trial

الموسوعة العقدية

الفرع الأول: فضل أبي بكر الصديق


هو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة التيمي، أول الرجال إسلاماً، وأفضل الأمة على الإطلاق رضي الله عنه....... وأما فضله فقال تبارك وتعالى ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40]، وقال الله تبارك وتعالى وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33]، وقال وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:17 – 21] حكى جماعة من المفسرين على أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (1/64), والآجري في ((الشريعة)) (3/417). .
وفي (الصحيحين) من حديث الهجرة الطويل: ((فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: هذا الطلب، قد لحقنا يا رسول الله، فقال: لا تحزن إن الله معنا)) رواه البخاري (3652), ومسلم (2009), من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. .
وفيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن أبي بكر رضي الله عنه قال: ((قلت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما)) رواه البخاري (3653), ومسلم (2381). .
وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كنّا نخير بين الناس في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم)) رواه البخاري (3655). .
وفي لفظ قال: ((كنّا في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم)) رواه البخاري (3697). .
وفيهما واللفظ لمسلم عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنّهما سمعا أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينما رجلٌ يسوق بقرةً له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت: إنّي لم أخلق لهذا ولكنّي إنّما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله تعجباً وفزعاً أبقرة تكلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنّي أؤمن به وأبو بكر وعمر)) وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينما راعٍ في غنمه عدا عليها الذئب فأخذ منه شاة فطلبه الراعي حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري. فقال الناس: سبحان الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنّي أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر)) رواه البخاري (3663), ومسلم (2388). .، وفي رواية لهما: ((ومن ثم أبو بكر وعمر)) رواه البخاري (3690). . ولمسلم ((وما هما ثم)) رواه مسلم (2388) (م2). .
وفي (صحيح البخاري) عن همام قال: سمعت عماراً يقول: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلاّ خمسة أعبُدٍ وامرأتان وأبو بكر)) رواه البخاري (3660). .
وفيه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ((كنت جالساً عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أمّا صاحبكم فقد غامر، فسلّم وقال: يا رسول الله إنّه كان بيني وبين ابن الخطاب شيءٌ فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثاً)، ثم إنّ عمر رضي الله عنه ندم فأتى منزل أبا بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسلّم عليه فجعل وجه النّبيّ صلى الله عليه وسلم يتمعّر حتى أشفق أبو بكر رضي الله عنه فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله والله أنا كنت أظلم. مرتين. فقال صلى الله عليه وسلم: إنّ الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين. فما أوذي بعدها – وفي رواية – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أنتم تاركو لي صاحبي، هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إنّي قلت يا أيّها الناس إنّي رسول الله إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت)) رواه البخاري (3661). . قال أبو عبد الله - هو البخاري -: سبق بالخير.
ولهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أنفق زوجين من شيءٍ من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنّة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصّدقة دعي من باب الصّدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان. فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة. وقال: هل يدعى منها كلها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر)) رواه البخاري (3666), ومسلم (1027). .
وفيه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: ((أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب، فعدّ رجالاً)) رواه البخاري (3662), ومسلم (2384). .
وفيه عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أيّ الناس خيرٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان فقلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلاّ رجلٌ من المسلمين رواه البخاري (3671). .
وفيه عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم رواه البخاري (4815). .
وفيهما عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أنّه توضّأ في بيته ثم خرج فقلت: لألزمنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأكوننّ معه يومي هذا، قال فجاء المسجد فسأل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: خرج ووجّه ههنا، فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب وبابها من جريد – حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فتوضّأ، فقمت إليه فإذا هو جالسٌ على بئر أريس وتوسّط قفّها وكشف عن ساقيه ودلاّهما في البئر فسلّمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت لأكوننّ بوّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشّره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشّرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في القف ودلّى رجليه في البئر كما صنع النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكفّ عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلانٍ خيراً – يريد أخاه – يأت به، فإذا إنسانٌ يحرّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّمت عليه فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: ائذن له وبشّره بالجنّة، فجئت فقلت له: ادخل وبشّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنّة، فدخل فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القفّ عن يساره ودلى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلانٍ خيراً يأت به، فجاء إنسانٌ يحرّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ائذن له وبشّره بالجنّة على بلوى تصيبه، فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنّة على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القفّ قد ملئ فجلس وجاهه من الشّقّ الآخر. قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم رواه البخاري (3674), ومسلم (2403). .
وفيهما عن أنس رضي الله عنه أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: ((اثبت، فإنما عليك نبيٌّ وصدّيقٌ وشهيدان)) رواه البخاري (3675). .
وله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، ووافق ذلك عندي مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً. قال فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكلّ ما عنده فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيءٍ أبداً)) هذا حديث حسن صحيح رواه أبو داود (1678), والترمذي (3675)، والحاكم (1/574). والحديث سكت عنه أبو داود, وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه. وصححه النووي في ((المجموع)) (6/236), وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (3/347): تفرد به هشام بن سعد [وهو] صدوق فيه مقال من جهة حفظه, وحسنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)). .
ولمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ((من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئٍ إلاّ دخل الجنّة)) رواه مسلم (1028). .
والأحاديث في الصديق كثيرة جداً، قد أفردت بالتصنيف، وفيما ذكر كفاية في التنبيه على ما وراءه، وما أحسن ما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:


إذا تذكّرت شجواً من أخٍ ثقةٍ




فاذكر أخاك أبا بكر بما فعـلا


خير البريّة أوفاهـا وأعدلهـا




بعـد النّبيّ وأولاها بما حمـلا


والتالي الثاني المحمود مشهـده




وأوّل النّاس منهم صدّق الرّسلا


عاش حمـيـداً لأمر الله متّبعاً




بأمر صاحبه الماضي وما انتقلا

مواقفه العظيمة
وأما ما منحه الله تعالى من المواقف العظيمة مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم من حين بعثته إلى أن توفاه الله عز وجل من نصرته والذب عنه والشفقة عليه والدعوة إلى ما دعا إليه وملازمته إياه ومواساته بنفسه وماله، وتقدمه معه في كل خير، فأمرٌ لا تدرك غايته، ثم لما توفى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم كان من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن ولاه أمرهم بعد نبيه، وجمعهم عليه بلطفه، فجمع الله به شمل العرب بعد شتاته، وقمع به كل عدوّ للدين ودمّر عليه وألف له الأمة وردّهم إليه، بعد أن ارتدّ أكثرهم عن دينه وانقلب الغالب منهم على أعقابهم كافرين. حتى قيل: لم يبق يصلى إلاّ في ثلاثة مساجد الحرمين الشريفين, ومسجد العلاء الحضرمي بالبحرين، فردّهم الله تعالى إلى الحق طوعاً وكرهاً وأطفأ به كل فتنة في أقل من ستة أشهر ولله الحمد والمنة.
قال الله تبارك وتعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة:54] الآيات. قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن البصري وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة رواه الطبري في ((تفسيره)) (10/411، 412، 419). .
وذلك أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب، إلا أهل مكة والمدينة والبحرين من عبد القيس، ومنع بعضهم الزكاة. وهمّ أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم فكره ذلك أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقال عمر رضي الله عنه: ((كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم منّي ماله ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله عز وجل، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله لأقتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها)) رواه البخاري (1399، 1400), ومسلم (20). .
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كرهت الصحابة رضي الله عنهم قتال مانعي الزكاة وقالوا أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بداً من الخروج في أثره أورده البغوي في ((تفسيره)) (3/69). . قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر رضي الله عنه، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردّة رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (2/83), وأورده البغوي في ((تفسيره)) (3/70). .
وكان قد ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق: منهم بنو مذحجٍ ورئيسهم الخمار عبهلة بن كعب العنسي ويلقب بالأسود، وكان كاهناً مشعبذاً فتنبأ باليمن واستولى على بلاده، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم وعلى النّهوض لحرب الأسود فقتله فيروز الديلمي على فراشه قال رضي الله عنه: ((فأتى الخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم من السّماء في الليلة التي قتل فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: قتل الأسود البارحة قتله رجلٌ مبارك، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز)) رواه الطبري في (تاريخه) (2/470)، وابن كثير في ((البداية والنهاية)) (6/342). . فبشّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود وقبض النّبيّ صلى الله عليه وسلم من الغد وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعد ما خرج أسامة وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضي الله عنه انظر: ((تفسير البغوي)) (3/70)، ((البداية والنهاية)) لابن كثير (6/342). .
والفرقة الثانية بنو حنيفة ورئيسهم مسيلمة الكذاب، وكان قد تنبّأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر وزعم أنّه اشترك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله: أما بعد فإنّ الأرض نصفها لي ونصفها لك وبعث إليه رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما)). ثم أجاب: ((من محمّدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى مسيلمة الكذاب: أمّا بعد فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين)) رواه أبو داود (2761), وأحمد (3/487) (16032), والطبراني كما في ((مجمع الزوائد)) (5/318) واللفظ له، والحاكم (2/155). والحديث سكت عنه أبو داود, وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (576) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال ابن القطان في ((الوهم والإيهام)) (4/248): [فيه] ابن اسحاق مختلف فيه, قال الهيثمي: رواه أبو داود باختصار، رواه الطبرانى من طريق ابن اسحاق قال حدثنى شيخ من أشجع ولم يسمه، وسماه أبو داود [في السنن] سعد بن طارق، وبقية رجاله ثقات. وحسنه ابن حجر كما في ((هداية الرواة)) (4/72) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (8/182): صالح للاحتجاج, وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)).
ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذّاب في جيشٍ كثير حتى أهلكه الله على يد وحشي غلام مطعم بن عديّ الذي قتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب شديدة، وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشرّ الناس في الإسلام رواه الطبراني (3/146), والبيهقي (9/98), والطيالسي (1/186). والقصة بطولها رواها البخاري (4072). من حديث وحشي بن حرب رضي الله عنه. .
والفرقة الثالثة بنو أسد ورأسهم طليحة بن خويلد، وكان طليحة آخر من ارتدّ وادعى النبوّة في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأوّل من قوتل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الردّة، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد فهزمهم خالد بعد قتال شديد، وأفلت طليحة فمرّ على وجهه هارباً نحو الشام، ثم إنّه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.
وارتدّ بعد وفاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه خلق كثير حتى كفى الله المسلمين أمرهم، ونصر دينه على يدي أبي بكر رضي الله عنه، قالت عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله وارتدت العرب واشرأبّ النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال لهاضها رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (7/434)، والطبراني في ((الأوسط)) (5/148)، وفي ((الصغير)) (2/214)، والبيهقي (8/200). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (9/53): رواه الطبراني في ((الصغير)) و((الأوسط)) من طرق ورجال أحدها ثقات. ...
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (5/12). .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في (سننه) وابن عساكر عن قتادة: قال الله تعالى هذه الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ [المائدة:54] وقد علم أنّه سيرتد مرتدّون من الناس، فلما قبض الله نبيّه صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الجواثي من عبد القيس. وقال الذين ارتدوا: نصلي الصلاة ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا. فكلم أبو بكر في ذلك ليتجاوز عنهم، وقيل له: إنّهم لو قد فقهوا أدوا الزكاة. فقال: والله لا أفرّق بين شيء جمعه الله عز وجل، ولو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث الله عصائب مع أبي بكر فقاتلوا حتى أقروا بالماعون وهو الزكاة رواه الطبري في ((تفسيره)) (21/430)، والبيهقي (8/178). وقال الذهبي في ((المهذب)) (6/3290): من مراسيل قتادة. والقصة رواها البخاري (1399)، ومسلم (20). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. . قال قتادة: فكنّا نتحدّث أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] إلى آخر الآية رواه الطبري في ((تفسيره)) (10/412). .
ولا ينافي هذا ما ورد من أنّها نزلت في أهل اليمن كما أخرج ابن جرير عن شريح بن عبيد قال: لما أنزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ [المائدة:54]. الآية، قال عمر رضي الله عنه: أنا وقومي يا رسول الله؟ قال: ((لا بل هذا وقومه)) يعني أبا موسى الأشعري رواه الطبري في ((تفسيره)) (10/416). قال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (7/1106): أخرجه ابن جرير وإسناده مرسل صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ فهو شاهد قوي في الجملة. .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة في (مسنده) وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في (الدلائل) عن عياض الأشعري قال: ((لما نزلت فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] قال رسول الله: هم قوم هذا وأشار إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه)) رواه الطبري في ((تفسيره)) (10/415)، الطبراني (17/371), وابن أبي شيبة في ((مسنده)) (665), وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (5/12), والحاكم (2/342)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/446)، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (4/107). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي. وقال الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (2/38): [فيه] محمد بن إسماعيل الصايغ قال عبد الرحمن بن أبي حاتم صدوق, وقال البوصيري في ((إتحاف المهرة)) (6/66): هذا إسناد رواته ثقات. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/19): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم في (جمعه لحديث شعبة) والبيهقي وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ((تليت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] الآية فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: قومك يا أبا موسى الأشعري، أهل اليمن)) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/446), والطبري في ((تفسيره)) (10/415). والحديث صححه أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/699). وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (3368): وقد جاء موصولاً فقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى... سمعت عياضاً يحدث عن أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية...الحديث. وهذا إسناد صحيح متصل, ثم قال: وأخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ثنا أبو معمر حدثنا عبد الله بن إدريس به. وهذا إسنادٌ صحيح على شرط مسلم غير عبد الله بن أحمد وهو ثقة، وكذلك من دونه. .
وأخرج ابن أبي حاتم في (الكنى) والطبراني في (الأوسط) وأبو الشيخ وابن مردويه بسندٍ حسن عن جابر بن عبد الله قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] الآية فقال: هؤلاء قوم من أهل اليمن ثم كندة ثم السكون ثم تجيب)) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (2/103), وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (5/12). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن قيس الأسدي إلا أبو زياد ولا عن أبي زياد إلا معاوية تفرد به أبو حميد. وقال ابن أبي حاتم في ((علل الحديث)) (1779): سمعت أبي يقول هذا حديث باطل. وقال ابن كثير في ((تفسيره)) (3/135-136): وهذا حديث غريب جدا. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/19), والشوكاني في ((فتح القدير)) (2/77): إسناده حسن. وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (7/1104-1105): إسناده جيد؛ رجاله كلهم ثقات. .
وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال: هم أهل القادسية رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (6/554). .
قلت: وكان غالب أهل القادسية من أهل اليمن، بل كانت بجيلة ربع الناس فضلاً عن غيره، وكان بأس الناس الذي هم فيه، كما رواه ابن إسحاق عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: وكان يمر عمرو بن معد يكرب الزبيدي فيقول: يا معشر المهاجرين كونوا أسوداً، فإنما الفارسي تيس رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (6/410), والطبري في ((تاريخه)) (3/78), والطبراني (17/45). قال ابن حجر في ((الإصابة)) (3/19): إسناده صحيح. . وقد قتل رضي الله عنه أسواراً فارس الفرس وأبلى بلاء حسناً، وكانت له اليد البيضاء يومئذ.
وأخرج البخاري رحمه الله تعالى في (تاريخه) عن القاسم بن ينخسرة قال: أتيت ابن عمير فرحب بي ثم تلا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] الآية ثم ضرب على منكبي وقال: أحلف بالله أنّه لمنكم أهل اليمن – ثلاثاً رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (7/161). .
وكلّ هذا لا ينافي ما قدمناه من نزولها في أبي بكر أولاً، فإن أهل اليمن لم يرتد جميع قبائلهم يومئذٍ، وإنّما ارتدّ كثيرٌ منهم مع الأسود وثبت كثيرٌ منهم على الإيمان مع معاذ بن جبل وأبي موسى وفيروز الديلمي وغيرهم من عمّال النبي صلى الله عليه وسلم ونشب بين مؤمنيهم وكافريهم قتال عظيم حتى قتل الله الأسود على يد فيروز وأيد الله الذين آمنوا منهم على عدوهم فأصبحوا ظاهرين، ولكن لم يرجع أمرهم على ما كانوا عليه قبل العنسي إلاّ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، فإنّه لم يزل يتابع الكتائب مدداً لمؤمنهم على كافرهم حتى راجعوا الإسلام وكانوا من أعظم أنصاره حتى صار رؤساء ردتهم كعمرو بن معد يكرب وقيس بن مكشوح وغيرهم من أعظم الناس وأشدهم بلاءً في أيام الردة والفتوح، فحينئذٍ عاد المعنى إلى أبي بكر وأصحابه وهم من أصحابه، وكل هذا في شأن السبب لنزول الآية، وإلا فهي عامة لكل مؤمن يحبّ الله ويحبه ويوالي فيه ويعادي فيه ولا يخاف في الله لومة لائم.
وكان أبو بكر وأصحابه أسعد النّاس بذلك وأقدمهم فيه وأسبقهم إليه وأول من تناولته الآية، رضي الله عنه وأرضاه وعن أنصار الإسلام وحزبه أجمعين.
وفي (الصحيحين) وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لمّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منّي ماله ونفسه إلا بحقّه وحسابه على الله عز وجل فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنّه الحق)) رواه البخاري (7285)، ومسلم (20). .
وتفاصيل مواقفه العظام رضي الله عنه مشهورة مبسوطة في كتب السيرة وغيرها وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر، وكانت وفاته رضي الله عنه في يوم الإثنين عشية، وقيل: بعد المغرب ودفن من ليلته وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوماً، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان وقرئ على المسلمين فأقرّوا به وسمعوا له وأطاعوا. وكان عُمْر الصديق رضي الله عنه يوم توفي ثلاثاً وستين سنة السن الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمع الله بينهما في التربة كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه، ومن جميع أبواب الجنة دعاه، وقد فعل ولله الحمد والمنة.معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي - بتصرف – 3/1313- 1339


انظر أيضا: