trial

الموسوعة العقدية

المسألة الثانية: معنى إحصاء أسماء الله


معنى قوله((من أحصاها)) وهو يحتمل وجوها:
- أن يعدها حتى يستوفيها حفظاً, ويدعو ربه بها، ويثني عليه بجميعها، كقوله تعالى: لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [ الجن: 28]. واستدل له الخطابي بقوله صلى الله عليه وسلم – كما في الرواية الأخرى – ((من حفظها دخل الجنة)) رواه البخاري (6410)، ومسلم (2677). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ((شأن الدعاء)) (26). .
وقال النووي: قال البخاري وغيره من المحققين: معناه حفظها, وهذا هو الأظهر لثبوته نصاً في الخبر.
وقال في الأذكار: وهو قول الأكثرين ((الأذكار)) (64).          .
وقال ابن الجوزي: لما ثبت في بعض طرق الحديث ((من حفظها)) بدل ((من أحصاها))، اخترنا أن المراد (العد) أي: من عدها ليستوفيها حفظاً.
ورد هذا القول الحافظ فقال: وفيه نظر، لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ ((حفظها)) تعيين السرد عن ظهر قلب, بل يحتمل الحفظ المعنوي.
وقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط, لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العلم بها.
وكذا قال أبو نعيم الأصبهاني وابن عطية ((الفتح)) (11/226).     .
- أن يكون المراد بالإحصاء (الإطاقة)، كقوله تعالى: عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ [ المزمل: 20] أي لن تطيقوه، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم ((استقيموا ولن تحصوا..)) رواه ابن ماجه (226)، وأحمد (5/276) (22432)، والدارمى (1/174) (655)، وابن حبان (3/311) (1037)، والطبراني (2/101) (1444)، والحاكم (447)، والبيهقي (1/82) (389). من حديث ثوبان رضي الله عنه. قال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (1/47): هذا الحديث رجاله ثقات أثبات، إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان، فإنه لم يسمع منه بلا خلاف، لكن له طرق أخرى متصلة، وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (1/130): إسناده صحيح، وجوّد إسناده النووي في ((المجموع)) (2/4)، وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (1/181) كما قال في المقدمة. . أي: لن تبلغوا كل الاستقامة.
فيكون المعنى: أن يطبق الأسماء الحسنى ويحسن المراعاة لها، وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بواجبها.
فإذا قال: يا رحمن يا رحيم، تذكر صفة الرحمة، واعتقد أنها من صفات الله سبحانه، فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته.
وإذا قال: (السميع البصير) علم أنه يراه ويسمعه, وأنه لا تخفى عليه خافية، فيخافه في سره, وعلنه, ويراقبه في كافة أحواله.
وإذا قال: (الرزاق) اعتقد أنه المتكفل برزقه يسوقه إليه في وقته, فيثق بوعده, ويعلم أنه لا رازق له سواه.. إلخ ((شأن الدعاء)) ص(27-28) ((الفتح)) (11/225-226).         .
وقال أبو عمر الطلمنكي: من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعرفة بالأسماء والصفات, وما تتضمن من الفوائد, وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالماً لمعاني الأسماء، ولا مستفيداً بذكرها ما تدل عليه من المعاني اهـ ((الفتح)) (11/226).     .
- أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة, فيكون معناه أن من عرفها، وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة، وهو مأخوذ من الحصاة وهي العقل، والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل، ومعرفة بالأمور ((شأن الدعاء)) ص(28-29) ((الفتح)) (11/225).                 .
قال القرطبي: المرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة.
وهذه المراتب الثلاثة للسابقين, والصديقين, وأصحاب اليمين اهـ ((الفتح)) (11/225).     .
د – أن يكون معنى الحديث أن يقرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة. ((شأن الدعاء)) (ص: 29) وانظر فيما سبق أيضاً ((تفسير الأسماء)) للزجاج ص (22-24) والرازي في ((شرح الأسماء)) (ص: 81-82).
قلت: لكن قد يفوته بعض الأسماء الواردة بالأحاديث النبوية الزائدة على القرآن.
- طعن أبو زيد البلخي في صحة الخبر بأن دخول الجنة ثبت في القرآن مشروطاً ببذل النفس والمال, فكيف يحصل بمجرد حفظ ألفاظ تعد في أيسر مدة؟
قال الحافظ:
وتعقب بأن الشرط المذكور ليس مطرداً ولا حصر فيه، بل قد تحصل الجنة بغير ذلك، كما ورد في كثير من الأعمال غير الجهاد إن فاعله يدخل الجنة. وأما دعوى أن حفظها يحصل في أيسر مدة فإنما يرد على من حمل (الحفظ والإحصاء) على معنى أن يسردها عن ظهر قلب، فأما من أوله على بعض الوجوه المتقدمة فإنه يكون في غاية المشقة. ويمكن الجواب عن الأول بأن الفضل واسع اهـ. ((الفتح)) (11/227).     .
وقد ذكر الرازي أن من أخذ هذا الحديث دون الزيادة التي فيها تفصيل الأسماء كان المراد بقوله (من أحصاها) أي من طلبها في القرآن, وفي جملة الأحاديث الصحيحة حتى يلتقط منها تلك الأسماء التسعة والتسعين, ومعلوم أن ذلك مما لا يمكن تحصيله إلا بعد تحصيل علم الأصول والفروع حتى يقدر على التقاط هذه الأسماء من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ومعلوم أن من حصل هذه العلوم، واجتهد حتى بلغ درجة يمكنه معها التقاط هذه الأسماء من الكتاب والسنة فقد بلغ الغاية القصوى في العبودية ((شرح الأسماء للرازي)) (82).            اهـ باختصار.
- قوله: (وهو وتر يحب الوتر).
الوتر: هو الفرد، ومعناه في صفة الله جل وعلا الواحد الذي لا شريك له, ولا نظير له، المتفرد عن خلقه, البائن منهم بذاته وصفاته, فهو سبحانه وتر.
وجميع خلقه شفع, خلقوا أزواجاً. قال سبحانه: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: 49].
فالمراد أن الله يحب الوتر من كل شيء, وإن تعدد ما فيه الوتر، ولذلك أمر بالوتر في كثير من الأعمال والطاعات كما في الصلوات الخمس, ووتر الليل, وأعداد الطهارة, وتكفين الميت. وفي كثير من المخلوقات كالسموات والأرض ((الفتح)) (11/227).     . النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود- ص 46
 وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في معنى الإحصاء:
1- الإحاطة بها لفظاً ومعنى.
2- دعاء الله بها، لقوله تعالى: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] ، وذلك بأن تجعلها وسيلة لك عند الدعاء، فتقول: يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم! وما أشبه ذلك
3- أن تتعبد لله بمقتضاها، فإذا علمت أنه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمت أنه غفور تتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه سميع اتقيت القول الذي يغضبه، وإذا علمت أنه بصير اجتنبت الفعل الذي لا يرضاه القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - 3/90
وقال أيضاً: أما قولـه صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)) رواه البخاري (2736)، ومسلم (2677). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: (إن أسماء الله تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة) أو نحو ذلك إذن فمعنى الحديث: أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فيكون قوله: (من أحصاها دخل الجنة) جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف قال شيخ الإسلام ابن تيميه في (الفتاوى) ص 383 جـ6 من "مجموع ابن قاسم": تعيينها ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بحديثه، وقال قبل ذلك ص 379: إن الوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسراً في بعض طرق حديثه اهـ وقال ابن حجر في (فتح الباري) ص215 جـ11 ط السلفية: ليست العلة عند الشيخين (البخاري ومسلم)، تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب، وتدليسه واحتمال الإدراج اهـ ولما لم يصح تعيينها عن النبي صلى الله عليه وسلم اختلف السلف فيه، وروي عنهم في ذلك أنواع القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص17

انظر أيضا: