trial

الموسوعة العقدية

المبحث الثاني: حكم الخروج على الأئمة


الأئمة أحوالهم متباينة من شخص لآخر، وواحدهم لا يخرج عن أحد ثلاثة: إما أن يكون عادلاً مقسطًا، وإما أن يكون كافرًا مجرمًا، وإما أن يكون حاله مترددًا بين هذين وهو الفاسق أو الظالم، وهذا قد يكون فسقه وظلمه على نفسه وفي أعماله الخاصة، وقد يتعدى ذلك إلى الرعية إما في أموالهم وأنفسهم أو في دينهم وأعراضهم. ولكل واحد من هؤلاء حكم خاص.
1- الإمام العادل المقسط:
فهذا يحرم الخروج عليه مطلقًا وباتفاق العلماء، يدل على ذلك الآية والأحاديث الآمرة بالطاعة لأولي الأمر من المسلمين...ويدل على ذلك أيضًا الآيات والأحاديث الواردة في وجوب الوفاء بالبيعة، وما ورد من النهي والتحذير من نكثها في ذلك... حتى ولو وجد بعد إبرام العقد والمبايعة لمن هو أفضل وأكمل شروطًا...بل تجب مناصرته ومقاتلة من ناوأه وبغى عليه إذا لم يفئ إلى أمر الله.
هذا وقد سبق أن بيَّنَّا أن العدالة المطلوبة التي باتصاف الإِمام بها يحرم الخروج عليه كائنًا من كان هذا الخارج لا تقتضي أن يكون معصومًا في أقواله وأفعاله، بل كل بشر عرضة للوقوع في الخطأ وفي بعض الذنوب، لكن إذا كان حريصًا على التحرز من ذلك ويرجع عن خطئه إذا تبين له ذلك ويستغفر ويتوب إلى الله عما بدر منه، ويرجع حقوق الآدميين إلى أصحابها إذا ظهر له الخطأ في تصرفه فيها إذا أمكن ذلك. فهو بهذه الصفات من أئمة العدل الواجب طاعتهم والمحرم الخروج عليهم بكل صور الخروج المختلفة. ولهؤلاء الأئمة نرجو من الله المغفرة لهم فيما يقعون فيه من خطأ ولهم ثواب الاجتهاد الذي بذلوه في سبيل الوصول إلى الحق سواء أصابوه أم خالفوه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
2- الخروج على الحاكم الكافر المرتد:
وهذا - أيضًا - متفق على وجوب الخروج عليه ومنابذته بالسيف إذا قُدر على ذلك، أما إذا لم يكن لهم قدرة عليه فعليهم السعي إلى سلوك أقرب طريق للإطاحة به، وتخليص المسلمين من تسلطه عليهم مهما كلَّف ذلك من جهد، يدل على ذلك حديث عُبادة الآنف الذكر ((... وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان)) [13651])) رواه البخاري (7055)، ومسلم (1840). من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. .
قال الحافظ ابن حجر: (وإذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث... يعني حديث عبادة الآنف الذكر) [13652])) ((فتح الباري)) (13/7). .
وقال في موضع آخر: (إنه - أي الحاكم - ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) [13653])) ((فتح الباري)) (13/123). .
3- الخروج على الأئمة الظلمة
ذهب غالب أهل السنة والجماعة إلى أنه لا يجوز الخروج على أئمة الظلم والجور بالسيف ما لم يصل بهم ظلمهم وجورهم إلى الكفر البواح، أو ترك الصلاة والدعوة إليها أو قيادة الأمة بغير كتاب الله تعالى كما نصت عليها الأحاديث السابقة في أسباب العزل.
وهذا المذهب منسوب إلى الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما. وهم: سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة [13654])) ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) لابن حزم (4/171). ، وأبو بكرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وهو: مذهب الحسن البصري [13655])) ((البداية والنهاية)) لابن كثير (9/135). والمشهور عن الإمام أحمد بن حنبل وعامة أهل الحديث. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (... ولهذا كان مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر، أو يستراح من فاجر...) [13656])) ((مجموع الفتاوى)) (4/444). .
هذا وقد ادعى الإجماع على ذلك بعض العلماء كالنووي في شرحه لصحيح مسلم [13657])) ((شرح صحيح مسلم)) (12/229). وكابن مجاهد البصري الطائي فيما حكاه عنه ابن حزم [13658])) ((مراتب الإجماع)) لابن حزم (ص: 199). ولكن دعوى الإجماع فيها نظر، لأن هناك من أهل السنة من خالف في ذلك [13659])) ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (6/128). .
الأدلة:
استدلوا على مذهبهم وهو ترك الخروج على أئمة الظلم بالسيف بالأدلة التالية:
أولاً: الأحاديث الواردة في الأمر بالطاعة وعدم نكث البيعة والأمر بالصبر على جورهم وإن رأى الإنسان ما يكره. وهي أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي كما ذكر ذلك الشوكاني [13660])) ((نيل الأوطار)) (7/199). رحمه الله أهمها:
1- حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: (بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) [13661])) رواه البخاري (7055)، ومسلم (1840). . وفي رواية: (وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) رواه البخاري (7199)، ومسلم (1840). . قال ابن تيمية بعد ذكره لهذا الحديث: (فهذا أمر الطاعة مع استئثار ولي الأمر، وذلك ظلم منه، ونهي عن منازعة الأمر أهله وذلك نهي عن الخروج عليه) [13663])) ((منهاج السنة)) (2/88). .
2- حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: ((إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلوا)) [13664])) رواه مسلم (1854). .
3- حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات... مات ميتة جاهلية)) [13665])) رواه البخاري (7054)، ومسلم (1849). .
4- حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: ((سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قال: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة)) [13666])) رواه مسلم (1855). .
5- حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) [13667])) رواه مسلم (1851). .
6- حديث حذيفة قال: ((قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. وفي رواية: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قال فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) [13668])) رواه البخاري (3606)، ومسلم (1847). .
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى، وهي جميعها صريحة في النهي عن الخروج على الأئمة، وإن رأى الإنسان ما يكره، وصريحة كذلك في الأمر بالصبر على جورهم وعدم نزع اليد من الطاعة.
ثانيا: الأحاديث الدالة على تحريم اقتتال المسلمين فيما بينهم، وعلى النهي عن القتال في الفتنة:
ومن الأدلة على عدم جواز الخروج على الأئمة الفساق الأحاديث الدالة على تحريم الاقتتال بين المسلمين، وهذا يقع عادة عندما تخرج طائفة عن طاعة إمامها، لأنه يستنجد بجنده من المسلمين فيحصل الاقتتال بينهم، وهناك ما يدل على غلظ تحريم قتل المسلم أخاه المسلم، وعلى النهي عن الاقتتال بين المسلمين، ومن هذه الأدلة:
1- ما رواه البخاري بسنده إلى طريف أبي تميمة قال: ((شهدت صفوان وجندبًا وأصحابه وهو يوصيهم فقالوا: هل سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا؟ قال سمعته يقول: من سمع سمع الله به يوم القيامة. قال: ومن شاق شقق الله عليه يوم القيامة. فقالوا: أوصنا. فقال إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبًا فليفعل ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة بملء كف من دم أهراقه فليفعل)) [13669])) رواه البخاري (7152). .
قال الحافظ ابن حجر: (وهذا وإن لم يرد مصرحًا برفعه لكان في حكم المرفوع، لأنه لا يقال بالرأي) [13670])) ((فتح الباري)) (13/130). .
2- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) [13671])) رواه البخاري (48)، ومسلم (64). .
3- وعن الأحنف بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: ((ذهبت لأنصر هذا الرجل - يعني على بن أبي طالب رضي الله عنه - فلقيني أبو بكرة فقال أين تريد؟ فقلت: أنصر هذا الرجل، فقال: ارجع فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه)) [13672])) رواه البخاري (31)، ومسلم (2888). .
4- وعن جرير ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له في حجة الوداع: استنصت الناس فقال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)) [13673])) رواه البخاري (121)، ومسلم (65). .
فهذه الأحاديث وما في معناها تدل على تحريم اقتتال المسلمين فيما بينهم، وهذا لا شك يكون عند الخروج على الأئمة بالسيف، فدل على تحريم ذلك الخروج.
أحاديث النهي عن القتال في الفتنة:
كما أن مما يدل على ذلك الأحاديث الواردة في النهي عن القتال في الفتنة، وهي أحاديث كثيرة منها:
1- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به)) [13674])) رواه البخاري (7082). . أي: من وجد عاصمًا وموضعًا يلتجئ إليه ويعتزل فيه فليعتزل [13675])) انظر: ((فتح الباري)) (13/30) بتصرف يسير. .
2- وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)) [13676])) رواه البخاري (19). .
وهذا يدل على فضل اعتزال الفتن عند وقوعها، وأنها مفسدة للدين الذي هو أول ما يجب على المسلم صيانته وحفظه.
3- وعن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه. قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء. اللهم هل بلغت - ثلاثًا -. قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجئ سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار)) [13677])) رواه مسلم (2887). .
4- وعن عديسة بنت إهبان بن صيفي الغفاري قالت: ((جاء علي بن أبي طالب إلى أبي فدعاه للخروج معه، فقال له أبي: إن خليلي وابن عمك عهد إلي إذا اختلف الناس أن اتخذ سيفًا من خشب فقد اتخذته فإن شئت خرجت به معك... قالت: فتركه)) [13678])) رواه الترمذي (2201)، وابن ماجه (3214)، وأحمد (6/393) (27244). قال الترمذي: حسن غريب، وقال الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)): حسن صحيح. .
5- وعن أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الفتن: ((كسروا فيها سيوفكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم)) [13679])) رواه أبو داود (4259)، وابن ماجه (3961)، وأحمد (4/416) (19745)، والحاكم (4/487). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (909) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه ابن دقيق في ((الاقتراح)) (101). .
فهذه النصوص جميعها تدل على النهي عن القتال في الفتنة ولا شك أن الخروج على الأئمة مما يؤدي إلى الفتنة، فدل ذلك على النهي عن الخروج على الأئمة الظلمة. قال الحافظ ابن حجر: (والمراد بالفتنة في هذا الباب: هو ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل) [13680])) ((فتح الباري)) (13/31). .
ثالثا: الأحاديث الدالة على أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر:
فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) [13681])) رواه البخاري (3062)، ومسلم (111). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. . وفي رواية ((... بأقوام لا خلاق لهم)) [13682])) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (5/279) (8885)، وابن حبان (10/376) (4517)، والطبراني في ((الأوسط)) (2/268) (1948) والضياء (5/231) (1863). من حديث أنس رضي الله عنه. قال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (1/73): إسناده صحيح، وقال محمد الغزي في ((إتقان ما يحسن)) (1/396): إسناده جيد، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1866). .
فإذا كان الدين قد يؤيد وينصر بسبب رجل فاجر، ولا يضر الدين فجوره فلا يجوز الخروج على الأئمة الفجرة لمجرد فجورهم، لأن فجور الفاجر منهم لا يضر هذا الدين وإنما ضرره على نفسه، وقد يجر هذا الخروج إلى فتن وويلات لا تحمد عقباها.
رابعاً: ومن الأدلة على عدم الخروج أيضًا موقف الصحابة الذين توقفوا عن القتال في الفتنة، وموقف علماء السلف أيام حكم بني أمية وبني العباس وكان في بعضهم فسوق وظلم، ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كفره بعضهم، وكان الحسن البصري يقول: (إن الحجاج عذاب الله فلا تدافعوا عذاب الله بأيديكم ولكن عليكم الإستكانة والتضرع فإن الله تعالى يقول: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون: 76]) [13683])) ((منهاج السنة)) (1/241). .
وقيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث [13684])) كانت سنة إحدى وثمانين حينما بعث الحجاج ابن الأشعث قائدًا على الجيش لمحاربة رتبيل ملك الترك، وكان كل منهما يكره الآخر، فمضى ابن الأشعث، وفتح كثيرًا من البلاد، ورأى التوقف في فصل الشتاء حتى يذهب البرد، ويتقوى المسلمون، فعاتبه الحجاج، وكتب إليه بكلام بذيء، فلم يحتمله ابن الأشعث فشاور أصحابه في خلعه، فوافقوه، وجعل الناس يلتفون حوله، فسير إليه الخليفة عبد الملك بن مروان جيشًا بقيادة الحجاج، فهزمهم ابن الأشعث ودخل البصرة، ثم رأى أن يخلع الخليفة أيضًا، فوافقه جميع من في البصرة من الفقهاء والقراء والشيوخ والشباب، ثم أخذت تدور بينهم المعارك، منها معركة (دير الجماجم) المشهورة، وراح ضحية لهذه الفتنة خلق كثير من الصالحين. انظر: ((البداية والنهاية)) (9/35) وما بعدها. : أين كنت يا عامر؟ قال: (كنت حيث يقول الشاعر:
عوى الذئب فاستأنت بالذئب إذ عوى... وصوت إنسان فكدت أطير [13685])) هذا البيت في ((غريب الحديث)) للحربي (ص: 732) تحقيق سليمان العايد رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى 1402 هـ. ورواه ابن قتيبة في ((الشعر والشعراء)) (787)، وعزاه للأحيمر السعدي، وانظر كتاب: ((العزلة)) للخطابي (ص: 56) فقد رواه بسنده إلى الشافعي وعزاه إلى تأبط شرًا.
أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء) [13686])) ((منهاج السنة)) (2/241). .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ولهذا استقر رأي أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم [13687])) ((منهاج السنة)) (2/241). .
قلت: ولا يكاد أحد من علماء السلف يذكر عقيدته إلا وينص على هذه المسألة ذاتها، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الإمام أحمد في عقيدته في أكثر من رواية حيث قال: (ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق [13688])) ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي)) (1/161). ... وبنحو كلام الإمام أحمد هذا. نص على ذلك أبو زرعة، وابن أبي حاتم الرازيان [13689])) ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (ص: 167) و(ص: 179). ، وعلي بن المديني [13690])) ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (ص: 164). ، وغيرهم كثير: كالطحاوي [13691])) ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص: 366). ، وأبي عثمان الصابوني [13692])) ((رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث)) لأبي عثمان ضمن مجموعة ((الرسائل المنيرية)) (1/129). وغيرهم.
خامسًا: ومن الأدلة على النهي عن الخروج على الأئمة صلاة الصحابة رضوان الله عليهم خلف أئمة الجور والمبتدعة، وهذا يقتضي الإقرار بإمامتهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره، فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وهو: أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة السنة بلا خلاف عندهم) [13693])) ((مجموعة الرسائل والمسائل الرسالة الأخيرة)) (5/198) تعليق محمد رشيد رضا. .
والذي يدل على ذلك الجواز فعل الصحابة رضوان الله عليهم حيث كانوا يصلون خلف من يعرفون فجوره، كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد كان يشرب الخمر، وصلى مرة الصبح أربعًا، وجلده عثمان رضي الله عنه على ذلك، وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف [13694])) حديث كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج ذكره ابن أبي شيبة في المصنف. وقال عنه الألباني: سنده صحيح على شرط الستة. انظر: ((إرواء الغليل)) (2/303). ، وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهمًا بالإلحاد [13695])) انظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل)) (5/199). ، وأخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم: (أن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أميرًا إلا صلى خلفه وأدى إليه زكاة ماله) [13696])) قال الألباني: سنده صحيح. انظر: ((إرواء الغليل)) (2/204). .
سادسًا: ومن الأدلة على عدم جواز الخروج على الأئمة الفسقة مراعاة مقاصد الشريعة إذ أن من أهداف الشريعة الإسلامية تحقيق أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما. ولا شك أن الضرر في الصبر على جور الحكام أقل منه في الخروج عليهم لما يؤدي إليه من الهرج والمرج، فقد يرتكب في فوضى ساعة من المظالم ما لا يرتكب في جور سنين. قال ابن تيمية: (وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر، أعظم مما تولد من الخير) [13697])) ((منهاج السنة) (2/241). .
ولذلك (فلا يهدم أصل المصلحة شغفًا بمزاياها، كالذي يبني قصرًا ويهدم مصرًا) [13698])) ((إحياء علوم الدين)) على هامشه ((إتحاف السادة المتقين)) للزبيدي (2/233). .
وذكر ابن الأزرق في معرض استدلاله أن جور الإمام لا يسقط وجوب الطاعة قال: (الثاني: دلالة وجوب درء أعظم المفاسد عليه، إذا لا خفاء أن مفسدة عصيانه تربو على مفسدة إعانته بالطاعة له كما قالوا في الجهاد معه، ومن ثَمَّ قيل: عصيان الأئمة هدم أركان الملة) [13699])) ((بدائع السلك)) (1/78). كما أن في الصبر على جورهم واحتساب ذلك عند الله تكفير السيئات ومضاعفة الأجور (فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل) [13700])) ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص: 368). . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحكمة التي راعاها الشارع في النهي عن الخروج على الأمراء وندب إلى ترك القتال في الفتنة لما في المقاتلة من قتل للنفوس بلا حصول للمصلحة المطلوبة. قال: (وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالذين خرجوا بالحرة وبدير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما...) [13701])) ((منهاج السنة)) (2/243). قال: (لكن إذا لم يزل المنكر إلا بما هو أنكر منه صارت إزالته على هذا الوجه منكرًا، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر، مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف، كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكرًا، وبهذا الوجه صارت الخوارج يستحلون السيف على أهل القبلة حتى قاتلت عليًا - رضي الله تعالى عنه - وغيره من المسلمين، وكذلك من وافقهم في الخروج على الأئمة بالسيف في الجملة من المعتزلة والزيدية والفقهاء وغيرهم) [13702])) ((منهاج السنة)) (2/243). .
ويقرر تلميذه ابن القيم رحمهما الله هذه المسألة فيقول: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: ((لا، ما أقاموا الصلاة))، وقال: ((ومن رأى من أميره ما يكرهه، فليصبر ولا ينزعن يدًا من طاعة)). ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكره، فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه...) [13703])) ((إعلام الموقعين)) (3/4). إلى أن قال: (فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول، ويخلفه ضده.
الثانية: أن يقلّ وإن لم يُزل بجملته.
الثالثة: أن يتساويا.
الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه).
قال: (فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة) [13704])) ((إعلام الموقعين)) (3/4). ثم ضرب الأمثلة على كل درجة، ومنها قوله في التمثيل على الرابعة: (سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله سره ونوّر ضريحه يقول: (مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرَّم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذراري وأخذ الأموال فدعهم) [13705])) ((إعلام الموقعين)) (3/5). .
سابعًا: ومن الأدلة على عدم جواز الخروج على الأئمة أننا عند استعراضنا للفتن التي قامت في التاريخ الإسلامي الأول نجد أنها لم تؤت الثمار المرجوة من قيامها، بل بالعكس قد أدت إلى فتن وفرقة بين المسلمين لا يعلم عظم فسادها إلا الله، يقول المعلمي: (وقد جرَّب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر:
1- خرج الناس على عثمان يرون أنهم يريدون الحق.
2- ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساؤهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق، فكانت ثمرة ذلك بعد اللقيا، والتي أن انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية.
3- ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه فكانت تلك المأساة.
4- ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحرَّة.
5- ثم خرج القرَّاء مع ابن الأشعث فماذا كان ؟
6- ثم كانت قضية زيد بن علي، وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فخذلوه، فكان ما كان) [13706])) ((التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)) لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي (1/94). .
قلت: وقد عدَّ أبو الحسن الأشعري خمسة وعشرين خارجًا كلهم من آل البيت [13707])) انظر: ((مقالات الإسلاميين)) (1/151-166). ولم يكتب لأحد منهم نصيب في الخروج، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقلَّ من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر، أعظم مما تولَّد من الخير...) [13708])) ((منهاج السنة)) (2/241). .
فإذا كان هذا مآل الخارج، وإن كان قصده حسنًا، ولا يريد إلا الخير وإصلاح الأوضاع، فكيف يجوز الخروج ؟ الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص 499
والذي يترجح ... ما ذهب إليه المحدثون وجمهور الفقهاء من أن الفسق أو الظلم ليس من مسوغات الخروج على الحاكم وأن مجمل الموقف منه يتلخص في:
- وجوب طاعته في غير معصية الله
- مشروعية الصبر على أذاه
- وجوب نصحه والإنكار عليه
- عدم الخروج عليه بالسيف
- وأما عزله من غير فتنة فمحل نظر
ومن الأدلة على هذا الموقف:
أولا: أما وجوب طاعته في غير معصية فلعموم قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا [النساء: 59] ولحديث ((إنما الطاعة في المعروف)) [13709])) رواه البخاري (7145)، ومسلم (1840). من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. .
ثانيا: أما الصبر على أذاه فلقوله صلى الله عليه وسلم ((من كره من أميره شيئا فليصبر عليه)) رواه البخاري (7053), ومسلم (1849). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. . وقوله لما قيل له أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا فأعرض عنه ثم قال ((اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)) [13711])) رواه مسلم (1846). من حديث سلمة بن يزيد رضي الله عنه.
ثالثا: وأما وجوب نصحه والإنكار عليه فلقوله صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) رواه مسلم (55). من حديث تميم الداري رضي الله عنه. وقوله: ((إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة)) [13713])) رواه مسلم (1855). من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه. وقال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه ((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم قلت: أبايعك على الإسلام فشرط علي والنصح لكل مسلم فبايعته على هذا)) [13714])) رواه البخاري (58). . قال أبو عمر بن عبد البر: (وأما مناصحة ولاة الأمر فلم يختلف العلماء في وجوبها) [13715])) ((الاستذكار)) (27/361). .
والنصيحة أعم من الوعظ والأمر والإنكار فهي..كلمة جامعة تعني إرادة الخير كله للمنصوح له قال محمد بن نصر المروزي: (النصيحة لأئمة المسلمين تعني حب صلاحهم ورشدهم وعدلهم وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهة افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله والبغض لمن رأى الخروج عليهم وحب إعزازهم في طاعةالله) [13716])) ((تعظيم قدر الصلاة)) (2/693-694).
رابعا: وأما عدم الخروج عليه بالسيف فللأحاديث المتقدمة وغيرها وهي كثيرة جدا قال عنها الشوكاني إنها متواترة ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) [13717])) رواه البخاري (6874)، ومسلم (98). من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال النووي: (وأما الخروج عليهم (يعني الأئمة) وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين) [13718])) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (12/229). .
وأما عزله من غير فتنة فله أدلة شرعية كثيرة:
أن ذلك من باب تغيير المنكر الذي هو فرض بلا خلاف
ولأن هذا التغيير ينسجم مع قواعد الشريعة العامة مثل الضرر يزال والضرر الأشد يزال بالضر الأخف.
ولأن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها [13719])) انظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/3). .
ولا شك أن إزالة المفسدة بمصلحة أكبر منها لا غبار عليه فتجلب المصلحة الكبرى وتدرأ المفسدة الصغرى بقدر الإمكان.
ثم إن النصوص الشرعية الواردة في المنع من الخروج على الفسقة جاءت في سياقين.
السؤال عن المنازعة والمنابذة والمقاتلة.
النهي عن مفارقة الجماعة أو شق عصاها.
أما ما نحن بصدده فلا أظن في النصوص ما يمنعه.
وهذا هو الذي قرره كثير من أهل العلم يقول الداودي (الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر) [13720])) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (13/8). .
على أنه ينبغي أن يعلم أن العزل هنا ينبغي تقييده بأمرين:
أن يفحش فسق الحاكم وظلمه بحيث لا يمكن إصلاحه وتقويمه.
أن يتولى أمر العزل أهل الحل والعقد فكما أنهم تولوا العقد فكذلك الحل والعزل ولا يترك الأمر للدهماء من العامة فيكثر الهرج وتنتشر الفتنة.مفهوم الطاعة والعصيان لعبد الله الطريقي ص: 76


انظر أيضا: