trial

الموسوعة العقدية

المطلب الثالث: الجن يأكلون ويشربون


اختلف العلماء في أن الجن هل يأكلون ويشربون أم لا؟ للعلماء في هذه المسالة ثلاثة أقوال:
أولاً: أن جميع الجن يأكلون ويشربون.
ثانياً: أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون.
ثالثاً: أن قسماً منهم يأكل ويشرب, والقسم الآخر لا يأكل ولا يشرب.
وقد اعتمد القائلون على أن قسماً من الجن لا يأكلون ولا يشربون على بعض الأحاديث، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب)) رواه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (1/205)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (5/1639) (10811)، وابن أبي الدنيا في ((الهواتف)) (156). من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. قال ابن حبان في ((المجروحين)) (2/458): (فيه) يزيد بن سنان يخطئ كثيرا حتى يروي عن الثقات مالا يشبه حديث الأثبات لا يعجبني الاحتجاج بخبره، وقال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (4/428): (فيه يزيد بن سنان ذكر من جرحه). . قال السهيلي: (ولعل الصنف الثاني هو الذي لا يأكل ولا يشرب، إن صح أن الجن لا تأكل ولا تشرب) ((الفتاوى الحديثية)) (ص: 65). .
ويقول القاضي بدر الدين الشبلي: (عن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول: وسئل عن الجن ما هم، وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون؟ فقال: هم أجناس، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون، منهم السعالي والقطرب وأشباه ذلك) ((آكام المرجان في أحكام الجان)) (ص: 29).        . ويقول ابن حجر الهيتمي: (قال الإمام فخر الدين الرازي: اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون, ولا يشربون, ولا يتناكحون، وأما الجن فإنهم يأكلون, ويشربون, وينكحون, ويتوالدون) ((الفتاوى الحديثية)) (ص: 65). .
والذي تدل عليه النصوص أن الجن يأكلون ويشربون، دون تخصيص بعضهم بذلك دون بعض، ففي حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن, قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم, وآثار نيرانهم, وسألوه الزاد, فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً, وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله صلى الله عليه: فلا تستنجوا بها فإنها طعام إخوانكم)) رواه البخاري (3859)، ومسلم (450). .
وأخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال: (قدم وفد الجن على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد: إنْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم, أو روثة, أو حممة، فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقاً، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك) رواه أبو داود (39). .
وقد ذكر عماد الدين العامري أن العظم الذي ذكر اسم الله عليه هو طعام المؤمنين من الجن، وأما الكافرون منهم فإنما طعامهم فيما لم يذكر اسم الله عليه ((بهجة المحافل وبغية الأماثل)) (1/124). .
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الشيطان يأكل ويشرب، فعن ابن عمر رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)).
وكذلك ما ورد من أن الشيطان يدخل هو وأتباعه على البيوت التي لا يذكر أصحابها اسم الله عز وجل، فيأكلون ويبيتون معهم، فعن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء)) رواه مسلم (2018). .
وقد ورد كذلك أن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، فعن حذيفة قال: ((كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيضع يده, وأنَّا حضرنا معه مرة طعاماً، فجاءت جارية كأنها تدفع. فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها. ثم جاء أعرابي كأنما يدفع. فأخذ بيده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه. وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها. فأخذت بيدها. فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به. فأخذت بيده. والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع يدها)) رواه مسلم (2017). .
ففي الحديث دلالة على أن الشيطان يستحل الطعام بالأكل منه إذا لم يذكر اسم الله عليه، وقد كان الشيطان وراء تلك الجارية والأعرابي، يدفعهما بسرعة إلى الطعام، بحيث لا يذكرون اسم الله عليه، فبذلك يأكل الشيطان معهما من الطعام، ولذلك نزع عليه الصلاة والسلام أيديهما من الطعام، وذكر اسم الله، ثم أكل.
وأما القول الثاني الذي يقول: إن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، فهو قول لا دليل عليه، وهو مخالف للأحاديث الصريحة، الدالة على أكل الجن وشربهم، يقول القاضي بدر الدين الشبلي: (فالقائلون أن الجن لا تأكل ولا تشرب، إن أرادوا أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، فهذا قول ساقط، لمصادمته الأحاديث الصحيحة، وإن أرادوا أن صنفاً منهم لا يأكلون ولا يشربون، فهو محتمل، غير أن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون) ((آكام المرجان في أحكام الجان)) (ص: 35). .
ولكنه قد حصل خلاف بين العلماء في كيفية أكلهم وشربهم.
فقال بعضهم: (إن أكلهم وشربهم تشمم واسترواح، لا مضغ وبلع).
وقال آخرون: (إن أكلهم وشربهم مضع وبلع) ((آكام المرجان في أحكام الجان)) (ص: 28).        ، والذي تشهد له الأحاديث أن أكل الجن وشربهم مضغ وبلع، لا تشمم واسترواح كما قال بعضهم، فقد روى أبو داود عن أمية بن مخشي - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ورجل يأكل، فلم يسم حتى إذا لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره, فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله عز وجل استقاء ما في بطنه)) رواه أبو داود (3768)، وأحمد (4/336) (18983)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (4/174) (6758)، والطبراني (1/291) (855)، والحاكم (4/121). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (4/152). .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن وفداً من نصيبين سألوني الزاد، فلا تستنجوا بعظم ولا روثة، فإنهما طعام إخوانك من الجن، فقالوا: وما يغني ذلك عنهم؟ قال: لا يمرون بعظم إلا وجدوا عليه عرقة، ولا يمرون بروثة إلا وجدوا عليها طُعماً)) الحديث من زيادات رزين. وينظر جامع الأصول7/146. والحديث أخرجه مسلم(450) من حديث ابن مسعود بنحوه. .
ولو كان أكلهم تشمماً واسترواحاً لما سألوه الزاد ولاكتفوا بالعظم وحده. إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على أنهم يأكلون ويشربون حقيقة، والله أعلم. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص 46
 

انظر أيضا: