trial

الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الخامِسُ: اعتقادُ أنَّ هَدْيَ غَيرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أكمَلُ وأفضَلُ


إنَّ هَدْيَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أكمَلُ هَديٍ، وسُنَّتَه أفضَلُ سُنَّةٍ على الإطلاقِ.
 قال اللهُ تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21].
 قال الشَّوكانيُّ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي: قُدوةٌ صالحةٌ، يقالُ: لي في فلانٍ أُسوةٌ: أي: لي به، والأُسوةُ مِنَ الائتِساءِ، كالقُدوةِ مِن الاقتداءِ: اسمٌ يُوضَعُ مَوضِعَ المصدَرِ... وفي هذه الآيةِ عِتابٌ للمُتخَلِّفين عن القتالِ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: لقد كان لكم في رسولِ اللهِ حيثُ بذَلَ نَفْسَه للقتالِ، وخَرَج إلى الخَنْدقِ لنُصرةِ دينِ اللهِ: أُسوةٌ، وهذه الآيةُ وإن كان سَبَبُها خاصًّا فهي عامَّةٌ في كُلِّ شيءٍ، ومِثْلُها: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وقَولُه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [2232] يُنظر: ((فتح القدير)) (4/ 311). .
وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا خطب يقولُ: ((أمَّا بَعْدُ، فإنَّ خَيْرَ الحديثِ كِتابُ اللهِ، وخَيْرَ الهُدى هُدى مُحَمَّدٍ، وشَرَّ الأُمورِ مُحْدثاتُها، وكُلَّ بِدْعةٍ ضلالةٌ)) [2233] أخرجه مسلم (867). .
واعتقادُ خِلافِ ذلك كُفرٌ ناقِضٌ للإيمانِ.
قال مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ: (من اعتقد أنَّ غيرَ هَدْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أكمَلُ مِن هَدْيِه، أو أنَّ حُكْمَ غيرِه أحسَنُ مِن حُكْمِه، كالذين يُفَضِّلون حُكْمَ الطَّواغيتِ على حُكْمِه؛ فهو كافِرٌ) [2234])) يُنظر: ((الرسائل الشخصية)) (ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء السادس) (ص: 213). .
فمن اعتقد أنَّ هناك هَدْيًا أحسَنَ مِن هَدْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ كأن يقولَ: الفلاسِفةُ أو الصَّابئةُ أو الصُّوفيَّةُ، أو اليَهودُ أو النَّصارى: طريقتُهم أحسَنُ من طريقةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو مماثِلةٌ لهدايةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فهذا كافِرٌ؛ فإنَّه ليس هناك هَدْيٌ أحسَنُ مِن هَدْيِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّه لا يَنطِقُ عن الهوى، إنْ هو إلَّا وَحيٌ يُوحى، وكذلك إذا اعتقد أنَّ هناك حُكمًا أحسَنَ من حُكمِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم، كأن يَعتَقِدَ أنَّ الحُكمَ بالقوانينِ أحسَنُ من الحُكْمِ بالشَّريعةِ فهذا مُرتَدٌّ بإجماعِ المُسلِمين، وكذلك إذا اعتَقَد أنَّ الحُكمَ بالقوانينِ مماثِلٌ لحُكمِ الشَّريعةِ، يَكفُرُ أيضًا.
وكذلك إذا اعتقد أنَّ الحُكمَ بالشَّريعةِ أحسَنُ من الحُكْمِ بالقوانينِ، لكن يُجوِّزُ الحُكْمَ بالقوانينِ؛ كأن يقولَ: الإنسانُ مُخَيَّرٌ يجوزُ له أن يحكُمَ بالقوانينِ، ويجوزُ له أن يحكُمَ بالشَّريعةِ، لكِنَّ الشَّريعةَ أحسَنُ، فهذا يَكفُرُ بإجماعِ المُسلِمين؛ فالإنسانُ ليس مُخَيَّرًا، وهذا أنكَرَ مَعلومًا من الدِّين بالضَّرورةِ؛ فالحُكْمُ بالشَّريعةِ هذا أمرٌ واجِبٌ على كُلِّ أحَدٍ، وهذا يقولُ: إنَّه ليس بواجِبٍ، وإنَّه يجوزُ للإنسانِ أن يحكُمَ بالقوانينِ، فهذا يَكفُرُ، ولو قال: إنَّ أحكامَ الشَّريعةِ أحسَنُ. فإذا حكم بالقوانينِ واعتقد أنَّها مماثِلةٌ لحُكمِ الشَّريعةِ، كَفَر. أمَّا إذا حكَمَ بالقوانينِ في مسألةٍ مِن المسائِلِ أو في قضيَّةٍ من القضايا، وهو يَعتَقِدُ أنَّ الحُكمَ بالشَّريعةِ هو الواجِبُ، وأنَّه لا يجوزُ الحُكْمُ بغيرِ ما أنزل اللهُ، وهو يَعتَقِدُ أنَّه ظالمٌ وأنَّه مُستَحِقٌّ للعقوبةِ، لكِنْ غلَبَتْه نَفْسُه وهواه وشَيطانُه، فحَكَم بغيرِ ما أنزل اللهُ لشَخصٍ حتى ينفَعَ نَفْسَه أو ينفعَ المحكومَ له، أو حتى يضُرَّ المحكومَ عليه؛ يَكفُرُ كُفرًا أصغَرَ، ولا يَخرُجُ مِن المِلَّةِ.
 قال ابنُ باز: (الحُكَّامُ بغيرِ ما أنزل اللهُ أقسامٌ، تختَلِفُ أحكامُهم بحَسَبِ اعتقادِهم وأعمالِهم؛ فمن حكَمَ بغيرِ ما أنزل اللهُ يرى أنَّ ذلك أحسَنُ مِن شَرعِ اللهِ، فهو كافِرٌ عند جميعِ المُسلِمين، وهكذا مَن يحَكِّمُ القوانينَ الوَضعيَّةَ بدلًا من شَرْعِ اللهِ، ويرى أنَّ ذلك جائِزٌ، ولو قال: إنَّ تحكيمَ الشَّريعةِ أفضَلُ، فهو كافِرٌ؛ لكَونِه استحَلَّ ما حَرَّم اللهُ.
أمَّا من حكم بغير ما أنزل اللهُ اتباعًا للهوى، أو لرِشوةٍ، أو لعداوةٍ بينه وبين المحكومِ عليه، أو لأسبابٍ أخرى، وهو يعلم أنَّه عاصٍ لله بذلك، وأنَّ الواجَبَ عليه تحكيمُ شَرْعِ اللهِ، فهذا يُعتَبَرُ من أهلِ المعاصي والكبائِرِ، ويُعتَبَرُ قد أتى كفرًا أصغَرَ وظُلمًا أصغَرَ وفِسقًا أصغَرَ، كما جاء هذا المعنى عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، وعن طاوسٍ، وجماعةٍ من السَّلَفِ الصَّالِحِ، وهو المعروفُ عند أهلِ العِلمِ)  [2235] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (4/ 416). .
والحاكِمُ الشَّرعيُّ إذا بذل وُسْعَه، واستفرغ جُهْدَه في تعرُّفِ الحُكْمِ الشَّرعيِّ، لكِنْ أخطأ وحكم بغيرِ ما أنزل الله خطَأً، فهذا ليس كافرًا ولا عاصيًا، بل هو مجتَهِدٌ له أجرٌ واحدٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا حكم الحاكِمُ فاجتهد ثمَّ أصاب، فله أجرانِ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجرٌ)) [2236] أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه. فهذا خَطَؤه مغفورٌ، وله أجرٌ على اجتهادِه.
وأمَّا سَنُّ القوانينِ الوضعيَّةِ المخالِفةِ للشَّرعِ، وإزالةُ الشَّريعةِ كُلِّها رأسًا على عَقِبٍ؛ فهو تبديلٌ لدِينِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
قال اللهُ تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [يوسف: 40].
قال ابنُ كثيرٍ: (أخبَرَهم أنَّ الحُكمَ والتصَرُّفَ والمشيئةَ والمُلْكَ: كُلُّه للهِ، وقد أمر عبادَه قاطبةً ألَّا يعبُدوا إلَّا إيَّاه، ثم قال: ذلك الدِّينُ القَيِّمُ، أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ العَمَلِ له، هو الدِّينُ المستقيمُ الذي أمر اللهُ به، وأنزل به الحُجَّةَ والبرهانَ الذي يحبُّه ويرضاه، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، أي: فلهذا كان أكثَرُهم مُشْرِكين. وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103]) [2237] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/ 390). .
 وقال اللهُ تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى: 21].
 قال السَّعديُّ: (يخبِرُ تعالى أنَّ المُشْرِكين اتَّخذوا شركاءَ يوالونَهم ويشتَرِكون هم وإيَّاهم في الكُفْرِ وأعمالِه، من شياطينِ الإنس، الدُّعاةِ إلى الكُفْرِ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ من الشِّركِ والبِدَعِ، وتحريمِ ما أحَلَّ اللهُ، وتحليلِ ما حَرَّم اللهُ، ونحوِ ذلك مِمَّا اقتَضَتْه أهواؤُهم، مع أنَّ الدِّينَ لا يكونُ إلَّا ما شرَعَه اللهُ تعالى؛ لِيَدينَ به العِبادُ ويتقَرَّبوا به إليه، فالأصلُ الحَجْرُ على كُلِّ أحدٍ أن يَشرَعَ شيئًا ما جاء عن اللهِ وعن رَسولِه، فكيف بهؤلاء الفَسَقةِ المُشتَركين هم وآباؤُهم على الكُفْرِ؟) [2238] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 757). .
 وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50].
قال ابنُ تَيميَّةَ: (ليس لأحدٍ أن يحكُمَ بين أحدٍ مِن خَلْقِ اللهِ؛ لا بين المُسلِمين ولا الكُفَّارِ، ولا الفِتيانِ، ولا رُماةِ البُندُقِ، ولا الجَيشِ، ولا الفُقَراءِ، ولا غيرِ ذلك، إلَّا بحُكمِ اللهِ ورَسولِه، ومن ابتغى غيرَ ذلك تناوله قَولُه تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، وقَولُه تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65]؛ فيَجِبُ على المُسلِمين أن يحكِّموا اللهَ ورسولَه في كُلِّ ما شجر بينهم) [2239] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (35/407). .
وقد ذهب جَمعٌ من أهلِ العِلْمِ إلى كُفرِ من فَعَل ذلك.
قال مُحَمَّدُ بنُ إبراهيمَ آل الشَّيخ: (إنَّ مِن الكُفْرِ الأكبَرِ المُستبينِ تنزيلَ القانونِ اللَّعينِ مَنزِلةَ ما نزل به الرُّوحُ الأمينُ، على قَلبِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ليكونَ من المنذِرينَ بلِسانٍ عَربيٍّ مُبِينٍ؛ لقَولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59]، وقد نفى اللهُ سُبحانَه وتعالى الإيمانَ عَمَّن لم يُحكِّموا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما شَجَر بينهم نفيًا مؤكَّدًا بتَكرارِ أداةِ النَّفيِ وبالقَسَمِ؛ قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65]) [2240] يُنظر: ((فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ)) (12/284). .
وقال أيضًا: (لو قال مَن حكَّم القانونَ: أنا أعتَقِدُ أنَّه باطِلٌ، فهذا لا أثَرَ له، بل هو عَزْلٌ للشَّرعِ، كما لو قال أحدٌ: أنا أعبُدُ الأوثانَ وأعتَقِدُ أنَّها باطِلٌ!) [2241] يُنظر: ((فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ)) (6/189). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (دَلَّ القُرآنُ في آياتٍ كثيرةٍ على أنَّه لا حُكمَ لغيرِ اللهِ، وأنَّ اتِّباعَ تشريعِ غَيرِه كُفرٌ به) [2242] يُنظر: ((أضواء البيان)) (7/ 48). .
وقال أيضًا: (بهذه النُّصوصِ السَّماويَّةِ التي ذكَرْنا يظهَرُ غايةَ الظُّهورِ أنَّ الذين يتَّبِعون القوانينَ الوَضعيَّةَ التي شرَعَها الشَّيطانُ على ألسِنَةِ أوليائِه مخالفةً لِما شرعه اللهُ جَلَّ وعلا على ألسِنَةِ رُسُلِه صلَّى اللهُ عليهم وسلَّم؛ أنَّه لا يَشُكُّ في كُفرِهم وشِرْكِهم إلَّا من طَمَس اللهُ بصيرتَه، وأعماه عن نورِ الوَحيِ مِثْلَهم) [2243] يُنظر: ((أضواء البيان)) (3/259). .
 وقال ابنُ عثيمين: (الذين يُحَكِّمون القوانينَ الآن، ويترُكون وراءَهم كِتابَ اللهِ وسُنَّةَ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ليسوا بمؤمنينَ؛ لقَولِ اللهِ تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65]، ولِقَولِه: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44]، وهؤلاء المحَكِّمون للقوانينِ لا يُحكِّمونها في قضيَّةٍ مُعَيَّنةٍ خالفوا فيها الكِتابَ والسُّنَّةَ؛ لهوًى أو لظُلمٍ، ولكِنَّهم استبدلوا الدِّينَ بهذا القانونِ، وجعلوا هذا القانونَ يحُلُّ محَلَّ شريعةِ اللهِ، وهذا كفرٌ؛ حتى لو صَلَّوا وصاموا وتصَدَّقوا وحَجُّوا، ... فلا تستغرِبْ إذا قُلْنا: إنَّ من استبدل شريعةَ اللهِ بغَيرِها من القوانينِ فإنَّه يكفُرُ، ولو صام وصلَّى؛ لأنَّ الكُفْرَ ببعضِ الكِتابِ كُفرٌ بالكِتابِ كُلِّه، فالشَّرعُ لا يتبعَّضُ، إمَّا تؤمِنُ به جميعًا، وإمَّا أن تكفُرَ به جميعًا، وإذا آمَنْتَ ببَعضٍ وكَفَرْتَ ببَعضٍ، فأنت كافِرٌ بالجميعِ؛ لأنَّ حالَك تقولُ: إنَّك لا تؤمِنُ إلَّا بما لا يخالِفُ هواك، وأمَّا ما خالف هواك فلا تؤمِنُ به، هذا هو الكُفْرُ، فأنت بذلك اتَّبَعْتَ الهوى، واتَّخَذْتَ هواك إلهًا من دونِ اللهِ.
فالحاصِلُ أنَّ المسألةَ خطيرةٌ جِدًّا، مِن أخطَرِ ما يكونُ بالنسبةِ لحُكَّامِ المُسلِمين اليومَ؛ فإنَّهم قد وضعوا قوانينَ تخالِفُ الشَّريعةَ، وهم يَعرِفون الشَّريعةَ، ولكِنْ وَضَعوها -والعياذُ بالله- تبَعًا لأعداءِ اللهِ مِن الكَفَرةِ الذين سَنُّوا هذه القوانينَ، ومشى النَّاسُ عليها، ... ولا يَرجِعون إلى كِتابِ اللهِ ولا إلى سُنَّةِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأين الإسلامُ؟ وأين الإيمانُ؟ وأين التصديقُ برسالةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنَّه رسولٌ إلى النَّاسِ كافَّةً؟ وأين التصديقُ بعُمومِ رسالتِه وأنَّها عامَّةٌ في كُلِّ شَيءٍ؟ كثيرٌ من الجَهَلةِ يظُنُّون أنَّ الشَّريعةَ خاصَّةٌ بالعبادةِ التي بينك وبين اللهِ عَزَّ وجَلَّ فقط، أو في الأحوالِ الشَّخصيَّةِ مِن نكاحٍ وميراثٍ وشِبْهِه، ولكِنَّهم أخطَؤوا في هذا الظَّنِّ، فالشَّريعةُ عامَّةٌ في كُلِّ شَيءٍ) ||hamish||2244||/hamish||.
فشريعةُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نسَخَت جميعَ الشَّرائعِ السَّابقةِ عليها فيَحرُمُ، بل يَكفُرُ كُلُّ من سوَّغ اتِّباعَ شريعةٍ سابقةٍ منسوخةٍ، فضلًا عن أن يُسَوِّغَ اتِّباعَ شريعةٍ قانونيَّةٍ أرضيَّةٍ من شرائعِ النَّاسِ؛ فهذا أشَدُّ كُفرًا ورِدَّةً عن الإسلامِ.
 قال اللهُ تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 85، 86].
 قال السَّعديُّ: (أي: من يَدِينُ للهِ بغيرِ دينِ الإسلامِ الذي ارتضاه اللهُ لعبادِه، فعمَلُه مردودٌ غيرُ مَقبولٍ؛ لأنَّ دينَ الإسلامِ هو المتضَمِّنُ للاستسلامِ لله، إخلاصًا وانقيادًا لرُسُلِه، فما لم يأتِ به العبدُ، لم يأتِ بسبَبِ النَّجاةِ مِن عذابِ اللهِ والفَوزِ بثوابِه، وكُلُّ دينٍ سِواه فباطِلٌ، ثمَّ قال تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ... هذا من بابِ الاستبعادِ، أي: من الأمرِ البعيدِ أن يهدِيَ اللهُ قومًا اختاروا الكُفْرَ والضَّلالَ بعدما آمَنوا وشَهِدوا أنَّ الرَّسولَ حقٌّ بما جاءهم به من الآياتِ البَيِّناتِ والبراهينِ القاطِعاتِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فهؤلاء ظَلَموا وتركُوا الحَقَّ بعدما عَرَفوه، واتَّبَعوا الباطِلَ، مع عِلْمِهم ببُطلانِه؛ ظُلمًا وبَغيًا واتِّباعًا لأهوائِهم، فهؤلاء لا يُوَفَّقون للهدايةِ؛ لأنَّ الذي يُرجى أن يهتديَ هو الذي لم يَعرِفِ الحَقَّ، وهو حريصٌ على التماسِه، فهذا بالحَرِيِّ أن يُيَسِّرَ اللهُ له أسبابَ الهدايةِ، ويَصُونَه من أسبابِ الغَوايةِ) [2245] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 137). .
وقال اللهُ سُبحانَه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50].
 قال ابنُ كثير: (قَولُه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (يُنكِرُ تعالى على من خرج عن حُكمِ اللهِ المحكَمِ المُشتَمِلِ على كُلِّ خيرٍ، النَّاهي عن كُلِّ شرٍّ، وعَدَل إلى ما سواه من الآراءِ والأهواءِ والاصطلاحاتِ التي وضعها الرِّجالُ بلا مُستنَدٍ من شريعةِ اللهِ، كما كان أهلُ الجاهليَّةِ يحكُمونَ به من الضَّلالاتِ والجَهالاتِ، مِمَّا يَضعونَها بآرائِهم وأهوائِهم، وكما يحكُمُ به التَّتارُ من السِّياساتِ المَلَكيَّةِ المأخوذةِ عن مَلِكِهم جَنْكزخان، الذي وضع لهم الياسقَ، وهو عبارةٌ عن كِتابٍ مجموعٍ مِن أحكامٍ قد اقتبسها عن شرائِعَ شَتَّى؛ من اليهوديَّةِ، والنصرانيَّةِ، والملَّةِ الإسلاميَّة، وفيها كثيرٌ من الأحكامِ أخذها من مجَرَّدِ نظَرِه وهواه، فصارت في بَنِيه شَرعًا مُتَّبَعًا، يُقَدِّمونَها على الحُكمِ بكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومن فَعَل ذلك منهم فهو كافرٌ يجِبُ قِتالُه حتى يرجِعَ إلى حُكمِ اللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلا يُحكَّمُ سِواه في قليلٍ ولا كثيرٍ، قال اللهُ تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أي: يبتَغُون ويُريدون، وعن حُكمِ اللهِ يَعْدِلون وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي: ومن أعدَلُ من اللهِ في حُكْمِه لمن عَقَل عن اللهِ شَرْعَه، وآمن به وأيقن وعَلِمَ أنَّه تعالى أحكَمُ الحاكمينَ، وأرحَمُ بخَلْقِه من الوالدةِ بوَلَدِها؟! فإنَّه تعالى هو العالمُ بكُلِّ شَيءٍ، القادِرُ على كُلِّ شيءٍ، العادِلُ في كُلِّ شيءٍ) [2246] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/ 131). .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 32].
 قال السَّعديُّ: (هذا أمرٌ من اللهِ تعالى لعبادِه بأعَمِّ الأوامِرِ، وهو طاعتُه وطاعةُ رَسولِه التي يدخُلُ بها الإيمانُ والتَّوحيدُ، وما هو من فروعِ ذلك من الأعمالِ والأقوالِ الظَّاهِرةِ والباطنةِ، بل يدخُلُ في طاعتِه وطاعةِ رَسولِه اجتِنابُ ما نهى عنه؛ لأنَّ اجتنابَه امتثالًا لأمرِ اللهِ هو من طاعتِه، فمن أطاع اللهَ ورَسولَه فأولئك هم المفلِحون، فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: أعرَضوا عن طاعةِ اللهِ ورَسولِه، فليس ثَمَّ أمرٌ يَرجِعونَ إليه إلَّا الكُفْرُ وطاعةُ كُلِّ شيطانٍ مَريدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج: 4]؛ فلهذا قال: فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، بل يُبغِضُهم ويَمقُتُهم ويعاقِبُهم أشَدَّ العُقوبةِ) [2247] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 128). .
فكُلُّ من سوَّغ اتِّباعَ شَريعةٍ غيرِ شَريعةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقد تولَّى عن طاعةِ اللهِ ورَسولِه. ومن تولَّى عن طاعةِ اللهِ ورَسولِه فهو من الكافرينَ.
وقد أقسم اللهُ عَزَّ وجَلَّ على عدمِ إيمانِ من لم يُحَكِّمِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما شجر بينه وبين النَّاسِ، فقال: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65]. فكيف بمن يُسَوِّغُ اتِّباعَ شَريعةٍ أُخرى غيرِ شَريعةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! [2248] يُنظر: ((المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع)) لمجموعة مؤلفين (ص: 805). .
قال ابنُ حزمٍ: (نَسَخ عَزَّ وجَلَّ بمِلَّتِه كُلَّ مِلَّةٍ، وألزم أهلَ الأرضِ جِنَّهم وإنْسَهم اتِّباعَ شَريعتِه التي بعَثَه بها، ولا يَقبَلُ مِن أحدٍ سِواها) [2249] يُنظر: ((المحلى)) (1/8). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (معلومٌ بالاضطرارِ مِن دين المُسلِمين وباتِّفاقِ جميع المُسلِمين أنَّ من سوَّغ اتباعَ غيرِ دينِ الإسلامِ، أو اتباعَ شَريعةٍ غيرِ شَريعةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فهو كافِرٌ) [2250] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (28/524). .

انظر أيضا: