trial

الموسوعة العقدية

المطلب الثاني: البدء بالنفس ((الإحياء)) (2/328)، ((القرطبي)) (1/368)، ((تنبيه الغافلين)) (ص: 110-118)، ((الفتح المبين)) (ص: 245)، وانظر ((حاشية المدابغي)) (ص: 245)، وانظر ((غذاء الألباب)) (1/215-219)، ((لوامع الأنوار البهية)) (2/430-433)، ((أضواء البيان)) (1/172).


قدمنا لك فيما سبق أن العدالة ليست بشرط للقيام بهذا العمل.. وإلا حكمنا بإبطال مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد قيل:


إذا لم يعظ الناس من هو مذنب




فمن يعظ الناس بعد محمد

وليس معنى عدم اشتراط العدالة من أجل القيام بتلك المهمة أن لا يلام من فرط فيها فارتكب محارم الله!!
بل القبح للذنب في حقه أعظم وأشد من غيره. ولذا كانت عقوبته في الآخرة من نوع خاص في جهنم!.. إنه يدور في أمعائه كما يدور الحمار في الرحى.. كما جاء ذلك صريحاً في حديث أسامة بن زيد –رضي الله عنه- مرفوعاً: ((يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان: ما شأنك؟ أليس كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآيته)) رواه البخاري (3267)، ومسلم (2989). .
ومن لطيف المناسبة هنا أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وهو غير ممتثل لما يأمر به ولا تارك لما ينهى عنه قد وقع تشبيهه في هذا الحديث بالحمار! كما أن الله عز وجل شبه حال المعرضين عن الأمر والنهي والموعظة والتذكير بالحمار أيضاً فقال: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ [المدثر: 50-51] فما أسوأ الحالين وما أحرى المسلم بالابتعاد عنهما!!
قال السفاريني –رحمه الله-:


ومن نهى عما له قد ارتكب




فقد أتى مما به يقضي العجب


فلو بدا بنفسه فذادها




عن غيها لكان قد أفادها

وقال أيضاً: (إنما يصح التأديب بالسوط من صحيح البدن، ثابت القلب، قوي الذراعين، فيؤلم ضربه فيردع، فأما من هو سقيم البدن لا قوة له، فماذا ينفع تأديبه بالضرب؟ والنفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به) ((لوامع الأنوار البهية)) (2/43). ا.هـ.
وإنما كان التشنيع على هذا الصنف من الناس.. لكونهم عالمين بوجوب ما تركوا، أو بتحريم ما اقترفوا.. ولا أدل على علمهم بذلك من أمرهم به أو نهيهم عنه!!
وقد سبق أن قدمنا لك بعض النصوص الدالة على ذم هؤلاء كقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: 44].
وقوله: كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 3] بعد أن وبخهم بقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2]؟
فمن أجل ذلك كله قال شعيب –عليه السلام- لقومه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: 88].
فإذا امتثل الآمر ما يأمر به، وانتهى عما ينهى عنه، قبل الناس دعوته وانشرحت صدورهم بسماع كلامه.. أما إن اختل ذلك فإنه يكون داعياً لهم بلسانه، راداً ومنفراً لهم بحاله، وقد تنبه لهذا المعنى عمر بن عبد العزيز رحمه الله.. فحينما ولي الخلافة وأراد أن يرد المظالم إلى أصحابها.. بدأ بنفسه وأهل بيته أولاً.. فوقف على المنبر وقال: أما بعد: فإن هؤلاء أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها وما كان لهم أن يعطوناها، وإني قد رأيت ذلك ليس علي فيه دون الله محاسب، وإني قد بدأت بنفسي وأهل بيتي، اقرأ يا مزاحم. فجعل يقرأ كتاباً كتاباً ثم يأخذه عمر وبيده الجلم فيقطعه حتى نودي بالظهر ((سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز)) لابن الجوزي (ص: 127). .
وإن من خبر الناس وعرف حالهم علم أنهم ينظرون لمن يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر نظرة فاحصة تختلف عن نظرهم لغيره من سائر الناس.. فيرقبون حاله ومقاله وجميع تصرفاته.. كما يحصون عليه الكبير والقطمير.. بل وتضخم أخطاؤه في كثير من الأوقات.
وإذا عثروا على خطأ له فالويل له ولمن كان على شاكلته!!
فتقصيره –عندهم- لا يقف عليه وحده بل يتعداه إلى كل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر! ثم يصير ذلك التقصير الذي شاهدوه عصاً في أيديهم يقومون بإشهارها متى ما يحلو لهم ذلك!!
فالحاصل أن المحتسب يلزمه أن يكون في موضع الأسوة والقدوة الحسنة لا أن يدعو الناس باللسان ويصرفهم بالعمل والسلوك!
وما أحسن ما قيل:


لا تنه عن خلق وتأتي مثله




عار عليك إذا فعلت عظيم

وقول الآخر:


وغير تقي يأمر الناس بالتقى




طبيب يداوي الناس وهو سقيم

وقال ثالث:


فإنك إذا ما تأت ما أنت آمر




به تُلف من إياه تأمر آتياً

وقال منصور الفقيه:


إن قوماً يأمرونا




بالذي لا يفعلونا


لمجانين وإن هم




لم يكونوا يصرعونا

وقال أبو العتاهية:


وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى




وريح الخطايا من ثيابك تسطع

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص 200

انظر أيضا: