trial

الموسوعة العقدية

المَطْلَب الثَّاني: العُذرُ بالتأويلِ


المقصودُ بالتأوُّلِ هنا: التلبُّسُ والوقوعُ في الكُفرِ من غيرِ قَصدٍ لذلك، وسببُه القصورُ في فهم الأدِلَّة الشَّرعيَّة، دون تعمُّدٍ للمخالفةِ، بل قد يعتَقِدُ أنَّه على حقٍّ [1553] يُنظر: رسالة ((ضوابط التكفير)) للقرني (ص: 241). .
قال ابنُ حجر: (قال العُلَماء: كلُّ متأوِّلٍ معذورٌ بتأويلِه ليس بآثمٍ، إذا كان تأويلُه سائغًا في لسانِ العَرَبِ، وكان له وجهٌ في العِلمِ) [1554] يُنظر: ((فتح البارى)) (12/304). .
وقال العيني: (لا خِلافَ بين العُلَماءِ: أنَّ كُلَّ متأوِّلٍ معذورٌ بتأويلهِ غيرُ ملومٍ فيه، إذا كان تأويلُه ذلك سائغًا في لسانِ العَرَبِ، أو كان له وَجهٌ في العِلمِ) [1555])) يُنظر: ((عمدة القاري)) (24/ 90). .
ومن أقوى الأدِلَّة على العُذرِ بالتأويل قِصَّةُ حاطِبِ بن أبي بلتعةَ وقُدامةَ بنِ مظعونٍ رَضِيَ اللهُ عنهما:
قِصَّةُ حاطِبِ بن أبي بلتعةَ:
عن عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (بعثني رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنا والزُّبَيرُ، والمقدادُ بنُ الأسوَدِ، قال: «انطَلِقوا حتى تأتوا روضةَ خاخٍ؛ فإنَّ بها ظعينةً ومعها كتابٌ فخذوه منها»، فانطلَقْنا تعادى بنا خيلُنا حتى انتَهَينا إلى الرَّوضةِ، فإذا نحن بالظَّعينةِ، فقُلْنا: أخرجي الكتابَ، فقالت: ما معي من كتابٍ، فقُلْنا: لتُخرِجِنَّ الكتابَ أو لنُلقِيَنَّ الثيابَ، فأخرجَتْه من عقاصِها، فأتينا به رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا فيه: مِن حاطِبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى أناسٍ من المشركين مِن أهلِ مكَّةَ يخبِرُهم ببعضِ أمرِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا حاطِبُ، ما هذا؟»، قال: يا رَسولَ اللهِ، لا تعجَلْ عليَّ، إنِّي كنتُ امرَأً مُلصَقًا في قريشٍ، ولم أكُنْ من أنفُسِها، وكان من معك من المهاجرين لهم قراباتٌ بمكَّةَ يحمون بها أهليهم وأموالَهم، فأحببتُ إذْ فاتني ذلك من النَّسَبِ فيهم أن أتخِذَ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ كُفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكُفرِ بعد الإسلامِ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لقد صدَقَكم»، قال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ، دَعْني أضرِبْ عُنُقَ هذا المنافِقِ، قال: إنَّه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعلَّ اللهَ أن يكونَ قد اطَّلع على أهلِ بَدرٍ فقال: اعمَلوا ما شئتمُ، فقد غفرتُ لكم) [1556] أخرجه البخاري (3007) واللفظ له، ومسلم (2494). .
 قال الخطَّابي: (في هذا الحديثِ من الفقهِ: أنَّ حُكمَ المتأوِّلِ في استباحةِ المحظور عليه خلافُ حُكمِ المتعَمِّدِ؛ لاستحلالِه من غيرِ تأويلٍ. وفيه أنَّه إذا تعاطى شيئًا من المحظور وادَّعى أمرًا ممَّا يحتمِلُه التأويلُ، كان القولُ قَولَه في ذلك وإن كان غالبُ الظَّنِّ بخلافه، ألا ترى أنَّ الأمرَ لَمَّا احتمل وأمكن أن يكونَ كما قال حاطِبٌ، وأمكن أن يكونَ كما قاله عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه، استعمل رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حُسْنَ الظَّنِّ في أمرِه، وقَبِلَ ما ادَّعاه في قَولِه) [1557] ينظر: ((معالم السنن)) (2/ 274). .
 وقال ابنُ الجوزي: (أمَّا حاطِبٌ فهو من لَخْمٍ، وكان نازلًا بمكَّةَ وليس من أهلها، فهاجر وترَكَ أهلَه هنالك، فتقَرَّب إلى القومِ لِيَحفظوه في أهلِه بأن أطلعَهم على بعضِ أسرارِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كَيدِهم وقَصْدِ قتالِهم، وعَلِمَ أنَّ ذلك لا يضُرُّ رسولَ اللهِ؛ لنَصرِ الله عزَّ وجلَّ إيَّاه، وهذا الذي فعله أمرٌ يحتَمِلُ التأويلَ؛ ولذلك استعمل رسولُ الله حُسنَ الظَّنِّ. وقال في بعض الألفاظ: "إنَّه قد صدَقَكم".
وقد دَلَّ هذا الحديثُ على أنَّ حُكمَ المتأوِّلِ في استباحة المحظورِ خِلافُ حُكمِ المتعَمِّدِ؛ لاستحلالِه من غيرِ تأويلٍ، ودَلَّ على أنَّ من أتى محظورًا أو ادَّعى في ذلك ما يحتَمِلُ التأويلَ، كان القولُ قَولَه في ذلك، وإن كان غالِبُ الظَّنِّ بخلافِه. وقولُ عُمَرَ: إنَّه قد كَفَر، يحتَمِلُ وجهينِ:
أحدُهما: أنَّ عُمَرَ تأوَّلَ قَولَه تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: 22].
والثَّاني: أن يكونَ أراد كُفرَ النِّعمةِ.
وفي بعض ألفاظِ الحديثِ: دَعْني أضرِبْ عُنُقَ هذا المنافِقِ؛ وهذا لأنَّه رأى صورةَ النِّفاقِ. ولَمَّا احتَمَل قولُ عُمَرَ وكان لتأويلِه مَساغٌ، لم ينكِرْ عليه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [1558] يُنظر: ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) (1/ 141). .
 قال ابنُ الملقِّنِ: (إنما أطلق عُمَرُ على حاطبٍ اسمَ النِّفاقِ؛ لأنَّه والى كفَّارَ قُرَيشٍ وباطَنَهم، وإنما فعل حاطبٌ ذلك متأوِّلًا في غيرِ ضَرَرٍ لرَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [1559] يُنظر: ((التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) (18/ 165). .
وقد بوَّب البخاريُّ في صحيحِه: (باب من لم يَرَ إكفارَ من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا، وقال عُمَرُ لحاطِبِ بن أبي بلتعةَ: إنَّه منافِقٌ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "وما يدريك، لعَلَّ اللهَ قد اطَّلع إلى أهلِ بَدرٍ، فقال: قد غفَرْتُ لكم) [1560] يُنظر: ((صحيح البخاري)) (8/ 26). .
 قال شمس الدين البِرْماوي: (المتأوِّلُ في تكفيرِ الغيرِ معذورٌ غيرُ آثمٍ؛ ولذلك عذَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُمَرَ في نسبته النِّفاقَ إلى حاطِبٍ لتأويلِه، ظَنًّا بأنَّه بما كتب إلى المشرِكين يصير منافِقًا) [1561] يُنظر: ((اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح)) (15/ 140). .
فالتأويلُ السَّائغُ والإعذارُ به له اعتبارٌ في مسألةِ التكفيرِ، بل في الوعيدِ عمومًا.
قال ابنُ حزم: (من بلغه الأمرُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من طريقٍ ثابتةٍ، وهو مسلِمٌ، فتأوَّل في خلافِه إيَّاه، أو في ردِّ ما بلغه بنصٍّ آخَرَ، فما لم تقُمْ عليه الحُجَّةُ في خَطَئِه في تَرْكِ ما ترك، وفي الأخذِ بما أخذ، فهو مأجورٌ معذورٌ؛ لقَصْدِه إلى الحَقِّ، وجَهْلِه به، فإن قامت عليه الحُجَّةُ في ذلك، فعاند، فكما ذكَرْنا قبلُ من التكفيرِ أو التفسيقِ، فلا تأويلَ بعد قيامِ الحُجَّةِ) [1562] يُنظر: ((الدرة)) (ص: 552)، وينظر: ((الفصل)) لابن حزم (3/296) (3/ 139-141). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (إنَّ الأحاديثَ المتضمِّنةَ للوعيدِ يجبُ العملُ بها في مقتضاها، باعتقادِ أنَّ فاعِلَ ذلك الفِعلِ متوعَّدٌ بذلك الوعيدِ، لكِنْ لحوقُ الوعيد له متوقِّفٌ على شروطٍ، وله موانِعُ.
وهذه القاعدةُ تظهرُ بأمثلة، منها أنَّه قد صَحَّ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((لعن اللهُ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه وشاهِدَيه وكاتِبَه)) [1563] أخرجه مسلم (1598) باختلاف يسير من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. . وصَحَّ عنه من غيرِ وَجهٍ أنَّه قال لمن باع صاعينِ بصاعٍ يدًا بيدٍ: ((أَوَّهْ، عَينُ الرِّبا)) [1564] أخرجه مطولًا البخاري (2312)، ومسلم (1594) واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. كما قال: ((البُرُّ بالبُرِّ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ)) [1565] أخرجه البخاري (2134)، ومسلم (1586) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. الحديث، وهذا يوجِبُ دخولَ نوعَيِ الرِّبا: رِبا الفَضلِ ورِبا النَّسيئة في الحديثِ.
ثمَّ إنَّ الذين بلغهم قولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنما الرِّبا في النسيئةِ)) [1566] أخرجه مسلم (1596) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. فاستحلُّوا بيعَ الصَّاعينِ بالصَّاعِ يدًا بيدٍ، مِثلُ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه وأصحابِه ... الذين هم من صفوةِ الأُمَّةِ عِلمًا وعملًا، لا يحِلُّ لمسلمٍ أن يعتقد أنَّ أحدًا منهم بعينه، أو من قلَّده بحيث يجوزُ تقليدُه، تبلُغُهم لعنةُ آكِلِ الرِّبا؛ لأنَّهم فعلوا ذلك متأوِّلين تأويلًا سائغًا في الجملةِ) [1567] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (20/263)، وقد أطنب ابن تيمية في ذكر أمثلة عديدة. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (20/264 - 268)، ((الاستقامة)) (2/189). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ أيضًا: (وعَمِلَ بذلك السَّلَفُ وجمهورُ الفُقَهاءِ في أنَّ ما استباحه أهلُ البَغيِ من دماءِ أهلِ العَدلِ بتأويلٍ سائغٍ لم يُضمنْ بقَوَدٍ ولا دِيَةٍ ولا كفَّارةٍ، وإن كان قَتْلُهم وقتالُهم محَرَّمًا) [1568] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (20/254). .
وقال أيضًا: (التكفيرُ هو من الوعيدِ، فإنَّه وإن كان القولُ تكذيبًا لِما قاله الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لكن قد يكونُ الرَّجُلُ حديثَ عهدٍ بإسلامٍ، أو نشأ ببادية بعيدة، ومِثلُ هذا لا يكفُرُ بجحدِ ما يجحَدُه حتى تقومَ عليه الحُجَّةُ، وقد يكونُ الرَّجُلُ لم يسمَعْ تلك النصوصَ، أو سمِعَها ولم تثبُتْ عنده، أو عارضَها عنده معارِضٌ آخرُ أوجَبَ تأويلَها، وإن كان مخطِئًا) [1569] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/231، 283) (12/523). .
وقال أيضًا: (الأقوالُ التي يكفُرُ قائِلُها قد يكونُ الرَّجُلُ لم تبلُغْه النصوصُ الموجبةُ لمعرفةِ الحَقِّ، وقد تكونُ عنده ولم تثبُتْ عنده أو لم يتمكَّنْ من فَهْمِها، وقد يكونُ قد عرضَت له شُبُهاتٌ يعذِرُه اللهُ بها، فمن كان من المؤمنين مجتهِدًا في طلَبِ الحقِّ وأخطأ، فإن اللهَ يغفِرُ له خطأَه كائنًا ما كان، سواءٌ كان في المسائل النَّظَريَّة أو العَمَليَّة، هذا الذي عليه أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وجماهيرُ أئمَّةِ الإسلامِ، وما قسَّموا المسائِلَ إلى مسائِلِ أصولٍ يُكفَرُ بإنكارِها، ومسائِلِ فروعٍ لا يُكفَرُ بإنكارِها) [1570] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (23/ 346). .
وقال ابنُ الوزير: (قَولُه تعالى في هذه الآيةِ الكريمة: وَلَـكِنْ مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل: 106]، يؤيِّدُ أنَّ المتأوِّلين غيرُ كُفَّارٍ؛ لأنَّ صُدورَهم لم تنشَرِحْ بالكُفرِ قطعًا، أو ظنًّا، أو تجويزًا، أو احتمالًا) [1571] يُنظر: ((إيثار الحق على الخلق)) (ص: 395). .
وقال السَّعديُّ: (إن المتأوِّلين من أهلِ القبلةِ الذين ضلُّوا وأخطؤُوا في فهم ما جاء به الكِتابُ والسُّنَّة، مع إيمانِهم بالرَّسولِ، واعتقادِهم صِدْقَه في كلِّ ما قال، وأنَّ ما قاله كُلُّه حَقٌّ، والتزموا ذلك، لكنَّهم أخطؤُوا في بعض المسائِلِ الخبَريَّة أو العمَليَّة، فهؤلاء قد دَلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ على عَدَمِ خُروجِهم من الدِّينِ، وعَدَمِ الحُكمِ لهم بأحكامِ الكافرين، وأجمع الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم والتَّابعون ومِن بَعْدِهم أئمَّةُ السَّلَفِ على ذلك) [1572] يُنظر: ((الإرشاد إلى معرفة الأحكام)) (ص: 177). .
ليس كُلُّ من ادَّعى التأويلَ فهو معذورٌ بإطلاقٍ، بل يُشتَرَطُ في هذا التأويلِ أن لا يكونَ في أصلِ الدِّينِ الذي هو عبادةُ اللهِ وَحْدَه لا شريك له، وقَبولُ شريعتِه؛ لأنَّ هذا الأصلَ (الشَّهادتين) لا يمكِنُ تحقيقه مع حصولِ الشُّبهة فيه؛ ولهذا أجمع العُلَماء على كُفرِ الباطنيَّة، ولم يعذِروهم بالتأويلِ؛ لأنَّ حقيقةَ مَذهَبِهم الكفرُ بالله تعالى، وعدمُ عبادةِ الله وحده، وإسقاطُ شرائعِ الإسلامِ [1573] يُنظر: رسالة ((ضوابط التكفير)) للقرني (ص: 247). ويُنظر: ((فتوى شيخ الاسلام ابن تيمية في شأن الباطنية)) (35/161). .
قال حبيب بن الربيع: (إنَّ ادِّعاءَ التأويلِ في لَفظٍ صُراحٍ، لا يُقبَلُ) [1574])) يُنظر: ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) للقاضي عياض (2/ 217). .
وقال أبو القاسِمِ الأصبهاني: (المتأوِّلُ إذا أخطأ وكان من أهلِ عَقدِ الإيمان، نُظِرَ في تأويله، فإن كان قد تعلَّق بأمرٍ يُفضي به إلى خلافِ بعضِ كِتابِ اللهِ، أو سُنَّةٍ يُقطَعُ بها العذرُ، أو إجماع؛ فإنَّه يَكفُرُ ولا يُعذَرُ؛ لأنَّ الشُّبهةَ التي يتعلَّقُ بها من هذا ضعيفةٌ، لا يقوى قوَّةً يُعذَرُ بها؛ لأنَّ ما شهد له أصلٌ من هذه الأصول، فإنَّه في غايةِ الوُضوحِ والبيان، فلمَّا كان صاحِبُ هذه المقالة لا يصعُبُ عليه دَرَكُ الحقِّ، ولا يغمُضُ عنده بعضُ موضِعِ الحُجَّة، لم يُعذَرْ في الذَّهابِ عن الحَقِّ، بل عَمِلَ خلافَه في ذلك على أنَّه عنادٌ وإصرار، ومن تعمَّد خلافَ أصلٍ من هذه الأصولِ، وكان جاهلًا لم يقصِدْ إليه من طريقِ العنادِ؛ فإنَّه لا يكفُرُ؛ لأنَّه لم يقصِدِ اختيارَ الكُفرِ، ولا رَضِيَ به، وقد بلغ جُهدَه، فلم يقع له غيرُ ذلك، وقد أعلم اللهُ سُبحانَه أنَّه لا يؤاخِذُ إلَّا بعد البيان، ولا يعاقِبُ إلَّا بعد الإنذار، فقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم ما يَتَّقُونَ [التوبة: 115]، فكُلُّ من هداه الله عزَّ وجلَّ، ودخل في عقد الإسلامِ، فإنَّه لا يخرجُ إلى الكُفرِ إلَّا بعد البيانِ) [1575] يُنظر: ((الحجة في بيان المحجة)) (2/ 551). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (بيانُ الأحكامِ يحصُلُ تارةً بالنَّصِّ الجَلِيِّ المؤكَّدِ، وتارةً بالنَّصِّ الجَليِّ المجرَّدِ، وتارةً بالنَّصِّ الذي قد يعرِضُ لبعض النَّاسِ فيه شبهةٌ بحسَبِ مشيئة الله وحكمتِه. وذلك كُلُّه داخِلٌ في البلاغِ المبينِ، فإنَّه ليس مِن شَرطِ البلاغِ المُبِينِ أن لا يُشكِلَ على أحدٍ، فإنَّ هذا لا ينضَبِطُ، وأذهانُ النَّاسِ وأهواؤهم متفاوتةٌ تفاوتًا عظيمًا، وفيهم من يبلغُه العلمُ، وفيهم من لا يبلغُه؛ إمَّا لتفريطِه وإمَّا لعَجْزِه. وإنَّما على الرَّسولِ البلاغُ المبينُ البيانَ الممكِنَ، وهذا -ولله الحمد- قد حصل منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإنَّه بلَّغ البلاغَ المبينَ، وتَرَك الأمَّةَ على البيضاءِ ليلُها كنهارِها، لا يَزيغُ عنها بعده إلَّا هالِكٌ) [1576] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) (8/ 575، 576). .
وقال ابنُ الوزير: (لا خِلافَ في كُفرِ من جحد ذلك المعلومَ بالضَّرورةِ للجميع، وتستَّرَ باسم التأويلِ فيما لا يمكِنُ تأويلُه، كالملاحِدةِ في تأويلِ جميعِ الأسماءِ الحُسنى، بل جميعِ القُرآنِ والشرائعِ والمعادِ الأُخرويِّ من البعثِ والقيامةِ والجنَّةِ والنَّارِ، وإنَّما يقع الإشكالُ في تكفيرِ من قام بأركانِ الإسلامِ الخمسةِ المنصوصِ على إسلامِ من قام بها، إذا خالف المعلومَ ضَرورةً للبَعضِ أو للأكثَرِ، لا المعلومِ له، وتأوَّل، وعَلِمْنا من قرائن أحوالِه أنَّه ما قصد التكذيبَ أو التبس ذلك علينا في حقِّه، وأظهر التديُّنَ والتصديقَ بجميعِ الأنبياءِ والكُتُبِ الربَّانيَّة مع الخطَأِ الفاحِشِ في الاعتقادِ، ومضادَّة الأدِلَّة الجليَّة عقلًا وسمعًا، ولكِنْ لم يبلُغْ مرتبةَ الزَّنادقةِ) [1577] يُنظر: ((إيثار الحق على الخلق)) (ص: 377)، ((العواصم)) (4/177). .
وقال أيضًا: (من كذَّب اللَّفظَ المنَزَّل أو جَحَده، كفر متى كان ممَّن يُعلَمُ بالضَّرورةِ أنَّه يَعلمُه بالضَّرورةِ، وإنما الكلامُ في طوائفِ الإسلامِ الذين وافقوا على الإيمانِ بالتنزيل، وخالفوا في التأويلِ، فهؤلاء لا يكفُرُ منهم إلَّا مَن تأويلُه تكذيبٌ، ولكِنْ سمَّاه تأويلًا مخادعةً للمسلمين ومكيدةً للدِّينِ، كالقرامطةِ الذين أنكروا وَصْفَ اللهِ تعالى بكونه موجودًا وعالِمًا وقادرًا، ونحو ذلك من الصِّفاتِ التي عَلِمَ الكافَّةُ بالضرورةِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جاء بها على ظاهِرِها) [1578] يُنظر: ((العواصم والقواصم)) (4/176). .
وقال الملَّا علي القاري: (من يُؤَوِّلُ النُّصوصَ الواردة َفي حَشرِ الأجساد، وحدوثِ العالمِ، وعِلْمِ الباري بالجزئيَّاتِ، فإنَّه يكفُرُ؛ لِما عُلِمَ قطعًا من الدِّينِ أنَّها على ظواهِرِها، بخلاف ما ورد في عَدَمِ خلودِ أهلِ الكبائِرِ في النَّارِ؛ لتعارُضِ الأدِلَّةِ في حَقِّهم) [1579] يُنظر: ((شرح الفقه الأكبر)) (ص: 143). .
وقال السَّعديُّ: (القَولُ الفَصلُ في أمثالِ هؤلاء المبتَدِعة المخالفون لِما ثبتت به النُّصوصُ الصَّريحةُ والصَّحيحة: أنَّهم في هذا البابِ أنواعٌ:
من كان منهم عارفًا بأنَّ بِدْعَتَه مخالفةٌ للكِتابِ والسُّنَّة فتَبِعَها ونبَذَ الكتابَ والسُّنَّةَ وراءَ ظَهْرِه، وشاقَّ اللهَ ورسولَه من بعدِ ما تبيَّن له الحَقُّ، فهذا لا شَكَّ في تكفيرِه.
ومن كان منهم راضيًا ببدعته مُعرضًا عن طلب الأدِلَّة الشَّرعيَّة، وطلب ما يجِبُ عليه من العِلمِ الفارقِ بين الحقِّ والباطِلِ ناصرًا لها، رادًّا ما جاء به الكتابُ والسُّنَّةُ مع جَهْلِه وضلالِه، واعتقاده أنَّه على الحَقِّ، فهذا ظالمٌ فاسِقٌ بحسَبِ تَرْكِه ما أوجب اللهُ عليه، وتجَرُّئِه على ما حرَّم الله تعالى.
ومنهم من هو دونَ ذلك.
ومنهم من هو حريصٌ على اتِّباعِ الحَقِّ واجتهد في ذلك، ولم يتيسَّرْ له من يبيِّنُ له ذلك، فأقام على ما هو عليه، ظانًّا أنَّه صوابٌ من القَولِ، غيرَ متجَرِّئٍ على أهلِ الحَقِّ بقَولِه ولا فِعْلِه، فهذا ربما كان مغفورًا له خطؤه. والله أعلم) [1580] ((الإرشاد في معرفة الأحكام)) (ص: 178)، ولمعرفة أقوال العلماء تفصيلًا في الحكم على المتأولين انظر: ((الشفا)) لعياض (2/ 276). .
وقال السعدي أيضًا: (المقصودُ أنَّه لا بدَّ من هذا الملحَظِ في هذا المقامِ؛ لأنَّه وُجد بعضُ التفاصيلِ التي كَفَّر أهلُ العِلمِ فيها من اتَّصَف بها، وثمَّ أُخَرُ من جِنْسِها لم يكَفِّروه بها، والفَرقُ بين الأمرين أنَّ التي جزموا بكُفرِه بها لعَدَمِ التأويل المسوِّغِ وعَدَمِ الشُّبهةِ المقيمةِ لبَعضِ العُذرِ، والتي فصَّلوا فيها القولَ لكثرة التأويلاتِ الواقعةِ فيها) [1581] ((الإرشاد في معرفة الأحكام)) (ص: 179). .
وقال ابنُ حزم: (قد تَسَمَّى باسمِ الإسلامِ من أجمع جميعُ فِرَقِ الإسلام على أنَّه ليس مسلمًا، مِثلُ طوائف من الخوارجِ غَلَوا فقالوا: إنَّ الصَّلاةَ ركعةٌ بالغداةِ، وركعةٌ بالعَشِيِّ فقط …، وقالوا: إنَّ سورةَ يوسف ليست من القرآن،... وطوائِفُ كانوا من المعتزلة ثم غَلَوا فقالوا بتناسُخِ الأرواح،... وآخرون قالوا: إنَّ النبُوَّةَ تُكتَسَبُ بالعَمَلِ الصَّالح، وآخرون كانوا من أهل السُّنَّة فغَلَوا فقالوا: قد يكون في الصالحينَ من هو أفضَلُ من الأنبياءِ ومن الملائكةِ عليهم السَّلامُ، وأنَّ من عَرَف اللهَ حَقَّ معرفتِه فقد سقطت عنهم الأعمالُ والشرائعُ، وقال بعضُهم بحلولِ الباري تعالى في أجسامِ خَلْقِه) [1582] يُنظر: ((الفصل)) (2/ 90). .
حُكمُ المتأَوِّلِ:
حُكمُ المتأوِّلِ من حيث العمومُ هو حُكمُ الجاهِلِ، بل قد يكونُ في بعضِ أحوالِه أولى بالإعذارِ من الجاهِلِ؛ لأنَّ الجاهِلَ من حيث الأصلُ جاهِلٌ بالحَقِّ فقط، وأما المتأوِّلُ فهو مع جَهْلِه بالحَقِّ يدَّعي أنَّ ما هو عليه هو الحَقُّ. ومن كان جَهْلُه لعَدَمِ العِلمِ يكفي في قيام الحُجَّةِ عليه مجرَّدُ بلوغِها، ومن كان جَهْلُه مع ادِّعاءِ أنَّه في مخالفتِه على حَقٍّ، فإنَّه قد لا يكفي في قيام الحُجَّة عليه مجرَّدُ بلوغِها، بل لا بدَّ مع ذلك من إزالةِ شُبهتِه، ومن كان جَهْلُه مع وجودِ شُبهةٍ وتأوَّل، فإنه حتى لو بلغَتْه الحُجَّةُ مع تمكُّنِ الشُّبهةِ منه قد يكونُ معذورًا إذا لم يلتَزِمْ بمقتضى الحُجَّةِ.
روى محمَّدُ بنُ نَصرٍ المَرْوزي عن طارقِ بنِ شِهابٍ قال: (كنتُ عند عليٍّ حين فرغ من قتالِ أهلِ النهروانِ الخوارج، فقيل له: أمُشرِكون هم؟ قال: من الشِّركِ فَرُّوا، فقيل: منافقون؟ قال: المنافِقون لا يذكُرون اللهَ إلَّا قليلًا، قيل: فما هم؟ قال: قَومٌ بَغَوا علينا فقاتَلْناهم) [1583])) يُنظر: ((تعظيم قدر الصلاة)) (2/ 543). .
وقال ابنُ القَيِّمِ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 23]: (أخبر سُبحانَه عن عَدَمِ قابليَّةِ الإيمانِ فيهم، وأنَّهم لا خير فيهم يدخُلُ بسَبَبِه إلى قلوبِهم، فلم يُسمِعْهم سماعَ إفهامٍ ينتفعون به، وإن سمعوه سماعًا تقومُ به عليهم حُجَّتُه) [1584] يُنظر: ((شفاء العليل)) (ص: 259). .
وقال السَّعديُّ: (السَّمعُ الذي نفاه اللهُ عنهم سَمعُ المعنى المؤثِّر في القَلْبِ، وأمَّا سمعُ الحُجَّة فقد قامت حُجَّةُ الله تعالى عليهم بما سمعوه من آياتِه، وإنَّما لم يُسمِعْهم السَّماعَ النَّافِعَ؛ لأنَّه لم يعلم فيهم خيرًا يَصلُحون به لسماعِ آياتِه) [1585] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 318). .
والإعذارُ بالشُّبهةِ، ولو مع بلوغ الحُجَّة إذا تأوَّلها المتأوِّلُ، بحيث نعلَمُ من حالِه أنَّه غيرُ مكَذِّبٍ لها ولا مستَحِلٍّ مخالفتَها، هو منهَجُ سَلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها، وقد يُطلِقون القولَ بكفرِ من قال كذا، كما أطلق أحمدُ بنُ حنبَلٍ القولَ بكُفرِ من قال بخَلقِ القرآن، لكنَّهم لا يلتزمون بذلك في الحُكمِ على كلِّ مُعَيَّنٍ؛ لأنَّ الكلامَ في حُكمِ القَولِ من جهةِ وَصفِه الشَّرعيِّ غيرُ الحُكمِ على المعيَّنِ بذلك الحُكمِ؛ ولذلك لم يُكَفِّر أحمد كلَّ من دعا إلى القَولِ بخَلقِ القرآن بعينه، مع قَولِه: إنَّ القَولَ بخَلقِ القرآنِ كُفرٌ.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (إنَّ التكفيرَ له شُروطٌ وموانعُ قد تنتفي في حقِّ المعَيَّن، وإنَّ تكفيرَ المطْلَقِ لا يستلزمُ تكفيرَ المعَيَّنِ، إلَّا إذا وُجِدت الشُّروطُ وانتفت الموانعُ، يبَيِّن هذا أنَّ الإمامَ أحمد وعامَّةَ الأئمَّة الذين أطلقوا هذه العموماتِ، لم يكَفِّروا أكثَرَ من تكلَّم بهذا الكلامِ بعينِه.
فإنَّ الإمامَ أحمد مثلًا قد باشر الجهميَّةَ الذين دعَوه إلى خَلقِ القرآن، ونَفْيِ الصِّفاتِ، وامتحنوه وسائِرَ عُلَماءِ وقتِه، وفَتَنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهُّمِ بالضَّربِ والحبسِ والقَتلِ والعَزلِ عن الولاياتِ وقَطعِ الأرزاقِ ورَدِّ الشَّهادة وتَرْكِ تخليصِهم من أيدي العدوِّ، بحيث كان كثيرٌ من أولي الأمرِ إذ ذاك من الجهميَّةِ مِن الوُلاةِ والقُضاةِ وغيرهم يُكَفِّرون كلَّ من لم يكن جهميًّا موافقًا لهم على نفيِ الصفاتِ، مِثلُ القَولِ بخَلقِ القرآنِ، ويحكُمون فيه بحُكمِهم في الكافِرِ،… ومعلومٌ أنَّ هذا من أغلَظِ التجَهُّمِ، فإنَّ الدُّعاءَ إلى المقالةِ أعظمُ من قَولها، وإثابةُ قائلِها وعقوبةُ تاركِها أعظَمُ من مجرَّدِ الدُّعاءِ إليها، والعقوبةُ بالقتلِ لقائِلِها أعظَمُ من العقوبةِ بالضَّربِ.
ثمَّ إنَّ الإمامَ أحمد دعا للخليفةِ وغيرِه ممن ضَرَبه وحبسه، واستغفر لهم، وحلَّلهم ممَّا فعلوه به من الظُّلمِ والدُّعاءِ إلى القَولِ الذي هو كُفرٌ، ولو كانوا مرتَدِّين عن الإسلام لم يجُزِ الاستغفارُ لهم؛ فإنَّ الاستغفارَ للكُفَّارِ لا يجوزُ بالكتابِ والسُّنَّة والإجماعِ. وهذه الأقوالُ والأعمالُ منه ومن غيرِه من الأئمَّةِ صريحةٌ في أنَّهم لم يُكَفِّروا المعَيَّنين من الجهميَّةِ الذين كانوا يقولون: القُرآنُ مخلوقٌ، وأنَّ الله لا يُرى في الآخرةِ.
وقد نُقِل عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّه كفَّر به قومًا معيَّنين، فإمَّا أن يُذكَرَ عنه في المسألة روايتانِ، ففيه نظرٌ، أو يُحمَلَ الأمرُ على التفصيلِ، فيقال: من كَفَّره بعينِه فلقيام الدَّليلِ على أنَّه وُجِدت فيه شروطُ التكفيرِ وانتفت موانعُه، ومن لم يكفِّرْه بعينِه فلانتفاءِ ذلك في حقِّه، هذا مع إطلاقِ قَوله بالتكفيرِ على سبيل العموم، والدَّليلُ على هذا الأصلِ: الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والاعتبارُ) [1586] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/487-489). .
وقال أيضًا: (فالإمامُ أحمد رضي الله تعالى عنه ترحَّم عليهم واستغفر لهم؛ لعِلْمِه بأنَّه لم يتبيَّنْ لهم أنَّهم مُكَذِّبون للرَّسولِ، ولا جاحِدون لِما جاء به، ولكن تأوَّلوا فأخطؤوا، وقلَّدوا من قال ذلك لهم) [1587] يُنظر: ((المسائل الماردينية)) (ص: 158). .
وكذلك لم يكفِّرِ ابنُ تَيميَّةَ الذين جادلوه من الجَهميَّة في عصرِه مع تبيينِه أنَّ قَولهم كفرٌ.
وقال أيضًا: (كنتُ أقولُ للجَهميَّةِ من الحُلوليَّةِ [1588] ليس المقصودُ بالحلوليَّةِ هنا أهلُ الحلولِ والاتحادِ، وإنما المقصودُ الجهميَّةُ الذين ينفُون أسماءَ اللهِ وصفاتِه، وكونَه على العرشِ استوى. ، والنُّفاةِ الذين نفوا أنَّ الله تعالى فوق العرش لَمَّا وقعت محنتُهم: أنا لو وافقتُكم كنتُ كافرًا؛ لأني أعلَمُ أنَّ قَولَكم كفرٌ، وأنتم عندي لا تَكفُرون؛ لأنَّكم جُهَّالٌ، وكان هذا خطابًا لعُلَمائِهم وقُضاتِهم وشُيوخِهم وأمرائِهم، وأصلُ جَهْلِهم شُبُهاتٌ عَقليَّة حصلت لرؤوسِهم، في قصورٍ من معرفةِ المنقولِ الصَّحيحِ، والمعقولِ الصَّريحِ الموافِقِ له) [1589] يُنظر: ((الرد على البكري)) (2/ 494). .
وقال أيضًا: (إنَّ المتأوِّلَ الذي قصْدُه متابعةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لا يُكفَّرُ بل ولا يُفسَّقُ إذا اجتَهَد فأخطأ، وهذا مشهورٌ عند النَّاسِ في المسائِلِ العَمَليَّةِ، وأمَّا مسائِلُ العقائِدِ فكثيرٌ من النَّاسِ كفَّر المخطِئين فيها، وهذا القَولُ لا يُعرَفُ عن أحدٍ مِن الصَّحابةِ والتَّابعين لهم بإحسانٍ، ولا عن أحَدٍ مِن أئمَّةِ المسلِمين، وإنما هو في الأصلِ مِن أقوالِ أهلِ البِدَعِ الذين يبتَدِعون بِدعةً ويُكَفِّرون من خالفَهم، كالخوارجِ والمعتَزِلةِ والجَهْميَّةِ) [1590])) يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) (5/ 239). .
وهذا الذي تقَرَّر هو منهجُ أهل السُّنَّة، الذين هم أعلَمُ النَّاسِ بالحَقِّ، وأرحمُهم بالخَلقِ، وأمَّا غيرُهم من الفِرَقِ فقد أسرفوا في تكفير مخالفيهم، بناءً على ما قرَّروه من أنَّ ما هم عليه أصولٌ لا يُعذَرُ أحدٌ بمخالفتِها لشُبهةٍ أو لغيرِ شُبهةٍ، وقد تهافتوا في ذلك من غيرِ ضابطٍ، حتى كَفَّروا مخالفيهم بالجزئيَّاتِ الخَفِيَّة فضلًا عن الظَّاهِرةِ، وبالإلزام فضلًا عن الالتزاماتِ، بل أكثَرُ ما يكَفِّرون به ليس كُفرًا في الأصلِ وحُكمِ الشَّرعِ.
وعَدَمُ الجزمِ بتكفير من تأوَّل لشُبهةٍ، ولو كان تأوُّلُه كُفرًا: مبنيٌّ على أصلٍ، وهو أنَّ من تحقَّق منه ذلك ثبت له وصفُ الإسلامِ بيقينٍ، والحكمُ عليه بالكُفرِ مع تأوُّلِه لا برهانَ له من كتابٍ أو سُنَّةٍ، وأحكامُنا مَبنيَّةٌ على الظَّاهِرِ، وظاهِرُ من كان كذلك لا قَطْعَ فيه بالكُفرِ [1591] يُنظر: ((جامع المسائل)) لابن تيميَّةَ (3/151)، ((إيثار الحق)) لابن الوزير (ص: 393)، ((ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة)) للقرني (ص: 331). .

انظر أيضا: