الموسوعة العقدية

الفَصلُ الخامِسُ: أشراطُ السَّاعةِ الكُبرى

تَمهيدٌ
أهَمِّيَّةُ دِراسةِ العَلاماتِ الكُبرى:
إنَّ دِراسةَ عَلاماتِ السَّاعةِ -والكُبرى مِنها على وجه الخُصوصِ- لَمِنَ الْمَطالِبِ العاليةِ الَّتي تَدفَعُ الإنسانَ للتَّمَسُّكِ بالإيمانِ قَبلَ فوَاتِ الأوانِ وتَزيدُه إقبالًا على التَّوبةِ وصالِحِ الأعمالِ قَبلَ انقِطاعِ استِدراكِ الحالِ.
عَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((بادِرُوا بالأعْمالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ من مَغْرِبِها، أوِ الدُّخانَ، أوِ الدَّجَّالَ، أوِ الدَّابَّةَ، أوْ خاصَّةَ أحَدِكُمْ، أوْ أمْرَ العامَّةِ )) [2343] أخرجه مسلم (2947). .
قال أبو العَبَّاس القُرطُبيُّ: ( قَولُه: ((بادِروا)) أي: سابِقوا بالأعمالِ الصَّالِحةِ، واغتَنِموا التَّمَكُّنَ مِنها قَبلَ أن يُحالَ بينَكم وبينَها بِداهيةٍ من هَذِه الدَّواهي الْمَذكورةِ، فيَفوتَ العَمَلُ للمانِعِ، أو تَعدمَ مَنفَعَتُه لعَدَمِ القَبولِ) [2344] يُنظر: ((المفهم)) (7/ 308). .
وقال علي القاري: (أي: أسرِعوا وسابِقوا ((بالأعمالِ)) أيِ: الصَّالِحةِ النَّافِعةِ في الآخِرةِ ((سِتًّا)) أي: سِتَّةَ آياتٍ، أي: عَلاماتٍ لوُجودِ السَّاعةِ؛ إذ يَعسُرُ العَمَلُ ويَصعُبُ فيما بَعدَها، أو لَم يُقبَلْ ولَم يُعتَبَرْ بَعدَ تَحَقُّقِها... ظُهورُها يوجِبُ عَدَمَ قَبولِ إيمانِ اليَأسِ؛ لكَونِها مُلجِئةً إلى الإيمانِ، فلا ثَوابَ للمُكَلَّفِ عِندَ الإلجاءِ على عَمَلِه، فإذا انقَطَعَ الثَّوابُ انقَطَعَ التَّكليفُ. وقال القاضي: أمرَهم أن يُبادِروا بالأعمالِ قَبلَ نُزولِ هَذِه الآياتِ، فإنَّها إذا نَزَلَت دَهشَتْهم وشَغلَتْهم عَنِ الأعمالِ، أو سُدَّ عليهم بابُ التَّوبةِ وقَبولُ الأعمالِ. وفي الفائِقِ: مَعنى مُبادَرةِ السِّتِّ بالأعمالِ: الِانكِماشُ في الأعمالِ الصَّالِحةِ، والِاهتِمامُ بها قَبلَ وُقوعِها) [2345] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (8/ 3450). .
الآياتُ العَشْرُ (الأشراطُ الكُبرى):
عَن حُذَيفةَ بنِ أُسَيدٍ الغِفاريِّ رَضِيَ الله عَنه قال: اطَّلَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علينا ونَحنُ نَتَذاكَرُ، فقال: ((ما تَذاكَرونَ؟)) قالوا: نَذكُرُ السَّاعةَ. قال: ((إنَّها لَن تَقومَ حَتَّى تَرَونَ قَبلَها عَشْرَ آياتٍ، فذَكَرَ الدُّخَانَ، والدَّجَّالَ، والدَّابَّةَ، وطُلوعَ الشَّمسِ من مَغرِبِها، ونُزولَ عيسى بنِ مَريَم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويَأجوجَ ومَأجوجَ، وثَلاثةَ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَشرِقِ، وخَسْفٌ بالمَغرِبِ، وخَسْفٌ بجَزيرةِ العَرَبِ، وآخِرُ ذلك نارٌ تَخرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهم)) [2346] أخرجه مسلم (2901). .
والمُلاحَظُ في الحَديثِ تَسميةُ العَلاماتِ العَشرِ الكُبرى بالآياتِ، وتِلكَ تَسميةٌ لَها دَلالَتُها الخاصَّةُ. فهَذِه العَلاماتُ تُعَدُّ أمورًا مُعجِزةً خارِقةً للعادةِ، فهيَ لَيسَت مَعهودةً في عالَمِ البَشَرِ، ولَيسَ لَهم في حُدوثِها يَدٌ فهيَ شَأنٌ إلهيٌّ مَحضٌ، بخِلافِ العَلاماتِ الأخرى الَّتي اصطُلِحَ على تَسميَتِها بالصُّغرى، فالمُلاحَظُ أنَّ مُعظَمَها يَتَعَلَّقُ بفَسادِ الأحوالِ وتَغَيُّرِ الأوضاعِ وانقِلابِ الحَقائِقِ والمَوازينِ لأسبابٍ كثيرةٍ يَعودُ بَعضُها إلى رِقَّةِ الدِّين في النَّاسِ وضَياعِ مَعالِمِه بينَهم. والله أعلَمُ.
قال القُرطُبيُّ: (جاءَت هَذِه الآياتُ في هَذِه الأحاديثِ مَجموعةً غَيرَ مُرَتَّبةٍ، ما عَدا حَديثَ حُذَيفةَ الْمَذكورَ أوَّلًا؛ فإنَّ التَّرتيبَ فيه بثُمَّ، ولَيسَ الأمرُ كذلك على ما نُبَيِّنُه، وقَد جاءَ تَرتيبُها من حَديثِ حُذَيفةَ أيضًا قال: كان رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غُرفةٍ ونَحنُ أسفَلَ مِنه، فاطَّلَع إلينا فقال: ((ما تَذاكرونَ؟)) قُلنا: السَّاعةُ. قال: ((إنَّ السَّاعةَ لا تَكونُ حَتَّى تَرَوا عَشْرَ آياتٍ: خَسْفٌ بالمَشرِقِ، وخَسْفٌ بالمَغرِبِ، وخَسْفٌ بجَزيرةِ العَربِ، والدُّخانُ، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرضِ، ويَأجوجُ ومَأجوجُ، وطُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، ونارٌ تَخرُجُ من قَعرِ عَدَنٍ تُرَحِّلُ النَّاسَ )). وقال بَعضُ الرُّواةِ في العاشِرةِ: ((ونُزولُ عيسى بنِ مَريَم))، وقال بَعضُهم: ((ورِيحٌ يُلقي النَّاسَ في البَحرِ)) أخرَجَه مُسْلِمٌ [2347] أخرجه مسلم (2901). .
فأوَّلُ الآياتِ على ما في هَذِه الرِّوايةِ الخُسوفاتُ الثَّلاثةُ...ووَقَعَ في هذا الحَديثِ دابَّةُ الأرضِ قَبلَ يَأجوجَ ومَأجوجَ، ولَيسَ كذلك؛ فإنَّ أوَّلَ الآياتِ ظُهورُ الدَّجَّالِ، ثُمَّ نُزولُ عيسى عليه السَّلامُ، ثُمَّ خُروجُ يَأجوجَ ومَأجوجَ، فإذا قَتَلَهم اللهُ بالنَّغفِ في أعناقِهم -على ما يَأتي- وقَبضَ اللهُ تعالى نَبيَّهُ عيسى عليه السَّلامُ، وخَلَتِ الأرضُ مِنه وتَطاوَلَتِ الأيَّامُ على النَّاسِ، وذَهَبَ مُعظَمُ دينِ الإسلامِ، أخذَ النَّاسُ في الرُّجوعِ إلى عاداتِهم، وأحدَثوا الأحداثَ مِنَ الكُفرِ والفُسوقِ، كما أحدَثوه بَعدَ كُلِّ قائِمٍ نَصبَه الله تعالى بينَه وبينَهم حُجَّةً عليهم، ثُمَّ قَبضَه، فيَخرُجُ اللهُ تعالى لَهم دابَّةً مِنَ الأرضِ، فتُمَيِّزُ الْمُؤمِنَ مِنَ الكافِرِ؛ ليَرتَدِعَ بذلك الكُفَّارُ عَن كُفرِهم والفُسَّاقُ عَن فِسْقِهم، ويَستَبصِروا ويَنزِعوا عَمَّا هم فيه مِنَ الفُسوقِ والعِصيانِ، ثُمَّ تَغيبُ الدَّابَّةُ عَنهم ويُمهَلونَ، فإذا أصَرُّوا على طَغيانِهم طَلَعَتِ الشَّمسُ من مَغرِبِها، ولَم يُقبَل بَعدَ ذلك لكافِرٍ ولا فاسِقٍ توبةٌ، وأزيلَ الخِطابُ والتَّكليفُ عَنهم، ثُمَّ كان قيامُ السَّاعةِ على أثرِ ذلك قَريبًا؛ لأنَّ الله تعالى يَقولُ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ [الذاريات: 56]، فإذا قُطِعَ عَنهم التَّعَبُّدُ لَم يُقِرَّهم بَعدَ ذلك في الأرضِ زَمانًا طَويلًا، هَكَذا ذَكرَه بَعضُ العُلَماءِ) [2348] يُنظر: ((التذكرة)) (2/ 366). .
وقال أبو العلا الْمُباركفوريُّ: (اعلَم أنَّ الرِّواياتِ قَدِ اختَلَفَت في تَرتيبِ الآياتِ العَشْرِ؛ ولِذا اختَلَفَ أهلُ العِلمِ في تَرتيبِها، فقَد قيلَ: إنَّ أوَّلَ الآياتِ الدُّخانُ، ثُمَّ خُروجُ الدَّجَّالِ، ثُمَّ نُزولُ عيسى عليه السَّلامُ، ثُمَّ خُروجُ يَأجوجَ ومَأجوجَ، ثُمَّ خُروجُ الدَّابَّةِ، ثُمَّ طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها؛ فإنَّ الكُفَّارَ يُسلِمونَ في زَمَنِ عيسى عليه السَّلامُ حَتَّى تَكونَ الدَّعوةُ واحِدةً، ولَو كانتِ الشَّمسُ طَلَعَت من مَغرِبِها قَبلَ خُروجِ الدَّجَّالِ ونُزولِه لَم يَكُنِ الإيمانُ مَقبولًا مِنَ الكُفَّارِ، فالواوُ لِمُطلَقِ الجَمعِ...
وقال في فتحِ الوَدودِ: قيلَ: أوَّلُ الآياتِ الخُسوفاتُ، ثُمَّ خُروجُ الدَّجَّالِ، ثُمَّ نُزولُ عيسى عليه السَّلامُ، ثُمَّ خُروجُ يَأجوجَ ومَأجوجَ، ثُمَّ الرِّيحُ الَّتي تُقبَضُ عِندَها أرواحُ أهلِ الإيمانِ، فعِندَ ذلك تَخرُجُ الشَّمسُ من مَغرِبِها، ثُمَّ تَخرُجُ دابَّةُ الأرضِ، ثُمَّ يَأتي الدُّخانُ. قال صاحِبُ فتحِ الوَدودِ: والأقرَبُ في مِثلِه التَّوَقُّفُ، والتَّفويضُ إلى عالِمِه [2349] يُنظر: ((فتح الودود في شرح سنن أبي داود)) لأبي الحسن السندي (4/ 246). انتهى.
قُلتُ: ذَكرَ القُرطُبيُّ في تَذكِرَتِه [2350] يُنظر: ((التذكرة)) للقرطبي (2/ 416). مِثلَ هذا التَّرتيبِ، إلَّا أنَّه جَعَلَ الدَّجَّالَ مَكانَ الدُّخانِ.
وذَكَرَ البيهَقيُّ عَنِ الحاكِمِ مِثلَ تَرتيبِ القُرطُبيِّ، وجَعلَ خُروجَ الدَّابَّةِ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها [2351] يُنظر: ((شعب الإيمان)) للبيهقي (1/ 531). ، فالظَّاهِرُ بَلِ الْمُتَعَيِّنُ هو ما قال صاحِبُ فتحِ الوَدودِ من أنَّ الأقرَبَ في مِثلِه هو التَّوَقُّفُ، والتَّفويضُ إلى عالِمِه) [2352] يُنظر: ((تحفة الأحوذي)) (6/ 346). .
وسُئِلُ ابنُ عُثَيمين: هَل أشراطُ السَّاعةِ الكُبرى تَأتي بالتَّرتيبِ؟
فأجابَ: (أشراطُ السَّاعةِ الكُبرى بَعضُها مُرَتَّبٌ ومَعلومٌ، وبَعضُها غَيرُ مُرَتَّبٍ ولا يُعلَمُ تَرتيبُه؛ فممَّا جاءَ مُرَتَّبًا: نُزولُ عيسى بنِ مِريَمَ، وخُروجُ يَأجوجَ ومَأجوجَ، والدَّجَّالُ؛ فإنَّ الدَّجَّالَ يُبعَثُ، ثُمَّ يَنزِلُ عيسى بنُ مَريَم فيَقتُلُه، ثُمَّ يَخرُجُ يَأجوجُ ومَأجوجُ.
وقَد رَتَّبَ السَّفارينيُّ رَحِمَه الله في عَقيدَتِه هَذِه الأشراطَ، لَكِنَّ بَعضَ هذا التَّرتيبِ تَطمَئِنُّ إليه النَّفسُ، وبَعضُها لَيسَ كذلك. والتَّرتيبُ لا يُهِمُّنا، وإنَّما يُهِمُّنا أنَّ للسَّاعةِ عَلاماتٍ عَظيمةً إذا وقَعَت فإنَّ السَّاعةَ تَكونُ قَد قَرُبَت، وقَد جَعَلَ اللهُ للسَّاعةِ أشراطًا؛ لأنَّها حَدَثٌ هامٌّ، يَحتاجُ النَّاسُ إلى تَنبيهِهم لقُربِ حُدوثِه) [2353] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (2/ 11). .
وقال صالِح آلُ الشَّيخِ: (الأشراطُ الكُبرى يُعنى بها العَلاماتُ والآياتُ الَّتي تَكونُ قَريبةً مِنَ السَّاعةِ، بحَيثُ إذا حَدَثَتْ فإنَّ يَومَ القيامةِ قَريبٌ جِدًّا جِدًّا.
وسُمِّيَت كُبرى؛ لأنَّها آياتٌ عَظيمةٌ تَحدُثُ لَيسَ في حُسبانِ العَبادِ أن تَحدُثَ، ولَم يَكُن لَها دَليلٌ قَبلَها أو لَها ما يُشابِهُها.
وهَذِه الأشراطُ الكُبرى عَشْرٌ، كما جاءَت في الأحاديثِ، ولَكِنَّها جاءَت في عِدَّةِ أحاديثَ غَيرَ مُرَتَّبةٍ، يَعني من جِهةِ الوُقوعِ) [2354] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/916). .
إشكالاتٌ حَولَ كُبرى العَلاماتِ:
الإشكالُ الأوَّلُ:
عَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ من مَغْرِبِهَا، تَابَ اللَّهُ عليه )) [2355] أخرجه مسلم (2703). .
وعَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ من مَغْرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ )) [2356] أخرجه مسلم (158). .
فمَفهومُ الحَديثِ الأوَّلِ قَبولُ التَّوبةِ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها. ومَنطوقُ الحَديثِ الثَّاني التَّصريحُ بنَفيِ الِانتِفاعِ بالإيمانِ وغَيرِه لِمَن لَم يُؤمِنْ قَبلَ ظُهورِ تِلكَ العَلاماتِ الثَّلاثِ، فلَم يَكتَفِ بعَلامةِ طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها، بَل أضافَ مَعَها خُروجَ الدَّجَّالِ وظُهورَ الدَّابَّةِ.
قال البَيضاويُّ: (قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((بادِروا الأعمالَ سِتًّا: الدُّخانَ، والدَّجَّالَ، ودابَّةَ الأرضِ، وطُلوعَ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وأمرَ العامَّةِ، وخُوَيصَّةَ أحَدِكم)) [2357] أخرجه مسلم (2947) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. . أمرَهم أن يُبادِروا بالأعمالِ قَبلَ نُزولِ هَذِه الآياتِ، فإنَّها إذا نَزَلَت دَهشَتْهم وأشغَلَتْهم عَنِ الأعمالِ، أو سَدَّتَ عليهم بابَ التَّوبةِ، وقَبولَ العَمَلِ) [2358] يُنظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) (3/ 356). .
وقال ابنُ رَجَبٍ: (الْمُرادُ من هذا أنَّ هَذِه الأشياءَ كُلُّها تَعوقُ عَنِ الأعمالِ، فبَعضُها يَشغَلُ عَنه، إمَّا في خاصَّةِ الإنسانِ، كفَقْرِه وغِنَاه ومَرَضِه وهَرَمِه وموتِه، وبَعضُها عامٌّ، كقيامِ السَّاعةِ، وخُروجِ الدَّجَّالِ، وكَذلك الفِتَنُ الْمُزعِجةُ، كما جاءَ في حَديثٍ آخَرَ: ((بادِروا بالأعمالِ فِتَنًا كقِطَعِ اللَّيلِ الْمُظلِمِ)) [2359] أخرجه مسلم (118) مُطَولًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. . وبَعضُ هَذِه الأمورِ العامَّةِ لا يَنفَعُ بَعدَها عَمَلٌ، كما قال تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158] . وفي الصَّحيحين عَن أبي هُرَيرةَ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ من مَغرِبِها، فإذا طَلَعتْ ورَآها النَّاسُ آمَنوا أجمَعونَ، فذلك حينَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنتْ من قَبلُ أو كسَبت في إيمانِها خَيرًا )) [2360] أخرجه البخاري (6506) واللَّفظُ له مُطَولًا، ومسلم (157) باختلافٍ يسيرٍ. [2361] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) (2/ 388-390). .
وقال ابنُ عطيَّةَ: (قال جُمهورُ أهلِ التَّأويلِ كما تقَدَّمَ: الآيةُ الَّتي لا تَنفَعُ التَّوبةُ مِنَ الشِّركِ أو مِنَ الْمَعاصي بَعدَها، هيَ طُلوعُ الشَّمسِ مِنَ الْمَغرِبِ. ورُوِيَ عَنِ ابنِ مَسعودٍ أنَّها إحدى ثَلاثٍ؛ إمَّا طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وإمَّا خُروجُ الدَّابَّةِ، وإمَّا خُروجُ يَأجوجَ ومَأجوجَ. قال أبو مُحَمَّدٍ: وهذا فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ الأحاديثَ تَرُدُّه وتُخَصِّصُ الشَّمسَ) [2362] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/ 367). .
قال ابنُ حَجَرٍ مُعَقِّبًا على كلامِ ابنِ عَطيَّةَ: (قُلتُ: ثبتَ في صَحيحِ مُسْلِمٍ من طَريقِ أبي حازِمٍ عَن أبي هُرَيرةَ رَفعَه: ((ثَلاثٌ إذا خَرَجنَ لَم يَنفَعْ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنتْ من قَبلُ: طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرضِ)). قيلَ: فلعَلَّ حُصولَ ذلك يَكونُ مُتَتابِعًا بحَيثُ تَبقى النِّسبةُ إلى الأوَّلِ مِنها مَجازيَّةً، وهذا بَعيدٌ؛ لأنَّ مُدَّةَ لُبثِ الدَّجَّالِ إلى أن يَقتُلَه عيسى ثُمَّ لُبْثِ عيسى وخُروجِ يَأجوج ومَأجوجَ، كُلُّ ذلك سابِقٌ على طُلوعِ الشَّمسِ مِنَ الْمَغرِبِ، فالذي يَتَرَجَّحُ من مَجموعِ الأخبارِ أنَّ خُروجَ الدَّجَّالِ أوَّلُ الآياتِ العِظامِ الْمُؤذِنُ بتَغَيُّرِ الأحوالِ العامَّةِ في مُعظَمِ الأرضِ، ويَنتَهي ذلك بمَوتِ عيسى بنِ مَريَمَ، وأنَّ طُلوعَ الشَّمسِ مِنَ الْمَغرِبِ هو أوَّلُ الآياتِ العِظامِ الْمُؤذِنُ بتَغَيُّرِ أحوالِ العالَمِ العُلويِّ، ويَنتَهي ذلك بقيامِ السَّاعةِ، ولَعَلَّ خُروجَ الدَّابَّةِ يَقَعُ في ذلك اليَومِ الذي تَطلُعُ فيه الشَّمسُ مِنَ الْمَغرِبِ، وقَد أخرَجَ مُسْلِمٌ أيضًا من طَريقِ أبي زُرعةَ عَن عَبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ رَفَعَه: ((أوَّلُ الآياتِ طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وخُروجُ الدَّابَّةِ على النَّاسِ ضُحًى، فأيُّهما خَرَجَت قَبلَ الأخرى فالأُخرى مِنها قَريبٌ)) [2363] أخرجه مسلم (2941) باختلافٍ يسيرٍ. [2364] يُنظر: ((فتح الباري)) (11/ 353). .
وذَهَبَ بَعضُ العُلَماءِ إلى أنَّ الْمُرادَ بحَديثِ: ((ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ من مَغْرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ )) حُصولُ هَذِه الثَّلاثةِ لا واحِدةٍ مِنها فقَط، فإذا وقَعَت هَذِه الأمورُ الثَّلاثةُ فحينَها لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنتْ من قَبلُ أو كسَبت في إيمانِها خَيرًا ، فهذا الحَديثُ بهذا التَّوجيه يَرجِعُ إلى مَعنى حَديثِ عَدَمِ قَبولِ التَّوبةِ إذا طَلَعتِ الشَّمسُ من مَغرِبِها، ولا يَتَعارَضُ مَعَه.
قال علي القاري: (وعَن أبي هُرَيرةَ قال: قال رَسولُ الله صَلى الله تعالى عليه وسلَّم: ((ثَلاثٌ)) أي: آيات ((إذا خَرَجْنَ)): فيه تَغليبٌ أو مَعناه ظَهَرَت، والمُرادُ هَذِه الثَّلاثُ بأَسْرِها، «لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا [الأنعام: 158] طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرضِ»، وقَدَّمَ الطُّلوعَ وإن كان مُتَأخِّرًا في الوُقوعِ؛ لأنَّ مَدارَ عَدَمِ قَبولِ التَّوبةِ عليه، وإن ضُمَّ خُروجُ غَيرِه إليه) [2365] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (8/ 3451). .
وذَهَبَ بَعضُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ ذِكرَ الدَّجَّالِ في الحَديثِ وَهمٌ من بَعضِ الرُّواةِ. وأمَّا الدَّابَّةُ فهيَ مُرتَبِطةٌ زَمَنيًّا بطُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها، بدَليلِ حَديثِ: ((إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ من مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدَّابَّةِ علَى النَّاسِ ضُحًى، وأَيُّهُما ما كانَتْ قَبْلَ صاحِبَتِها، فالأُخْرَى علَى إثْرِها قَرِيبً )) [2366] أخرجه مسلم (2941) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. .
قال أبو العَبَّاس القُرطُبيُّ: (قَولُه: ((إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُروجًا طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وخُروجُ الدَّابَّةِ على النَّاسِ ضُحًى)) يَعني -واللهُ أعلَمُ- أوَّلُ الآياتِ الكائِنةِ في زَمانِ ارتِفاعِ التَّوبةِ والطَّبعِ على كُلِّ قَلبٍ بما فيه؛ لأنَّ ما قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها التَّوبةُ فيه مَقبولةٌ، وإيمانُ الكافِرِ يَصِحُّ فيه، بدَليلِ ما أخرجه أبو داوُدَ من حَديثِ أبي هُرَيرةَ قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ من مَغرِبِها، فإذا طَلَعت ورَآها النَّاسَ آمِنَ من عليها، فذلك حينَ لا يُنفَعُ نَفسا إيمانِها لَم تَكُن آمَنت من قَبلُ أو كسَبت في إيمانِها خَيْرًا )) [2367] أخرجه البخاري (4636)، ومسلم (157) باختلافٍ يسيرٍ. وأخرجه أبو داود (4312) واللَّفظُ له كما ذكر المصنف. ... وقَد تَقَدَّم في كِتابِ الإيمانِ حَديثُ أبي هُرَيرةَ الذي قال فيه: ((ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُنْ آمَنَتْ من قَبلُ أو كسَبتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، ودابَّةُ الأرضِ ))، وذَكَرَ من جُملةِ الثَّلاثِ: ((الدَّجَّالَ)). ويَلزَمُ عليه أن يَرتَفِعَ التَّكليفُ بالإيمانِ وبِالتَّوبةِ عِندَ خُروجِه. والأحاديثُ الآتيةُ في صِفةِ الدَّجَّالِ تَدُلُّ على خِلافِ ذلك، على ما سَنُبَيِّنُه، فدَلَّ على أنَّ ذِكرَ الدَّجَّالِ مَعَ الطُّلوعِ والدَّابَّةِ وَهْمٌ من بَعضِ الرُّواةِ، واللهُ تعالى أعلَمُ) [2368] يُنظر: ((المفهم)) (7/ 242). .
وفي ارتِباطِ الدَّابَّةِ بطُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها قال ابنُ حَجَرٍ: (الحِكمةُ في ذلك أنَّ عِندَ طُلوعِ الشَّمسِ مِنَ الْمَغرِبِ يُغلَقُ بابُ التَّوبةِ، فتَخرُجُ الدَّابَّةُ تُمَيِّزُ الْمُؤمِنَ مِنَ الكافِرِ تَكميلًا للمَقصودِ من إغلاقِ بابِ التَّوبةِ) [2369] يُنظر: ((فتح الباري)) (11/ 353). .
الإشكالُ الثَّاني:
عَن أنسِ بن مالِكٍ رَضِيَ الله عَنه أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ بَلَغَهُ مَقْدَمُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ، فأتَاهُ يَسْأَلُهُ عن أشْيَاءَ، فَقَالَ: إنِّي سَائِلُكَ عن ثَلَاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا نَبِيٌّ، ما أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وما أوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ؟ وما بَالُ الوَلَدِ يَنْزِعُ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ؟ قَالَ: ((أخْبَرَنِي به جِبْرِيلُ آنِفًا)). قَالَ ابنُ سَلَامٍ: ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ، قَالَ: ((أمَّا أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ )) [2370] أخرجه البخاري (3938). .
وعَن أبي زُرعةَ قال: جَلس إلى مَروانَ بنِ الحَكَمِ بالمَدينةِ ثَلاثةُ نَفرٍ مِنَ الْمُسْلِمينَ، فسَمِعوه وهو يُحَدِّثُ عَنِ الآياتِ: أنَّ أوَّلَها خُروجًا الدَّجَّالُ، فقال عَبدُ الله بنُ عَمرٍو: لَم يَقُلْ مَروانُ شَيئًا، قَد حَفِظْتُ من رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَديثًا لَم أنسَه بَعدُ، سَمِعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُروجًا طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وخُروجُ الدَّابَّةِ على النَّاسِ ضُحًى، وأيُّهما ما كانت قَبلَ صاحِبَتِها، فالأُخرى على إثرِها قَريبًا )) [2371] أخرجه مسلم (2941). .
وعَن حُذَيفةَ بنِ أُسَيدٍ رَضِيَ الله عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((... وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ)) [2372] أخرجه مسلم (2901). .
فالإشكالُ هنا أنَّ الأوَّليَّةَ الْمَذكورةَ في الحَديثِ الأوَّلِ غَيرُ الأوَّليَّةِ الْمَذكورةِ في الحَديثِ الثَّاني، وأيضًا هيَ مَذكورةٌ في الحَديثِ الثَّالِثِ على أنَّها آخِرُ عَلامةٍ. فما مَعنى ذلك؟
قال الطِّيبيُّ في شَرحِ حَديثِ عَبدِ الله بن عَمرٍو السَّابِقِ: (قَولُه: ((إنَّ أوَّلَ الآياتِ)) فإنْ قيلَ: طُلوعُ الشَّمسِ لَيسَ بأوَّلِ الآياتِ؛ لأنَّ الدُّخانَ والدَّجَّالَ قَبلَه؟ أُجيبَ بأنَّ الآياتِ إمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على قُربِ قيامِ السَّاعةِ، وإمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على وُجودِ قيامِ السَّاعةِ وحُصولِها. ومِنَ الأوَّلِ الدُّخانُ وخُروجُ الدَّجَّالِ ونَحوُهما. ومِنَ الثَّاني ما نَحنُ فيه من طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها، والرَّجفةِ، وبَسِّ الجِبالِ، وخُروجِ النَّارِ وطَردِها النَّاسَ إلى الْمَحْشَرِ. وإنَّما سُمِّيَ أوَّلًا لأنَّه مَبدَأ القِسمِ الثَّاني، ويُؤَيِّدُه حَديثُ أبي هُرَيرةَ بَعدَه: ((لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ من مَغرِبِها)) [2373] أخرجه البخاري (4636)، ومسلم (157) مُطَولًا. ، حَيثُ جَعَلَ طُلوعَ الشَّمسِ من مَغرِبِها غايةً لعَدَمِ قيامِ السَّاعةِ) [2374] يُنظر: ((شرح المشكاة)) (11/ 3449). .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (أوَّلُ الآياتِ الْمُؤذِنُ بقيامِ السَّاعةِ النَّارُ الَّتي تَحشُرُ النَّاسَ كما تَقَدَّم في حَديثِ أنسٍ في بَدءِ الخَلْقِ في مَسائِلِ عَبدِ الله بن سَلامٍ؛ ففيه: ((وأمَّا أوَّلُ أشراطِ السَّاعةِ فنارٌ تَحشرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشرِقِ إلى الْمَغرِبِ )) [2375] يُنظر: ((فتح الباري)) (11/ 353). .
وقال أيضًا: (عِندَ مُسْلِمٍ في بَعضِ طُرُقِه: ((اطَّلَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونَحنُ نَتَذاكَرُ، فقال: ما تَذاكَرونَ؟ قالوا: نَذكُرُ السَّاعةَ. قال: إنَّها لَن تَقومَ حَتَّى تَرَوا قَبلَها عَشْرَ آياتٍ، فذَكرَ الدُّخانَ والدَّجَّالَ والدَّابَّةَ وطُلوعَ الشَّمسِ من مَغرِبِها، ونُزولَ عيسى بن مَريَم، ويَأجوجَ ومَأجوجَ، وثَلاثةَ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَشرِقِ وخَسفٌ بالمَغرِبِ وخَسْفٌ بجَزيرةِ العَرَبِ، وآخِرُ ذلك نارٌ تَخرُجُ من اليَمُنُ فتَطرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهم )). قُلتُ: وهذا في الظَّاهِرِ يُعارِضُ حَديثَ أنسٍ الْمَشارَ إليه في أوَّلِ البابِ؛ فإنَّ فيه أنَّ أوَّلَ أشراطِ السَّاعةِ نارٌ تَحشُرُهم مِنَ الْمَشرِقِ إلى الْمَغرِبِ، وفي هذا أنَّها آخِرُ الأشراطِ، ويَجمَعُ بينَهما بأنَّ آخَريَّتَها باعتِبارِ ما ذُكِرَ مَعَها مِنَ الآياتِ، وأوَّليَّتَها باعتِبارِ أنَّها أوَّلُ الآياتِ الَّتي لا شَيءَ بَعدَها من أمورِ الدُّنيا أصلًا، بَل يَقَعُ بانتِهائِها النَّفخُ في الصُّورِ، بخِلافِ ما ذُكِرَ مَعَها؛ فإنَّه يَبقى بَعدَ كُلِّ آيةٍ مِنها أشياءُ من أمورِ الدُّنيا) [2376] يُنظر: ((فتح الباري)) (13/ 82). .
وقال الصَّنعانيُّ: ( ((أمَّا أوَّلُ أشراطِ السَّاعةِ)) جَمعُ شَرَطٍ -بفَتحِ الواوِ- وهو العَلامةُ، أي: أوَّلُ عَلاماتِ قيامِ السَّاعةِ وهيَ القيامةُ أوِ الوَقتُ الذي تَقومُ فيه القيامةُ، ولِلسَّاعةِ أشراطٌ كثيرةٌ، والحَديثُ لبَيانِ أوَّلِها، وأنَّه ((فنارٌ تَخرُجُ مِنَ الْمَشرِقِ))، هيَ النَّارُ الَّتي في حَديثِ التِّرمِذيِّ عَنِ ابنِ عُمَرَ قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((تَخرُجُ نارٌ من حَضرَمَوت أو من بَحرِ حَضَرموت قَبلَ يَومِ القيامةِ تَحشُرُ النَّاسَ أيَّامًا أيَّامًا )) [2377] أخرجه الترمذي (2217)، وأحمد (4536) بنحوه. صحَّحه الترمذي، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2217)، والوادعي على شرط الشيخين في ((الصَّحيح المسند)) (742)، وصحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (6/246)، وشعيب الأرناؤوط على شرط الشيخين في تخريج ((مسند أحمد)) (4536). .
وأخرَجَ البُخاريُّ ومُسْلِمٌ وأبو داوُدَ عَن عَبدِ الله بن عَمرٍو رضيَ اللهُ عنهما قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أوَّلُ الآياتِ خُروجًا طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وخُروجُ الدَّابَّةِ على النَّاسِ ضُحًى، فأيُّهما كانت فالأخرى على أثَرِها)) [2378] أخرجه مسلم (2941) باختلاف يسير وأخرجه أبو داود (4310) باختلاف يسير كما ذكر المصنف ولم نقف عليه عند البخاري. فإنَّه لا يُنافي هَذِه الأوَّليَّةَ؛ لأنَّ تِلكَ أوَّليَّةُ ظُهورِ الآياتِ، وهَذِه أوَّليَّةُ الحَشْرِ؛ ولِذا قال: ((فتَحشُرُ النَّاسَ إلى الْمَغرِبِ)) تَجمَعُهم إلى جِهَتِه) [2379] يُنظر: ((التنوير شرح الجامع الصغير)) (3/ 213). .
مِن أقوالِ العُلَماءِ في الأشراطِ الكُبرى:
1- قال الطَّحاويُّ: (نَؤمِنُ بأشراطِ السَّاعةِ من خُروجِ الدَّجَّالِ ونُزولِ عيسى بنِ مَريَم عليه السَّلامُ مِنَ السَّماءِ، ونُؤمِنُ بطُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها وخُروجِ دابَّةِ الأرضِ من مَوضِعِها) [2380] يُنظر: ((متن الطحاوية)) (ص: 84). .
2- قال أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ وهو يَذكُرُ إجماعاتِ أهلِ السُّنةِ: (كذلك ما رُوِيَ من خَبرِ الدَّجَّالِ، ونُزولِ عيسى بنِ مَريَم، وقَتلِه الدَّجَّالَ، وغَيرِ ذلك من سائِرِ الآياتِ الَّتي تَواتَرَتِ الرِّوايةُ بكَونِها بينَ يَدَيِ السَّاعةِ من طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وخُروجِ الدَّابَّةِ، وغَيرِ ذلك ممَّا نَقلَه إلينا الثِّقاتُ عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعَرَّفونا صِحَّتَه) [2381] يُنظر: ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص: 166). .
3- قال ابنُ بَطَّةَ: (ونَحنُ الآنَ ذاكِرونَ شَرحَ السُّنةِ ووَصْفَها وما هيَ في نَفسِها... ممَّا أجمَعَ على شَرحِنا لَه أهلُ الإسلامِ وسائِرُ الأمَّة مُذ بَعثَ اللهُ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى وقْتِنا هذا) [2382] يُنظر: ((الإبانة الصغرى)) (ص: 191). إلى أن قال: (ثُمَّ الإيمانُ بأنَّ عيسى بنَ مَريَم عليه السَّلامُ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ فيَكسِرُ الصَّليبَ ويَقتُلُ الخِنزيرَ، وتَكونُ الدَّعوةُ واحِدةً. والدَّجَّالُ خارِجٌ في آخِرِ هَذِه الأمَّة لا مَحالةَ، إحدى عينَيه كأنَّها عِنَبةٌ طافيةٌ، يَطَأ الأرضَ كُلَّها إلَّا مَكَّةَ والمَدينةَ. ويَقتُلُه عيسى بنُ مَريَم عليه السَّلامُ ببابِ لُدٍّ الشَّرقيِّ بأرضِ فلسطينَ على قَدْرِ مَسيرةِ ميلٍ مِنَ الرَّملةِ) [2383] يُنظر: ((الإبانة الصغرى)) (ص: 241-245). .
4- قال ابنُ أبي زَيدٍ: (فممَّا أجمَعت عليه الأمَّةُ من أمورِ الدِّيانةِ ومِنَ السُّننِ الَّتي خِلافُها بِدعةٌ وضَلالةٌ:... والإيمانُ بما جاءَ من خَبَرِ الإسراءِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى السَّمواتِ على ما صَحَّحَته الرِّواياتُ، وأنَّه رَأى من آياتِ رَبِّه الكُبرى، وبِما ثَبَت من خُروجِ الدَّجَّالِ ونُزولِ عيسى بن مَريَمَ عليه السَّلامُ وقَتلِه إيَّاه، وبِالآياتِ الَّتي تَكونُ بينَ يَدَيِ السَّاعةِ من طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها وخُروجِ الدَّابَّةِ وغَيرِ ذلك ممَّا صَحَّحَتِ الرِّواياتُ. ونُصَدِّقُ بما جاءَنا عَنِ الله عَزَّ وجَلَّ في كِتابِه، وما ثَبت عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أخبارِه) [2384] يُنظر: ((الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ)) (ص: 107-114). .
5- قال أبو عَمْرٍو الدَّاني في اعتِقادِ أهلِ السُّنةِ: (مِن قَولِهم: إنَّ الإيمانَ واجِبٌ بما جاءَ عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وثَبَت بالنَّقلِ الصَّحيحِ، وتَداوَلَ حَمْلَه الْمُسلِمونَ من ذِكرِ وعيدِ الآخِرةِ، وذِكرِ الطَّوامِّ، وأشراطِ السَّاعةِ، وعَلاماتِها، واقتِرابِها؛ فمِن ذلك: خُروجُ الكَذَّابِ الأعوَرِ الدَّجَّالِ، وفِتْنَتُه، وأنَّ لَه جَنةً ونارًا، فجَنَّتُه نارٌ، ونارُه جَنةٌ، وأنَّ عيسى عليه السَّلامُ يَقتُلُه فيَهلِكُ ومَن مَعَه من أهلِ الكُفرِ والضَّلالِ. فصلٌ: ومِنه: نُزولُ عيسى عليه السَّلامُ، وكَسرُه الصَّليبَ، وقَتْلُه الخِنزيرَ، والدَّجَّالُ، وتَقَعُ الأَمَنةُ في الأرضِ، وتَكونُ الدَّعوةُ للَّه رَبِّ العالَمينَ. وقال عَزَّ من قائِلٍ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ يَعني: قَبلَ مَوتِ عيسى عليه السَّلامُ إذا نَزَلَ، وقال: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ، يَعني: عيسى عليه السَّلامُ. فصلٌ: ومِنه: خُروجُ يَأجوجَ ومَأجوجَ، وهما ذَرْءُ جَهنَّمَ؛ قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فيَخرُجونَ فيَنشغونَ الْمياهَ وتَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنهم، ثُمَّ يَبعَثُ اللهُ عليهم النَّغفَ، وهيَ: دودٌ في أقفائِهم، فيَقتُلُهم بها، فتَنتنُ الأرضُ من جِيافِهم. فصلٌ: ومِنه: خُروجُ الدَّابَّةِ، تَخرُجُ مِنَ الصَّفَا بمَكَّةَ، وتُكَلِّمُ النَّاسَ بلِسانٍ عَرَبيٍّ مُبِينٍ. قال عَزَّ من قائِلٍ: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي: وجَبَ الغَضَبُ عليهم: أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ الآيةُ. وقال ابنُ عَبَّاس: هيَ دابَّةٌ ذاتُ زغبٍ وريشٍ لَها أربَعُ قَوائِمَ، تَخرُجُ من بَعضِ أودِيَةِ تِهامَةٍ. فصلٌ: ومِنه: طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، فإذا طَلَعت أغلِقَ بابُ التَّوبةِ. قال عَزَّ من قائِلٍ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا الآيةُ. وصَحَّ عَنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ من مَغرِبِها، فإذا طَلَعَت فرآها النَّاسُ آمَنوا أجمَعونَ، وذلك حينَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَتْ من قَبلُ أو كسَبت في إيمانِها خَيرًا )) [2385] أخرجه البخاري (6505) مُطَولًا، ومسلم (157) باختلافٍ يسيرٍ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. . فصلٌ: ومِنه: خُروجُ النَّارِ من أرضِ الحِجازِ، فتَسوقُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهم قَبلَ يَومِ القيامةِ، على ما صَحَّ الخَبَرُ بذلك عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [2386] يُنظر: ((الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات)) (ص: 243-247). .
6- قال ابنُ الحَدَّادِ الْموصِليُّ: (الذي يَجِبُ على العَبدِ اعتِقادُه، ويَلزَمُه في ظاهِرِه وباطِنِه اعتِمادُه: ما دَلَّ عليه كِتابُ الله تعالى، وسُنَّةُ رَسولِه صَلى الله عليه وآلِه وسلَّم، وإجماعُ الصَّدرِ الأوَّلِ من عُلَماءِ السَّلَفِ وأئِمَّتِهم... وأنَّ الآياتِ الَّتي تَظهَرُ عِندَ قُربِ السَّاعةِ، مِن الدَّجَّالِ، ونُزولِ عيسى بنِ مَريَم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدُّخانِ، والدَّابَّةِ، وطُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وغَيرِها مِنَ الآياتِ الَّتي ورَدَت بها الأخبارُ الصِّحاحُ- حَقٌّ) [2387] يُنظر: ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (1/ 260-266). .
7- قال ابنُ العَطَّارِ: (يَجِبُ الإيمانُ بكُلِّ ما أخبَرَ به الصَّادِقُ الْمَصدوقُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما مَضى وفيما يُستَقبَلُ... فخُروجُ الدَّجَّالِ اللَّعين، ونُزولُ عيسى بنِ مَريَم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ السَّماءِ، وطُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وخُروجُ دابَّةِ الأرضِ من مَوضِعِها، وظُهورُ الْمَهديِّ قَبلَ نُزولِ عيسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصَلاتِه وراءَه، وكَونه يَنزِلُ تابِعًا لشَريعةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واحِدًا من أمَّتِه، فيَكسِرُ الصَّليبَ، ويَقتُلُ الخِنزيرَ، ويَضَعُ الجِزْيةَ، ويُزيلُ حُكمَها، ويُريقُ الخُمورَ، ولا يَقبَلُ من أهلِ الذِّمَّةِ وغَيرِهم إلَّا الإسلامَ، ممَّا يَجِبُ الإيمانُ به واعتِقادُ حَقيقَتِه، ومَن كذَّبَ بذلك كَفرَ؛ لأنَّ الصَّادِقَ أخبَر به، ومَن كذَّبَ الصَّادِقَ كَفرَ. وكَذلك يَجِبُ الإيمانُ بجَميعِ ما شاكَلَ هذا ممَّا ثَبَت في الأحاديثِ الصَّحيحةِ عَنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهيَ مَعروفةٌ مَشهورةٌ في كُتُبِ السُّننِ الصَّحيحةِ، والله أعلَمُ) [2388] يُنظر: ((الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد)) (ص: 395). .
8- قال حافِظٌ الحَكَميُّ: (ذَكَرَ تعالى من كِبارِ أشراطِها الدُّخانَ، ونُزولَ عيسى لقَتْلِ الدَّجَّالِ، وخُروجَ يَأجوج ومَأجوجَ، وطُلوعَ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وخُروجَ دابَّةِ الأرضِ، وغَيرَها، كما قال تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان: 10] الآيات. وقال تعالى في شَأنِ عيسى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء: 158، 159]. وقال تعالى في شَأنِ يَأجوجَ ومَأجوجَ:... حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [الأنبياء: 96، 97] الآياتِ. وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [الأنعام: 158] . وقال تعالى: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ [النمل: 82] . وقال تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: 38] . وأمَّا الأحاديثُ في أشراطِ السَّاعةِ فكَثيرةٌ مُتَواتِرةٌ) [2389] يُنظر: ((معارج القبول)) (2/ 689). .
سُرعةُ تَتابُعِ الأشراطِ العَشَرةِ:
عَن عَبد اللهِ بن عَمرٍو رَضِيَ الله عَنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الآياتُ خَرَزاتٌ مَنظوماتٌ في سِلكٍ، فإن يُقطَعِ السِّلكُ يَتبَعْ بعضُها بعضًا)) [2390] أخرجه أحمد (7040) واللَّفظُ له، والحاكم (8461). صحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (2755)، وصحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (7/12)، وجوده البوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (8/112). [2391] يُنظر: ((حاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية)) (ص: 82). ..
قال الصَّنعانيُّ: ( ((الآياتُ)) الَّتي هيَ أشراطُ السَّاعةِ ((خَرَزاتٌ)) أي كخرَزاتٍ. ((مَنظوماتٌ في سِلكٍ)) بكَسرِ الْمُهمَلةِ: الخَيطُ الذي يُشبَكُ فيه الخَرَزُ، مَنظومٌ بَعضُها إلى بَعضٍ. ((فانقَطَعَ السِّلكُ)) أيِ انقَطَعَ. ((فيَتبَعُ بَعضُها بَعضًا)) من غَيرِ فصلٍ بزَمَنٍ طَويلٍ؛ ففيه أنَّها إذا وقَعَت أوَّلُ الآياتِ تَتابَعَت على إثْرِ بَعضِها بَعضًا) [2392] يُنظر: ((التنوير شرح الجامع الصغير)) (4/ 477). .
وقال السَّفارينيُّ: (اعلَم أنَّ أشراطَ السَّاعةِ وأماراتِها تَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: قِسْمٌ ظَهَر وانقَضى، وهيَ الأماراتُ البَعيدةُ، وقِسمٌ ظَهَرَ ولَم يَنقَضِ بَل لا يَزالُ في زيادةٍ حَتَّى إذا بَلَغَ الغايةَ ظَهرَ القِسمُ الثَّالِثُ، وهيَ الأماراتُ القَريبةُ الكَبيرةُ الَّتي تَعقُبُها السَّاعةُ، وأنَّها تَتابَعُ كِنِظامِ خَرَزاتٍ انقَطَعَ سِلكُها) [2393] يُنظر: ((لوامع الأنوار البهية)) (2/ 66). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (الأشراطُ الْمُباشِرةُ، أشراطُ السَّاعةِ الكِبارُ تَأتيك كعِقْدٍ انفَرَطَ سِلكُه، يَعني: تَأتي مُتَتابِعةً سَريعةً: الدَّجَّالُ يَبقى أربَعينَ يَومًا، ثُمَّ يَنزِلُ عيسى، ثُمَّ يَأتي بَعدَ ذلك يَأجوجُ ومَأجوجُ بسُرعةٍ) [2394] يُنظر: ((الموقع الرسمي لابن عثيمين - شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري - الشريط السادس)). .
وقال أيضًا: (عَلاماتُ السَّاعةِ الكُبرى الَّتي تَدُلُّ على قُربِها لَم تَأتِ بَعدُ، وأمَّا العَلاماتُ السَّابِقةُ فإنَّ بعثةَ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من عَلاماتِ السَّاعةِ؛ لأنَّه خاتَمُ الأنبياءِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الأمرَ قَد قَرُبَ، لَكِنَّ هناكَ أشراطًا كبيرةً تَأتي قُربَ قيامِ السَّاعةِ، وتَأتي تَتْرَى مُتَتابِعةً) [2395] يُنظر: (((لقاء الباب المفتوح)) (رقم اللقاء: 75). .

  • الْمَبحَثُ الأوَّلُ: الدُّخانُ.
  • الْمَبحَثُ الثَّاني: خُروجُ الْمَسيحِ الدَّجَّالِ.
  • الْمَبحَثُ الثَّالِثُ: نُزولُ الْمَسيحِ عيسى بنِ مَريَمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ .
  • الْمَبحَثُ الرَّابِعُ: خُروجُ يَأجوجَ ومَأجوجَ.
  • الْمَبحَثُ الخامِسُ: الخُسوفاتُ الثَّلاثةُ.
  • الْمَبحَثُ السَّادِسُ: طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها.
  • الْمَبحَثُ السَّابِعُ: خُروجُ الدَّابَّةِ.
  • الْمَبحَثُ الثَّامِنُ: النَّارُ الَّتي تَحشُرُ النَّاسِ.
  • انظر أيضا: