتَني لله نِدًّا؟)) [486] أخرجه أحمد (3247)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10825) كلاهما بلفظ: ((عدلاً))، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (8/104) واللفظ له من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما. صححه ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (1/602)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2117)، وابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (2/28)، وصَحَّحه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (3247)، وصَحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (5/85)، وحَسَّنه العراقي في ((تخريج الإحياء)) (3/200). والحديث أخرجه ابن ماجه (2117) بلفظ: ((إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت)). صححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2117) ... ونهى عن الصَّلاةِ عند القُبورِ وإن لم يقصِدْها المصَلِّي، ولعن من فَعَل ذلك وأخبر أنَّهم شِرارُ الخَلْقِ عند اللهِ [487] كما في حديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) أخرجه البخاري (427) واللفظ له، ومسلم (528). ، ونهى عن الذَّبحِ لله في مكانٍ يُذبَحُ فيه لغيرِه [488] الحديث روي بلفظ: (نذر رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا لا قال هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا قال النبي صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم). أخرجه أبو داود (3313) واللفظ له، والطبراني (2/76) (1341)، والبيهقي (20634). صححه ابن عبد الهادي في ((الصارم المنكي)) (493)، وابنُ الملقن في ((البدر المنير)) (9/518)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (3313)، والوادعي على شرط الشيخين في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (193)، وقال ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/490): أصلُه في الصَّحيحَينِ، وإسنادُه على شرطِ الصَّحيحَينِ، كُلُّهم ثِقاتٌ مشاهيرُ، وهو متَّصِلٌ بلا عنعنةٍ. ؛ حَسمًا لمادَّةِ الشِّركِ، وقَطعًا لوسائِلِه، وسدًّا لذرائعِه، وحمايةً للتوحيدِ، وصيانةً لجنابِه) [489] يُنظر: ((فتح المنان)) (ص: 282). .

  • الفَصلُ الأوَّلُ: التوسُّلُ .
  • الفَصلُ الثَّاني: التبَرُّكُ وأنواعُه .
  • الفَصلُ الثَّالِثُ: اتِّخاذُ القُبورِ مَساجِدَ .
  • الفَصلُ الرَّابعُ: الغُلُوُّ في الصَّالحين.
  • الفَصلُ الخامِسُ: تقديسُ الأشياءِ.
  • الفَصلُ السَّادِسُ: الأعيادُ والاحتِفالاتُ البِدْعيَّةُ .
  • انظر أيضا: