الموسوعة العقدية

الفَرعُ الرَّابعُ: أرواحُ العُصاةِ

عَن سَمُرةَ بنِ جُندُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِمَّا يُكثِرُ أن يَقولَ لِأصحابِه: ((هَل رأى أحَدٌ منكم من رُؤيا؟ قال: فيَقُصُّ عليه من شاء اللَّهُ أن يَقُصَّ، وإنَّه قال ذاتَ غَداةٍ: إنَّه أتاني اللَّيلةَ آتيانِ وإنَّهما ابتَعَثاني، وإنَّهما قالا لي: انطَلِقْ، وإنِّي انطَلَقْتُ مَعَهما، وإنَّا أتَينا على رَجُلٍ مُضطَجِعٍ، وإذا آخَرُ قائِمٌ عليه بصَخرةٍ، وإذا هو يَهوي بالصَّخرةِ لِرأسِه فيَثلَغُ رأسَه [1694] قال النووي: (أي: يَشدخُه ويَشُقُّه). ((رياض الصالحين)) (ص: 433). وقال ابنُ حجر: (فيَثلَغُ... أي يَشدخُه... والشَّدخُ: كَسرُ الشَّيءِ الأجوَفِ). ((فتح الباري)) (12/ 441). ، فيتدهدَهُ الحَجَرُ [1695] قال الخطابي: (يعني: يتدحرَجُ). ((أعلام الحديث)) (4/ 2322). وقال ابن حجر: (قولُه: فيتدَهدَهُ الحَجَرُ -بفتح المهملتين، بينهما هاء ساكنة-، وفي رواية الكشميهني: فيتدَأْدَأُ بهمزتين بدل الهاءين، وفي رواية النسفي وكذا هو في رواية جرير بن حازم: فيتدَهْدَأُ بهاء ثم همزة، وكل بمعنًى، والمراد أنه دفَعَه من عُلوٍ إلى أسفَلَ، وتدَهْدَهَ: إذا انحَطَّ، والهمزةُ تُبدَلُ من الهاء كثيرًا، وتدَأْدَأَ: تدحرجَ، وهو بمعناه) ((فتح الباري)) (12/ 441). هاهنا، فيَتْبعُ الحَجَرُ فيأخُذُه، فلا يَرجِعُ إلَيه حَتَّى يَصِحَّ رأسُه كَما كانَ، ثُمَّ يَعودُ عليه فيَفعَلُ به مِثلَ ما فعل المَرَّةَ الأولَى قال: قُلتُ لَهما: سُبحانَ اللَّهِ، ما هَذانِ؟ قال: قالا لي: انطَلِقِ انطَلِقْ. قال: فانطَلَقْنا، فأتَينا على رَجُلٍ مُستَلْقٍ لِقَفَاه، وإذا آخَرُ قائِمٌ عليه بكَلُّوبٍ [1696] قال المظهري: (كَلُّوب أي: حديدةٌ مُعْوَجَّةُ الرأسِ). ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (5/ 112). وقال علي القاري: (كَلُّوب بفتح الكاف وتشديد اللام المضمومة، وقد يقال له: الكُلَّابُ أيضًا: حديدةٌ مُعوَّجةُ الرأسِ تتعَلَّقُ بالشيءِ مع شِدَّةٍ، فيُجذَبُ به). ((مرقاة المفاتيح)) (7/ 2925). من حَديدٍ، وإذا هو يأتي أحَدَ شِقَّيْ وَجْهِه فيُشَرشِرُ [1697] قال الخطابي: (قوله: فيُشرشِرُ شِدقَه إلى قفاه يعني: يُشَقِّقُه ويَقطَعُه). ((أعلام الحديث)) (4/ 2322). شِدْقَه [1698] قال المظهري: (في شِدْقِه أي: في طَرَفِ شَفَتِه من جانِبِ أذُنِه). ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (5/ 112). وقال ابنُ حجر: (الشِّدقُ: جانِبُ الفَمِ). ((فتح الباري)) (12/ 442). إلَى قَفَاه، ومَنخِرَه إلَى قَفَاه، وعَينَه إلَى قَفَاه، -قال: ورُبَّما قال أبو رَجاءٍ: فيَشُقُّ-. قال: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلَى الجانِبِ الآخَرِ فيَفعَلُ به مِثلَ ما فعل بالجانِب الأوَّلِ، فما يَفرُغُ من ذلك الجانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذلك الجانِبُ كَما كانَ، ثُمَّ يَعودُ عليه فيَفعَلُ مِثلَ ما فعل المَرَّةَ الأولَى، قال: قُلتُ: سُبْحانَ اللَّهِ، ما هَذانِ؟! قال: قالا لي: انطَلِقِ انطَلِقْ، فانطَلَقنا، فأتَينا على مِثلِ التَّنُّورِ -قال: فأحسَبُ أنَّه كانَ يَقولُ- فإذا فيه لَغَطٌ وأصَواتٌ، قال: فاطَّلَعْنا فيه، فإذا فيه رِجالٌ ونِساءٌ عُراةٌ، وإذا هم يأتيهم لَهَبٌ من أسفلَ مِنهم، فإذا أتاهم ذلك اللَّهَبُ ضَوْضَوْا [1699] قال الخطابي: (يعني: ضَجُّوا وصاحوا. والضوضاء: الضجيجُ والصوتُ). ((أعلام الحديث)) (4/ 2322). وقال النووي: (أي: صاحوا). ((رياض الصالحين)) (ص: 433). وقال ابنُ حجر: (ضَوْضَوا بغير همزة للأكثرِ، وحكي الهمزُ، أي: رَفَعوا أصواتهم مختَلِطةً). ((فتح الباري)) (12/ 442). ، قال: قُلتُ لَهما: ما هَؤُلاءِ؟، قال: قالا لي: انطَلِقِ انطَلِقْ، قال: فانطَلَقْنا، فأتَينا على نَهرٍ -حَسِبْتُ أنَّه كانَ يَقولُ- أحمَرَ مِثلِ الدَّمِ، وإذا في النَّهرِ رَجُلٌ سابحٌ يَسبَحُ، وإذا على شَطِّ النَّهرِ [1700] قال علي القاري: (أي: طَرَفِه). ((مرقاة المفاتيح)) (7/ 2926). رَجُلٌ قَد جَمَعَ عِندَه حِجارةً كَثيرةً، وإذا ذلك السَّابحُ يَسبَحُ ما يَسبَحُ، ثُمَّ يأتي ذلك الَّذي قَد جَمَعَ عِندَه الحِجارةَ، فيَفغَرُ [1701] قال النووي: (أي: يَفتَح). ((رياض الصالحين)) (ص: 433). لَه فاه، فيُلقِمُه حَجَرًا فيَنطَلِقُ يَسبَحُ، ثُمَّ يَرجِعُ إِليه كُلَّما رَجَعَ إلَيه فغَر لَه فاهَ فألقَمَه حَجَرًا!، قال: قُلتُ لَهما: ما هَذانِ؟، قال: قالا لي: انطَلِقِ انطَلِقْ... قال: قُلتُ لَهما: فإنِّي قَد رأيتُ مُنذُ اللَّيلةِ عَجَبًا! فما هَذا الَّذي رأيتُ؟. قال: قالا لي: أمَّا إنَّا سَنُخبرُكَ؛ أمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الَّذي أتَيتَ عليه يُثلَغُ رأسُه بالحَجَرِ، فإنَّه الرَّجُلُ يأخُذُ القُرآنَ فيَرفُضُه ويَنامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكتوبةِ، وأمَّا الرَّجُلُ الَّذي أتَيتَ عليه يُشرشَرُ شِدْقُه إلَى قَفَاه، ومَنخِرُه إلَى قَفَاه، وعَينُه إلَى قَفَاه، فإنَّه الرَّجُلُ يَغدو من بَيتِه، فيَكذِبُ الكَذْبةَ تَبلُغُ الآفاقَ، وأمَّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُراةُ الَّذينَ في مِثلِ بناءِ التَّنُّورِ، فإنَّهمُ الزُّناةُ والزَّواني، وأمَّا الرَّجُلُ الَّذي أتَيتَ عليه يَسبَحُ في النَّهرِ ويُلقَمُ الحَجَرَ، فإنَّه آكِلُ الرِّبا...)) [1702] أخرجه البخاري (7047) واللَّفظُ له، ومسلم (2275) مختصرًا. .
قال ابنُ حَجَرٍ: (فيه أنَّ بَعضَ العُصاةِ يُعذَّبونَ في البَرزَخِ) [1703] يُنظر: ((فتح الباري)) (12/ 445). .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ في قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِىُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى. كَانَ أَحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِه، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ )) [1704] أخرجه مُطَوَّلًا البخاري (216) واللَّفظُ له، ومسلم (292) باختلاف يسير. .
وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنه قال: افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إِلَى وَادِى الْقُرَى وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِى الضِّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ [1705] قال علي القاري: (أي: لا يُدرَى من رماه، وفي شرح السُّنة: هو الحائِدُ عن قَصْدِه، ومنه عارَ الفَرسُ: إذا ذهب على وجهه كأنَّه مُنفَلِتٌ). ((مرقاة المفاتيح)) (6/ 2582). حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((بَلَى، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِى أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا! ))، فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِىِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ فَقَالَ: هَذَا شَىْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ )) [1706] أخرجه البخاري (4234) واللَّفظُ له، ومسلم (115). .
قال ابنُ القَيِّمِ: (المَسألةُ التَّاسِعةُ، وهيَ قَولُ السَّائِلِ: ما الأسبابُ الَّتي يُعذَّبُ بها أصحابُ القُبورِ؟
جَوابُها من وجهينِ: مُجمَلٌ ومُفصَّلٌ:
أمَّا المُجمَلُ: فإنَّهم يُعذَّبونَ على جَهلِهم باللهِ وإضاعَتِهم لِأمرِه وارتِكابهم لِمَعاصيه، فلا يُعذِّبُ اللَّهُ رُوحًا عَرَفتْه وأحَبَّتْه وامتَثَلَت لِأمرِه واجتَنَبَت نَهيَه، ولا بَدَنًا كانَت فيه أبَدًا، فإنَّ عَذابَ القَبرِ وعَذابَ الآخِرةِ أثَرُ غَضَبِ اللَّهِ وسَخَطِه على عَبدِه، فمن أغضَب اللَّهَ وأسخَطَه في هذه الدَّارِ ثُمَّ لَم يَتُبْ ومات على ذلك، كانَ لَه من عَذابِ البَرزَخِ بقَدرِ غَضَبِ اللَّهِ وسَخَطِه عليه، فمُستَقِلٌّ ومُستَكثِرٌ، ومُصَدِّقٌ ومُكَذِّبٌ.
وأمَّا الجَوابُ المُفصَّلُ: فقَد أخبَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّه عليه وآلِه وسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلينِ اللَّذينِ رَآهما يُعذَّبانِ في قُبورِهما: يَمشي أحَدُهما بالنَّميمةِ بينَ النَّاسِ، ويَترُكُ الآخَرُ الاستِبراءَ مِنَ البَولِ، فهَذا تَركَ الطَّهارةَ الواجِبةَ، وذلك ارتَكَبَ السَّبَبَ المُوقِعَ لِلعَدَاوةِ بينَ النَّاسِ بلِسانِه وإن كانَ صادِقًا، وفي هَذا تَنبيهٌ على أنَّ المُوقِعَ بينَهمُ العَداوةَ والكَذِبَ والزُّورَ والبُهتانَ أعظَمُ عَذابًا، كَما أنَّ في تَركِ الاستِبراءِ مِنَ البَولِ تَنبيهًا على أنَّ من تَركَ الصَّلاةَ الَّتي الاستِبراءُ مِنَ البَولِ بَعضُ واجِباتِها وشُروطِها فهو أشَدُّ عَذَابًا،... وقَد تَقَدَّمَ حَديثُ سَمُرةَ في صَحيحِ البُخاريِّ في تَعذيبِ مَن يَكذِبُ الكَذبةَ فتَبلُغُ الآفاقَ، وتَعذيبِ مَن يَقرأُ القِرآنَ ثُمَّ يَنامُ عَنه باللَّيلِ ولا يَعمَلُ به بالنَّهارِ، وتَعذيبِ الزُّناةِ والزَّواني، وتَعذيبِ آكِلِ الرِّبا، كَما شاهدَهمُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّه عليه وآلِه وسلَّم في البَرزَخِ  [1707]أخرجه البخاري (7047) مُطَوَّلًا. .... وقَد أخبَرَنا صَلَّى اللَّه عليه وآلِه وسلَّم عَن صاحِب الشَّملةِ الَّتي غَلَّها مِنَ المَغنَمِ أنَّها تَشتَعِلُ عليه نارًا في قَبرِه. هَذا ولَه فيها حَقٌّ [1708] أخرجه البخاري (4234)، ومسلم (115). ، فكَيف بمن ظَلمَ غَيرَه ما لا حَقَّ لَه فيه؟! فعَذابُ القَبرِ من مَعاصي القَلبِ والعَينِ والأذُنِ والفَمِ واللِّسانِ والبَطْنِ والفَرْجِ واليَدِ والرِّجْلِ، والبَدَنِ كُلِّه... فكُلُّ هَؤُلاءِ وأمثالُهم يُعذَّبونَ في قُبورِهم بهَذِه الجِرائِمِ بحَسَبِ كَثرَتِها وقِلَّتِها وصَغيرِها وكَبيرِها.
ولَمَّا كانَ أكثَرُ النَّاسِ كَذلك، كانَ أكثَرُ أصحابِ القُبورِ مُعَذَّبينَ، والفائِزُ مِنهم قَليلٌ، فظَواهرُ القُبورِ تُرابٌ، وبواطِنُها حَسَراتٌ وعَذابٌ، ظَواهرُها بالتُّرابِ والحِجارةِ المَنقوشةِ مَبنَيَّاتٌ، وفي باطِنِها الدَّواهي والبليَّاتُ، تَغلي بالحَسراتِ كَما تَغلي القُدورُ بما فيها، ويَحِقُّ لَها وقَد حيلَ بينَها وبينَ شَهَواتِها وأمانيها!)  [1709]يُنظر: ((الروح)) (1/223). .
وقال أيضًا: (الأرواحُ مُتَفاوِتةٌ في مُستَقَرِّها في البَرزَخِ أعظَمَ تَفاوُتٍ. فمِنها: أرواحٌ في أعلَى عِلِّيِّينَ في المَلأِ الأعلَى، وهيَ أرواحُ الأنبياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُه عليهم، وهم مُتَفاوِتون في مَنازِلِهم كَما رَآها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةَ الإسراءِ.
ومِنها: أرواحٌ في حَواصِلِ طَيرٍ خُضْرٍ تَسرَحُ في الجَنةِ حَيثُ شاءَت، وهيَ أرواحُ بَعضِ الشُّهداءِ لا جَميعِهم، بَل مِنَ الشُّهداءِ من تُحبَسُ روحُه عَن دُخولِ الجَنَّةِ لِدَينٍ عليه أو غَيرِه، كَما في المُسندِ عَن مُحَمَّدِ بن عَبدِ اللَّهِ بن جَحشٍ أنَّ رَجُلًا جاءَ إلَى النَّبيِّ صَلَّى اللَّه عليه وآلِه وسَلَّمَ فقال: يا رَسولَ اللَّهِ، ما لي إن قُتِلتُ في سَبيلِ اللَّه؟ قال: ((الجَنَّةُ))، فلَمَّا ولَّى قال: ((إلَّا الَّذي سارَّني به جِبريلُ آنِفًا)) [1710] أخرجه أحمد (17253)، وابن أبي شيبة (12144)، والطبراني (19/247) (557) باختلاف يسير. صَحَّحه الألباني في ((شرح الطحاوية)) (403)، وصَحَّحه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (17253). ... ومِنهم: مَن يَكونُ مَحبوسًا في قَبرِه، كَحَديثِ صاحِبِ الشَّملةِ الَّتي غَلَّها ثُمَّ استُشهِدَ، فقال النَّاسُ: هَنيئًا لَه الجَنةُ! فقال النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسَلَّمَ: ((كَلَّا، والَّذي نَفسي بيدِه إنَّ الشَّملةَ الَّتي غَلَّها لَتَشتَعِلُ عليه نارًا في قَبرِه )) [1711] أخرجه البخاري (4234)، ومسلم (115) باختلافٍ يسير ٍمن حَديثِ أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عنه. .
ومِنهم: مَن يَكونُ مَقرُّه ببابِ الجَنَّةِ كَما في حَديثِ ابنِ عِباسٍ: ((لشُّهداءُ على بارِقٍ -نَهرٍ بباب الجَنةِ- في قُبَّةٍ خَضراءَ يَخرُجُ عليهم رِزقُهم مِنَ الجَنةِ بُكْرةً وعَشِيَّةً )). أخرجه أحمَدُ [1712] أخرجه أحمد (2390) واللَّفظُ له، وابن حبان (4658)، والحاكم (2403). صَحَّحه ابنُ حبان، وحسَّنه الألباني في ((صحيح الموارد)) (1334)، وصحَّح إسنادَه الحاكم، وأحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (4/124)، وحسَّنه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (2390)، وجوَّده ابن كثير في ((التفسير)) (2/142). وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/297): إسناده رجالُه ثقاتٌ. ... ومِنهم: مَن يَكونُ مَحبوسًا في الأرضِ لَم تَعْلُ رُوحُه إلَى المَلأِ الأعلَى، فإنَّها كانَت رُوحًا سُفليَّةً أرضيَّةً؛ فإنَّ الأنفُسَ الأرضيَّةَ لا تَجامِعُ الأنفُسَ السَّماويَّةَ كَما لا تُجامِعُها في الدُّنيا، والنَّفسُ الَّتي لَم تَكتَسِبْ في الدُّنيا مَعرِفةَ رَبِّها ومَحَبَّتَه وذِكْرَه والأُنْسَ به والتَّقَرُّبَ إلَيه، بَل هيَ أرضيَّةٌ سُفليَّةٌ، لا تَكونُ بَعدَ المُفارَقةِ لِبَدَنِها إلَّا هناك، كَما أنَّ النَّفسَ العُلويَّةُ الَّتي كانَت في الدُّنيا عاكِفةً على مَحَبَّةِ اللَّه وذِكرِه والتَّقَرُّبِ إلَيه والأُنسِ به تَكونُ بَعدَ المُفارَقةِ مَعَ الأرواحِ العُلويَّةِ المُناسِبةِ لَها، فالمَرءُ مَعَ من أحَبَّ في البرزَخِ ويَومَ القيامةِ، ...ومِنها: أرواحٌ تَكونُ في تَنُّورِ الزُّناةِ والزَّواني، وأرواحٌ في نَهرِ الدَّمِ تَسبَحُ فيه وتُلْقَمُ الحِجارةَ  [1713]أخرجه البخاري (7047) مُطَوَّلًا من حَديثِ سَمُرةَ بنِ جُندبٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ، فلَيسَ لِلأرواحِ سَعيدِها وشَقِيِّها مُستَقَرٌّ واحِدٌ، بَل رُوحٌ في أعلَى عِلِّيِّينَ، وُروحٌ أرضيَّةٌ سُفليَّةٌ لا تَصعَدُ عَنِ الأرضِ.
وأنتَ إذا تأمَّلْتَ السُّننَ والآثارَ في هَذا البابِ، وكانَ لَكَ بها فضلُ اعتِناءِ عَرَفْتَ صِحَّةَ ذلك، ولا تَظُنَّ أنَّ بينَ الآثارِ الصَّحيحةِ في هَذا البابِ تَعارُضًا؛ فإنَّها كُلَّها حَقٌّ يُصَدِّقُ بَعضُها بَعضًا، لَكِنَّ الشَّأنَ في فهمِها ومَعرِفةِ النَّفسِ وأحكامِها، وأنَّ لَها شأنًا غَيرَ شأنِ البَدَنِ، وأنَّها مَعَ كَونِها في الجَنَّةِ فهيَ في السَّماءِ، وتَتَّصِلُ بفِناءِ القَبرِ وبالبَدَنِ فيه، وهيَ أسرَعُ شَيءٍ حَرَكةً وانتِقالًا وصُعودًا وهبوطًا، وأنَّها تَنقَسِمُ إلَى مُرسَلةٍ ومَحبوسةٍ وعُلويَّةٍ وسُفليَّةٍ، ولَها بَعدَ المُفارَقةِ صِحَّةٌ ومَرَضٌ، ولَذَّةٌ ونَعيمٌ وألمٌ أعظَمَ مِمَّا كانَ لَها حالَ اتِّصالِها بالبَدَنِ بكَثيرٍ، فهنالِكَ الحَبسُ والألمُ والعَذابُ والمَرَضُ والحَسرةُ، وهنالِكَ اللَّذَّةُ والرَّاحةُ والنَّعيمُ والإطلاقُ. وما أشبَهَ حالَها في هذا البَدَنِ بحالِ البَدَنِ في بَطنِ أمِّه وحالَها بَعدَ المُفارَقةِ بحالِه بَعدَ خُروجِه مِنَ البَطْنِ إلَى هَذِه الدَّارِ!) [1714] يُنظر: ((الروح)) (1/ 345). .
هَلِ العَذابُ في القَبرِ يَكونُ دائِمًا أو مُنقَطِعًا؟
قال ابنُ القَيِّمِ: (المَسألةُ الرَّابعةَ عَشْرةَ، وهيَ قَولُه: هَل عَذابُ القَبرِ دائِمٌ أو مُنقَطِعٌ؟
جَوابُها أنَّه نَوعانِ: نَوعٌ دائِمٌ سِوى ما ورَدَ في بَعضِ الأحاديثِ أنَّه يُخَفَّفُ عَنهم ما بينَ النَّفخَتينِ، فإذا قاموا من قُبورِهم قالوا: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا، ويَدُلُّ على دَوامِه قَولُه تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ويَدُلُّ عليه ما تَقَدَّمَ في حَديثِ سَمُرةَ الَّذي أخرجه البُخاريُّ في رُؤيا النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفيه: ((فهو يَفعَلُ به ذلك إلَى يَومِ القيامةِ)) [1715] أخرجه البخاري (1386) مُطَوَّلًا باختلاف يسير. ، وفي حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ في قِصَّةِ الجَريدَتينِ ((لَعَلَّه يُخَفَّفُ عَنهما ما لَم ييبَسا ))، فجَعلَ التَّخفيفَ مُقَيَّدًا برُطوبَتِهما فقَط، وفي الصَّحيحِ في قِصَّةِ الَّذي لَبِسَ بُرْدَينِ وجَعلَ يَمشي يَتَبَختَرُ ((فخَسَف اللَّهُ به الأرضَ، فهو يَتَجَلجَلُ فيها إلَى يَومِ القيامةِ )) [1716] أخرجه مُطَوَّلًا البخاري (5790)، ومسلم (2088) واللَّفظُ له. . وفي حَديثِ البراءِ بن عازِبٍ في قِصَّةِ الكافِرِ: ((ثُمَّ يُفتَحُ لَه بابٌ إلَى النَّارِ، فيَنظُرُ إلَى مَقعَدِه فيها حَتَّى تَقومَ السَّاعةُ)). أخرجه الإمامُ أحمَدُ [1717] أخرجه أحمد (11000) واللَّفظُ له، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (865)، والبزار كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (3/50) مُطَوَّلًا. صحَّحه ابنُ القيِّم في ((إعلام الموقعين)) (1/164)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (11000)، وصحَّح إسنادَه الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (3394)، وقال ابنُ كثيرٍ في ((تفسير القرآن)) (4/417): إسنادُه لا بأسَ به. . وفي بَعضِ طُرُقِه: ((ثُمَّ يَخرِقُ لَه خَرقًا إلَى النَّارِ، فيأتيه من غَمِّها ودُخَانِها إلَى يَومِ القيامةِ)) [1718] أخرجه الطبري في ((مسند عمر)) (2/508) مُطَوَّلًا باختلافٍ يسيرٍ من حَديثِ جابر بن عبد الله رَضِيَ اللهُ عنهما. وصحَّح إسنادَه. .
النَّوعُ الثَّاني إلَى مُدَّةٍ، ثُمَّ يَنقَطِعُ، وهو عَذابُ بَعضِ العُصاةِ الَّذينَ خَفَّت جَرائِمُهم، فيُعذَّبُ بحَسَبِ جُرمِه، ثُمَّ يُخَفَّفُ عَنه كَما يُعذَّبُ في النَّارِ مُدَّةً، ثُمَّ يَزولُ عَنه العَذابُ.
وقَد يَنقَطِعُ عَنه العَذابُ بدُعاءٍ، أو صَدَقةٍ، أوِ استِغفارٍ، أو ثَوابِ حَجٍّ، أو قِراءةٍ تَصِلُ إلَيه من بَعضِ أقارِبه أو غَيرِهم، وهَذا كَما يُشَفَّعُ الشَّافِعُ في المُعذَّبِ في الدُّنيا، فيُخَلَّصُ مِنَ العَذَابِ بشَفَاعَتِه) [1719] يُنظر: ((الروح)) (ص: 269-271). .
وقال ابنُ أبي العِزِّ: (هَل يَدومُ عَذابُ القَبرِ أو يَنقَطِعُ؟
جَوابُه أنَّه نَوعانِ: مِنه ما هو دائِمٌ، كَما قال تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: 46]، وكَذلك في حَديثِ البراءِ بن عازِبٍ في قِصَّةِ الكافِرِ: ((ثُمَّ يُفتَحُ لَه بابٌ إلَى النَّارِ، فيَنظُرُ إلَى مَقعَدِه فيها حَتَّى تَقومَ السَّاعةُ)) ، أخرجه الإمامُ أحمَدُ في بَعضِ طُرُقِه [1720] أخرجه مُطَوَّلًا أبو داود (4753)، وأحمد (18534) بنحوه، والطبري في ((مسند عمر)) (723) باختلاف يسير. صحَّحَه القرطبي في ((التذكرة)) (119)، وابن القيم في ((الروح)) (1/269)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن أبي داود)) (4753)، وحسَّنه المنذريُّ في ((الترغيب والترهيب)) (280/4)، وابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (4/290)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (150). .
والنَّوعُ الثَّاني: أنَّه مُدَّةٌ ثُمَّ يَنقَطِعُ، وهو عَذابُ بَعضِ العُصاةِ الَّذينَ خَفَّت جَرائِمُهم، فيُعذَّبُ بحَسَبِ جُرمِه، ثُمَّ يُخَفَّفُ عَنه) [1721] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/ 582). .
وقال ابنُ بازٍ: (أمَّا العاصي فهو تَحتَ المَشيئةِ، قَد يُعاقَبُ في قَبرِه، قَد يُعذَّبُ، وقَد يُعفى عَنه؛ قَد يُعذَّبُ وقتًا دونَ وقتٍ، فأمرُه إلَى اللَّهِ جلَّ وعلا، وقَد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه مَرَّ على قَبرينِ، فإذا هما يُعذَّبانِ؛ أحَدُهما يُعذَّبُ بالنَّميمةِ، والثَّاني يُعذَّبُ لِعَدَمِ تَنزُّهِه مِنَ البَولِ.
فالعاصي على خَطرٍ إذا ماتَ على المَعاصي ولَم يَتُبْ، وهو مُتَوعَّدٌ بالعَذابِ، لَكِن قَد يُعفى عَنه لِأسبابِ أعمالٍ صالِحةٍ كَثيرةٍ، أو بأسبابٍ أخرَى، وإذا عُذِّبَ فاللَّهُ أعلَمُ سُبحانَه بكَيفيَّةِ العَذابِ واستِمرارِه وانقِطاعِه، هَذا إلَى اللَّهِ سُبحانَه وتعالى، هو الَّذي يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ جلَّ وعلا) [1722] يُنظر: ((الموقع الرسمي لابن باز)). .

انظر أيضا: