الموسوعة العقدية

الفَصْلُ الأوَّلُ: الوَلايةُ

تَمهيدٌ:
قد بيَّنَ اللهُ سُبحانَه وتعالى أنَّ له أولياءَ، وأنَّ للشَّيطانِ أولياءَ، وفرَّقَ بينَ أولياءِ الرَّحمَنِ وأولياءِ الشَّيطانِ.
قال اللهُ تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس: 62-64] .
 قال ابنُ جَريرٍ: (يَقولُ تعالى ذِكرُه: ألَا إِنَّ أنصارَ اللهِ لا خَوفٌ عليهم في الآخِرةِ مِن عِقابِ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ رَضي عَنهم فآمَنَهم مِن عِقابِه، ولا هم يَحزَنونَ على ما فاتَهم مِنَ الدُّنيا. والأولياءُ مَن كانَ بالصِّفةِ الَّتي وصَفه اللهُ بها، وهو الذي آمَنَ واتَّقى، كما قال اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [1080] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/ 208، 212). .
وقال اللهُ سُبحانَه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 257] .
 قال ابنُ جَريرٍ: (يَعني تعالى ذِكرُه بقَولِه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا: نَصيرُهم وظَهيرُهم، يَتَوَلَّاهم بعَونِه وتَوفيقِه يُخرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ يَعني بذلك: يُخرِجُهم مِن ظُلُماتِ الكُفرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وإنَّما عَنى بالظُّلُماتِ في هَذا المَوضِعِ الكُفرَ، وإنَّما جَعَلَ الظُّلُماتِ للكُفرِ مَثَلًا؛ لأنَّ الظُّلُماتِ حاجِبةٌ للأبصارِ عَن إدراكِ الأشياءِ وإثباتِها، وكذلك الكُفرُ حاجِبٌ أبصارَ القُلوبِ عَن إدراكِ حَقائِقِ الإيمانِ والعِلمِ بصِحَّتِه وصِحَّةِ أسبابِه. فأخبَر تعالى ذِكرُه عِبادَه أنَّه وليُّ المُؤمنينَ ومُبَصِّرُهم حَقيقةَ الإيمانِ وسُبُلَه وشَرائِعَه وحُجَجَه، وهاديهم، فمُوَفِّقُهم لأدِلَّتِه المُزيلةِ عَنهم الشُّكوكَ بكَشْفِه عَنهم دَواعيَ الكُفرِ، وظُلمَ سَواتِرِ أبصارِ القُلوبِ. ثُمَّ أخبَر تعالى ذِكرُه عَن أهلِ الكفرِ به، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَعني الجاحِدينَ وحِدانيَّتَه أَوْلِيَاؤُهُم يَعني نُصَراءَهم وظُهَراءَهم الذينَ يَتَولَّونَهم، الطَّاغوتُ يَعني الأندادَ والأوثانَ الذينَ يَعبُدونَهم مِن دونِ الله، يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ يَعني بالنُّورِ الإيمانَ على نَحوِ ما بَيَّنَّا... ويَعني بالظُّلُماتِ ظُلُماتِ الكُفرِ وشُكوكَه الحائِلةَ دونَ أبصارِ القُلوبِ ورُؤيةِ ضياءِ الإيمانِ وحَقائِقِ أدِلَّتِه وسُبُلِه) [1081] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/ 563). .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: 98-100] .
 قال الواحِديُّ: (قَولُه: إنَّه ليسَ له سُلْطانٌ على الَّذِينَ آمَنُوا يَعني به سُلطانَ الإغواءِ، وهو مَعنى قَولِ المُفسِّرينَ: ليسَ له حُجَّةٌ، أي: لا حُجَّةَ له على المُؤمِنينَ في إغوائِهم ودُعائِهم إلى الضَّلالةِ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّونَه قال ابنُ عَبَّاسٍ: يُطيعونَه. يُقالُ: تَولَّيتُه، أي: أطَعْتُه وواليتُه) [1082] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) (3/ 84). .
وقال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: 76] .
 قال ابنُ جَريرٍ: (فَقَاتِلُوا أيُّها المُؤمِنونَ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ يَعني بذلك: الذينَ يَتَولَّونَه ويُطيعونَ أمرَه في خِلافِ طاعةِ اللهِ والتَّكذيبِ به، ويَنصُرونَه إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا يَعني بكَيدِه: ما كادَ به المُؤمِنينَ مِن تَحزيبِه أولياءَه مِنَ الكُفَّارِ باللهِ على رَسولِه وأوليائِه أهلِ الإيمانِ به. يَقولُ: فلا تَهابوا أولياءَ الشَّيطانِ؛ فإنَّما هم حِزْبُه وأنصارُه، وحِزبُ الشَّيطانِ أهلُ وَهنٍ وضَعفٍ. وإنَّما وصَفَهم جَلَّ ثَناؤُه بالضَّعفِ؛ لأنَّهم لا يُقاتِلونَ رَجاءَ ثَوابٍ، ولا يَتركونَ القِتالَ خَوفَ عِقابٍ، وإنَّما يُقاتِلونَ حَمِيَّةً أو حَسَدًا للمُؤمِنينَ على ما آتاهم اللهُ مِن فَضْلِه، والمُؤمِنونَ يُقاتِلُ مَن قاتَلَ منهم رَجاءَ العَظيمِ مِن ثَوابِ اللهِ، ويَترُكُ القِتالَ إنْ تَركَه على خَوفٍ مِن وعيدِ اللهِ في تَركِه، فهو يُقاتِلُ على بَصيرةٍ بما له عِندَ اللهِ إنْ قُتِلَ، وبِما له مِن الغَنيمةِ والظَّفَرِ إن سَلِمَ، والكافِرُ يُقاتِلُ على حَذَرٍ مِنَ القَتْلِ، وإياسٍ مِن مَعادٍ، فهو ذو ضَعفٍ وخَوفٍ) [1083] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/ 229). .
وقال اللهُ سُبحانَه: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: 175] .
 قال ابنُ كثيرٍ: (قال تعالى: إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ أي: يُخَوِّفُكم أولياءَه، ويُوهمُكم أنَّهم ذَوو بَأسٍ وذَوو شِدَّةٍ، قال اللهُ تعالى: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: إذا سوَّلَ لكم وأوهَمَكم فتوَكَّلوا عليَّ والجَؤوا إليَّ؛ فأنا كافيكم وناصِرُكم عليهم) [1084] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/ 172). .

  • المَبحَثُ الأوَّلُ: تَعريفُ الوَلايةِ والوَليِّ لُغةً واصطِلاحًا.
  • المَبحَثُ الثَّاني: شُروطُ الوَلايةِ الإلهيَّةِ   .
  • المَبحَثُ الثَّالِثُ: أقسامُ الأولياءِ والتَّفاضُلُ بينَهم في وَلايةِ اللهِ تعالى.
  • انظر أيضا: