الموسوعة العقدية

الفَصلُ الأوَّلُ: تعريفُ الكُفْرِ والرِّدَّةِ وبَيانُ أنواعِ الكُفْرِ

تمهيدٌ:
أهمِّيَّةُ البَحثِ في موضوعِ الكُفْرِ وبيانِه تَكمُنُ في الآتي:
1- وجوبُ الحَذَرِ مِنْ الكُفْرِ والبُعدِ عنه، فبه يشقى العَبْدُ في الدُّنْيا والآخرةِ، وهو أعظَمُ الذُّنوبِ والآثام،ِ وأشدُّها خطرًا، وأعظَمُها وَقعًا وأثرًا، وهو أخوَفُ ما يخافُه ويحْذَرُه المُؤمِنون.
قال اللهُ تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة: 5] .
قال السَّعْدي: (قَولُه تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ أي: ومن كَفَر بالله تعالى، وما يجِبُ الإيمانُ به من كُتُبِه ورُسُلِه أو شيءٍ من الشَّرائعِ، فقد حَبِط عَمَلُه، بشرطِ أن يموتَ على كُفْرِه، كما قال تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [البقرة: 217] ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ أي: الذين خَسِروا أنفُسَهم وأموالَهم وأهليهم يومَ القيامةِ، وحَصَلوا على الشَّقاوةِ الأبَدِيَّةِ)  [967]يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 222). .
وقال اللهُ سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّه وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّه وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: 136] .
قال ابنُ جرير: (قوله: فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: 136] فإنَّه يعني: فقد ذهب عن قَصدِ السَّبيلِ، وجار عن محَجَّةِ الطَّريقِ إلى المهالِكِ ذَهابًا وجَورًا بعيدًا؛ لأنَّ كُفرَ من كَفَر بذلك خروجٌ منه عن دينِ اللهِ الذي شرعه لعبادِه، والخروجُ عن دينِ اللهِ: الهلاكُ الذي فيه البوارُ، والضَّلالُ عن الهدى هو الضَّلالُ) [968] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/596). .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ [البقرة: 108] .
قال ابنُ كثيرٍ: (قال اللهُ تعالى: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ أي: من يشتَرِ الكُفْرَ بالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ أي: فقد خرج عن الطَّريقِ المستقيمِ إلى الجَهلِ والضَّلالِ، وهكذا حالُ الذين عدَلوا عن تصديقِ الأنبياءِ واتِّباعِهم والانقيادِ لهم، إلى مخالفَتِهم وتكذيبِهم ... كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [إبراهيم: 28، 29]) [969] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/382). .
2- عاقبةُ الكُفْر في الآخِرةِ خُلودُ صاحِبِه في النَّار أبدًا؛ فقد نَصَّ اللهُ على خُلودِ الكافِرين في عذابِ النَّارِ في ثلاثةِ مواضِعَ من كتابِه:
المَوضِعُ الأوَّلُ: في أواخِرِ سورةِ النِّساءِ؛ حيث قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: 167 - 169].
قال ابن جرير: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا يقول: مقيمينَ فيها أبدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: 30] يقول: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصَفْتُ لكم صِفَتَهم في جهَنَّمَ، على اللهِ يسيرًا؛ لأنَّه لا يَقدِرُ من أراد ذلك به على الامتناعِ منه، ولا له أحَدٌ يمنَعُه منه، ولا يستصعِبُ عليه ما أراد فِعْلَه به من ذلك، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا؛ لأنَّ الخَلقَ خَلْقُه، والأمرَ أَمْرُه) [970] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/697). .
المَوضِعُ الثَّاني: في أواخِرِ سورةِ الأحزابِ؛ حيث قال اللهُ سُبحانَه: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا * إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: 63 - 65] .
قال القرطبي: (لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ينجيهم من عذابِ اللهِ والخُلودِ فيه) [971] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (14/248). .
المَوضِع الثَّالِثُ: في أواخِرِ سورةِ الجِنِّ؛ حيث قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: 23].
قال القُرطبيُّ: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في التَّوحيدِ والعبادةِ. فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ... خَالِدِينَ فِيهَا نَصبٌ على الحالِ، وجُمِع خالدين؛ لأنَّ المعنى لكُلِّ مَن فعل ذلك، فوَحَّد أولًا لِلَفْظِ مَنْ ثم جمعَ للمَعنى. وقوله: أَبَدًا دليلٌ على أنَّ العصيانَ هنا هو الشِّركُ)  [972] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (19/26). .
وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يُؤْتَى بالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، فيُنادِي مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فيَقولُ: هلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، هذا المَوْتُ، وكُلُّهُمْ قدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي: يا أهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فيَقولُ: وهلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، هذا المَوْتُ، وكُلُّهُمْ قدْ رَآهُ، فيُذْبَحُ ثُمَّ يقولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فلا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: وَأَنْذِرْهُمْ يَومَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وهُمْ في غَفْلَةٍ، وهَؤُلاءِ في غَفْلَةٍ؛ أهْلُ الدُّنْيا وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)) [973] أخرجه البخاري (4730) واللَّفظُ له، ومسلم (2849). .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: (قَولُه: وَأَنْذِرْهُمْ يَومَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ، ومعنى أنذِرْهم: أعلِمْهم وحَذِّرْهم، والنِّذارةُ: إعلامٌ بالشَّرِّ، والبِشارةُ: إعلامٌ بالخيرِ، ويومُ الحَسرةِ: يعني به زَمَنَ ذبحِ الموتِ إذا سَمِعوا: خلودٌ فلا موتَ. وقُضِيَ: بمعنى: أُحكِمَ وتُمِّمَ. والأمرُ: يعني به خلودَ أهلِ النَّارِ فيها) [974] يُنظر: ((المفهم)) (7/191). .
وقال أبو عبدِ اللهِ القُرطبيُّ: (هذه الأحاديثُ مع صِحَّتِها نَصٌّ في خلودِ أهلِ النَّارِ فيها، لا إلى غايةٍ ولا إلى أمَدٍ، مقيمين على الدَّوامِ والسَّرمَدِ، من غيرِ مَوتٍ ولا حياةٍ، ولا راحةٍ ولا نجاةٍ، بل كما قال في كتابِه الكريمِ، وأوضَحَ فيه عن عذابِ الكافِرينَ) [975] يُنظر: ((التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة)) (2/148). .
هذا مع ما رَتَّب اللهُ على الكُفْرِ من العذابِ الشَّديدِ والسَّعيرِ السَّرمَديِّ، وسَخَطِه وعُقوبتِه.
قال اللهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 56] .
قال الشَّوكاني: (المعنى: أنَّها كُلَّما احتَرَقَت جلودُهم بَدَّلهم اللهُ جُلودًا غَيرَها، أي: أعطاهم مكانَ كُلِّ جِلدٍ محتَرِقٍ جِلدًا آخَرَ غيرَ مُحتَرِقٍ، فإنَّ ذلك أبلَغُ في العذابِ للشَّخصِ؛ لأنَّ إحساسَه لعَمَلِ النَّارِ في الجِلْدِ الذي لم يحتَرِقْ أبلَغُ من إحساسِه لعَمَلِها في الجِلدِ المحتَرِقِ!) [976] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (1/554). .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: 36، 37].
قال السَّعْدي: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي: جَحَدوا ما جاءتهم به رُسُلُهم من الآياتِ، وأنكروا لقاءَ رَبِّهم. لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ يُعَذَّبون فيها أشَدَّ العذابِ، وأبلَغَ العقابِ. لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ بالموتِ فَيَمُوتُوا فَيَستريحوا، وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا فشِدَّةُ العَذابِ وعِظَمُه مُستَمِرٌّ عليهم في جميعِ الآناتِ واللَّحَظاتِ. كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا أي: يَصرُخون ويتصايَحون ويَستغيثونَ ويقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فاعترفوا بذَنْبِهم، وعَرَفوا أنَّ اللهَ عَدلٌ فيهم، ولكِنْ سألوا الرَّجعةَ في غيرِ وَقتِها، فيقالُ لهم: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا أي: دَهرًا وعُمُرًا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ أي: يتمَكَّنُ فيه من أراد التَّذكُّرَ من العَمَلِ، مَتَّعناكم في الدُّنْيا، وأدرَرْنا عليكم الأرزاقَ، وقَيَّضْنا لكم أسبابَ الرَّاحةِ، ومَدَدْنا لكم في العُمُرِ، وتابَعْنا عليكم الآياتِ، وأوصَلْنا إليكم النُّذُرَ، وابتَلَيناكم بالسَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، لتُنيبوا إلينا وتَرجِعوا إلينا، فلم يُنجِعْ فيكم إنذارٌ، ولم تُفِدْ فيكم موعظةٌ، وأخَّرْنا عنكم العقوبةَ، حتى إذا انقَضَت آجالُكم، وتَمَّت أعماُركم، ورحَلْتُم عن دارِ الإمكانِ، بأشَرِّ الحالاتِ، ووصَلْتُم إلى هذه الدَّارِ دارِ الجزاءِ على الأعمالِ، سألتُم الرَّجْعةَ! هيهاتَ هيهاتَ! فات وقتُ الإمكانِ، وغَضِبَ عليكم الرَّحيمُ الرَّحمنُ، واشتَدَّ عليكم عذابُ النَّارِ، ونَسِيَكم أهلُ الجَنَّةِ، فامكُثوا فيها خالدين مخَلَّدين، وفي العذابِ مُهانين؛ ولهذا قال: فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ينصُرُهم فيُخرِجُهم منها، أو يخَفِّفُ عنهم من عذابِها) [977] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 690). .
وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المُؤمِنون: 106 - 108].
قال ابنُ كثير: (قالوا: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ أي: قد قامت علينا الحُجَّةُ، ولكن كنَّا أشقى من أن ننقادَ لها ونتَّبِعَها، فضَلَلْنا عنها ولم نُرْزَقْها. ثم قالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ أي: رُدَّنا إلى الدَّارِ الدُّنْيا، فإنْ عُدْنا إلى ما سَلَف مِنَّا، فنحن ظالِمون مستَحِقُّون للعقوبةِ، كما قالوا: فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر: 11، 12]، أي: لا سبيلَ إلى الخروجِ؛ لأنَّكم كُنتُم تُشرِكون بالله إذا وَحَّده المُؤمِنون. قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ هذا جوابٌ من اللهِ تعالى للكُفَّارِ إذا سألوا الخُروجَ من النَّارِ والرَّجعةَ إلى هذه الدَّارِ، يقولُ: اخْسَئُوا فِيهَا أي: امكُثوا فيها صاغرين مُهانين أذِلَّاءَ. وَلَا تُكَلِّمُونِ أي: لا تعودوا إلى سؤاِلكم هذا، فإنَّه لا جوابَ لكم عندي) [978] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/ 498). .
3- ممَّا يدُلُّ على أهميَّةِ مَعرفةِ الكُفْرِ أنَّه قسيمُ الإيمانِ في مسألةِ الأسماءِ والأحكامِ؛ في تَسميةِ العَبْدِ العاصي في الدُّنْيا: هل هو مؤمِنٌ أو كافِرٌ؟ ثم بيانِ حُكمِه في الآخِرةِ: أمِنْ أهلِ الجَنَّةِ هو أم مِن أهلِ النَّارِ؟
قال ابنُ تيميَّةَ: (اعلَمْ أنَّ مَسائِلَ التَّكفيرِ والتَّفسيقِ هي من مسائِلِ الأسماءِ والأحكامِ التي يتعَلَّقُ بها الوعدُ والوعيدُ في الدَّارِ الآخرةِ، وتتعَلَّقُ بها الموالاةُ والمعاداةُ، والقَتلُ والعِصمةُ وغيرُ ذلك في الدَّارِ الدُّنْيا؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه أوجب الجنَّةَ للمُؤمِنين، وحَرَّم الجنَّةَ على الكافِرين، وهذا من الأحكامِ الكُلِّيَّة في كُلِّ وَقتٍ ومكانٍ) [979] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/468). .
وقال ابنُ رجبٍ: (هذه المسائِلُ -أعني مسائِلَ الإسلامِ والإيمانِ، والكُفْرِ والنِّفاقِ- مسائِلُ عظيمةٌ جِدًّا؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ عَلَّق بهذه الأسماءِ السَّعادةَ والشَّقاوةَ واستحقاقَ الجَنَّةِ والنَّارِ. والاختلافُ في مُسَمَّياتِها أوَّلُ اختلافٍ وَقَع في هذه الأمَّةِ، وهو خِلافُ الخوارجِ للصَّحابةِ، حيث أخرَجوا عُصاةَ المُوَحِّدين من الإسلامِ بالكُلِّيَّة، وأدخَلوهم في دائرةِ الكُفْرِ، وعامَلوهم مُعامَلةَ الكُفَّارِ، واستحَلُّوا بذلك دماءَ المُسْلِمين وأموالَهم، ثمَّ حدث بَعْدَهم خلافُ المعتَزِلة، وقَولُهم بالمنزلةِ بين المنزِلَتينِ، ثمَّ حدث خلافُ المُرجِئةِ وقَولُهم: إنَّ الفاسِقَ مُؤمِنٌ كامِلُ الإيمانِ. وقد صَنَّف العُلَماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائِلِ تصانيفَ متعَدِّدةً) [980] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) (1/ 114). .

  • المَبْحَثُ الأوَّلُ: تعريفُ الكُفْرِ والرِّدَّةِ.
  • المَبْحَثُ الثَّاني: أنواعُ الكُفْرِ وضَوابِطُ مَعرفتِه.
  • انظر أيضا: