trial

الموسوعة العقدية

الفَرعُ الثَّاني: الإصرارُ على المعصيةِ


البقاء على المعصيةِ مع العِلمِ بها دونَ استغفارٍ أو توبةٍ [707] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (4/211). .
قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 135].
 قال ابنُ جَريرٍ: (الإصرارُ: الإقامةُ على الذَّنبِ عامِدًا، أو تَرْكُ التَّوبةِ منه) [708] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/67). .
وقال ابنُ عطيَّةَ: (الإصرارُ معناه: اعتزامُ الدَّوامِ على الأمرِ، وتَرْكُ الإقلاعِ عنه، ومنه صَرُّ الدنانير: أي: الرَّبطُ عليها) [709] يُنظر: ((المحرر الوجيز)) (1/510). .
وحُكمُ المُصِرِّ على المعصيةِ عند أهلِ السُّنَّةِ هو حُكمُ مُرتكِبِ الكبيرةِ.
وقد ذكر ابنُ حَجَرٍ الهَيتميُّ أنَّ مِن جملةِ الكبائِرِ: فَرَحَ العبدِ بالمعصيةِ، والإصرارَ عليها، ونسيانَ اللهِ تعالى والدَّارِ الآخرةِ، والأمْنَ مِن مَكرِ اللهِ. فقال:
(الثَّالثةُ والثَّلاثون: فَرَحُ العَبدِ بالمعصيةِ.
الرَّابعةُ والثَّلاثون: الإصرارُ على المعصيةِ.
الخامِسةُ والثَّلاثون: محبَّةُ أن يُحمَدَ بما يفعَلُه مِنَ الطَّاعاتِ.
السَّادسةُ والثَّلاثون: الرِّضا بالحياةِ الدُّنيا والطُّمَأنينةُ إليها.
السَّابعةُ والثَّلاثون: نسيانُ اللهِ تعالى والدَّارِ الآخرةِ.
الثامِنةُ والثَّلاثون: الغضَبُ للنَّفْسِ والانتصارُ لها بالباطلِ) [710] يُنظر: ((الزواجر)) (1/130). ثم ذكَرَ في التَّاسعة والثَّلاثين: (الأمْنَ مِن مَكرِ اللهِ بالاسترسالِ في المعاصي مع الاتِّكالِ على الرَّحمةِ) [711] يُنظر: ((الزواجر)) (1/145). .
فاقترافُ المعاصي بمفرَدِه عند أهلِ السُّنَّةِ لا يُخرجُ من دينِ اللهِ، ولا توقِعُ صاحِبَها في الرِّدَّةِ إن لم يَقتَرِنْ بها سَبَبٌ من أسبابِ الكُفرِ كاستحلالِ المعصيةِ أو الاستهزاءِ بحُكْمِها.
قال الطَّحاوي: (لا نُكَفِّرُ أحدًا من أهلِ القِبلةِ بذَنبٍ ما لم يَستحِلَّه)، ثم عَقَّب على ذلك بقَولِه: (ولا نقولُ: لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذَنبٌ لِمن عَمِلَه) [712] يُنظر: ((العقيدة الطحاوية)) (ص: 60). .
وذلك لأنَّ أهلَ السُّنَّةِ يَرَون أنَّ فِعلَ المعاصي يترتَّبُ عليه العذابُ والعِقابُ الأُخرويُّ الذي أخبر عنه الشَّارعُ لكثيرٍ من المحَرَّمات والمعاصي، وتوعَّد اللهُ به على فِعْلِها في كتابِه وعلى لسانِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّها تؤثِّرُ على الإيمانِ مِن حيثُ زيادتُه ونُقصانُه، لا من حيثُ بَقاؤُه وذَهابُه [713] يُنظر: ((الإيمان)) لنعيم ياسين (ص: 128). .
وكذلك فإنَّ صاحِبَ المعصيةِ المصِرَّ عليها يُخشى عليه عند أهلِ السُّنَّةِ سُوءُ العاقبةِ؛ لأنَّ المعاصيَ بريدُ الكُفرِ، والإكثارُ من مقارفةِ المعاصي قد يؤدِّي إلى الوُقوعِ في الكُفرِ والرِّدَّة -والعياذُ باللهِ، فالاستغراقُ في المعاصي أو الإصرارُ عليها قد يجعَلُها تحيطُ بصاحِبِها وتُنبِتُ النِّفاقَ في قَلْبِه؛ حتى يغطِّيَ قَلْبضه الرَّينُ، ويسُدُّ منه كُلَّ منافذِ الخَيرِ دونَما شعورٍ منه حتى يسقُطَ منه إمَّا عَمَلُ القَلبِ، فينتَكِسُ، ويُبَرِّرُ لصاحِبِه كُلَّ ما يفعَلُه من الشَّرِّ حتى يوقِعَه في استحلالِ المعاصي، وإمَّا يَسقُطُ منه قَولُ القَلبِ فيُنكِرُ بعضَ ما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لتبريرِ مُقتَضَياتِ الهوى والشَّهوةِ [714] يُنظر: ((الإيمان)) لنعيم ياسين (ص: 129). .
قال الله تعالى: بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 81].
وقد نَقَل ابنُ كثيرٍ تفسيرَ السَّلَفِ للسَّيِّئةِ والخطيئةِ في هذه الآيةِ بأنَّها: إمَّا الكُفرُ والشِّركُ، وإليه ذهب ابنُ عبَّاسٍ، وأبو هُرَيرةَ، وأبو وائلٍ، وأبو العاليةِ، ومجاهِدٌ، وعِكْرمةُ، والحسَنُ، وقتادةُ، والرَّبيعُ بنُ أنسٍ، وإمَّا الموجِبةُ أو الكبيرةُ من الكبائِرِ، وإليه ذَهَب السُّدِّي، وأبو رَزينٍ، والرَّبيعُ بنُ خُثَيم ورواية أخرى عن أبي العالية، ومجاهدٍ، والحسَنِ، وقتادةَ، والرَّبيعِ بن أنسٍ [715] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/ 315). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إيَّاكم ومحَقَّراتِ الذُّنوبِ؛ فإنَّهنَّ يجتَمِعْنَ على الرَّجُلِ حتى يُهلِكْنَه، وإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضرب لهم مثلًا كمَثَلِ قَومٍ نَزَلوا بأرضٍ فَلاةٍ، فحَضَر صَنيعُ القَومِ، فجَعَل الرَّجُلُ ينطَلِقُ فيجيءُ بالعُودِ، والرَّجُلُ يجيء بالعودِ، حتى جمعوا سَوادًا، وأجَّجوا نارًا، فأنضَجوا ما قَذَفوا فيها)) [716] أخرجه أحمد (3818)، والطبراني (10/261) (10500) صحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (2687)، وحَسَّنه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (3818)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (5/312)، وجَوَّد إسنادَه العراقي في ((تخرج الإحياء)) (5/283) .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (قَولُه تعالى: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات: 2]؛ لأنَّ ذلك يتضَمَّنُ الكُفرَ، فيقتضي الحُبوطَ وصاحِبُه لا يدري، والمعنى: كراهيةَ أن يَحبَطَ أو خشيةَ أن يَحبَطَ، فنهاهم عن ذلك؛ لأنَّه يُفضي إلى الكُفرِ المقتضي للحُبوطِ، ولا رَيبَ أنَّ المعصيةَ قد تكون سببًا للكُفرِ، كما قال بعضُ السَّلَفِ: (المعاصي بريدُ الكُفرِ) [717] هو أبو حفص عمرو بن سلمة النيسابوري. يُنظر: ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (10/ 229). ، فيُنهى عنها خشيةَ أن تُفضِيَ إلى الكُفرِ المحبِطِ، كما قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور: 63] -وهي الكُفرُ- أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وإبليسُ خالف أمْرَ اللهِ؛ فصار كافرًا، وغيرُه أصابه عذابٌ أليمٌ) [718] يُنظر: ((الإيمان الأوسط)) (ص: 346). .
ومن أخطَرِ الأشياءِ: كراهةُ حُكمِ اللهِ وما شرَعَه، فهو محبِطٌ للعَمَلِ، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: 9].
 قال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ العَبدَ إذا فَعَل الذَّنبَ مع اعتقادِ أنَّ اللهَ حَرَّمه عليه، واعتقادِ انقيادِه لله فيما حَرَّمه وأوجَبَه؛ فهذا ليس بكافِرٍ، فأمَّا إن اعتقد أنَّ اللهَ لم يحَرِّمْه أو أنَّه حَرَّمه لكِنِ امتنع من قَبولِ هذا التحريمِ وأبى أن يُذعِنَ للهِ ويَنقادَ، فهو إمَّا جاحِدٌ أو معانِدٌ؛ ولهذا قالوا: من عصى اللهَ مُستكبِرًا كإبليسَ، كَفَر بالاتِّفاقِ، ومن عصى مُشتَهِيًا لم يَكفُرْ عند أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، وإنَّما يُكَفِّرُه الخوارجُ؛ فإنَّ العاصِيَ المستكبرَ وإن كان مُصَدِّقًا بأنَّ اللهَ رَبُّه، فإنَّ مُعاندتَه له ومحادَّتَه تنافي هذا التصديقَ.
وبيانُ هذا أنَّ من فعل المحارِمَ مُستَحِلًّا لها فهو كافِرٌ بالاتِّفاقِ، فإنَّه ما آمَنَ بالقُرآنِ من استحَلَّ محارِمَه، وكذلك لو استحَلَّها من غيرِ فِعلٍ، والاستحلالُ اعتقادُ أنَّها حلالٌ له وذلك يكونُ تارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ أحَلَّها، وتارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ لم يحَرِّمْها، وتارةً بعَدَمِ اعتقادِ أنَّ اللهَ حرَّمها، وهذا يكونُ لخَلَلٍ في الإيمانِ بالرُّبوبيَّةِ، أو لخَلَلٍ في الإيمانِ بالرِّسالةِ، ويكونُ جَحْدًا محْضًا غيرَ مبنيٍّ على مُقَدِّمةٍ.
وتارةً يَعلَمُ أنَّ اللهَ حَرَّمها، ويعلَمُ أنَّ الرَّسولَ إنَّما حَرَّم ما حَرَّمه اللهُ، ثم يمتَنِعُ عن التزامِ هذا التحريمِ، ويعانِدُ المحَرَّمَ، فهذا أشَدُ كُفرًا من قَبْلِه، وقد يكونُ هذا مع عِلْمِه أنَّ من لم يلتَزِمْ هذا التحريمَ عاقبه اللهُ وعَذَّبه، ثم إنَّ هذا الامتناعَ والإباءَ إمَّا لخَلَلٍ في اعتقادِ حِكمةِ الآمِرِ وقُدرتِه، فيعودُ هذا إلى عَدَمِ التصديقِ بصِفةٍ مِن صفاتِه، وقد يكونُ مع العِلمِ بجميعِ ما يُصَدقُ به تمرُّدًا أو اتباعًا لغَرَضِ النَّفْسِ، وحقيقتُه كُفرُ هذا؛ لأنَّه يعترفُ للهِ ورَسولِه بكُلِّ ما أخبَرَ به، ويصَدِّقُ بكُلِّ ما يُصَدِّقُ به المُؤمِنون، لكِنَّه يَكرَهُ ذلك ويُبغِضُه ويَسخَطُه؛ لعَدَمِ موافقتِه لِمُراده ومُشتَهاه، ويقول: أنا لا أُقِرُّ بذلك، ولا ألتَزِمُه، وأبغِضُ هذا الحَقَّ، وأنفِرُ عنه، فهذا نوعٌ غيرُ النَّوعِ الأوَّلِ، وتكفيرُ هذا معلومٌ بالاضطرارِ مِن دينِ الإسلامِ، والقُرآنُ مملوءٌ من تكفيرِ مثلِ هذا النَّوعِ، بل عقوبتُه أشَدُّ، وفي مثله قيل: (أشَدُّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ عالمٌ لم ينفَعْه اللهُ بعِلْمِه)، وهو إبليسُ ومن سلك سبيلَه.
وبهذا يظهَرُ الفَرقُ بين العاصي؛ فإنَّه يعتَقِدُ وُجوبَ ذلك الفِعلِ عليه، ويحِبُّ ألَّا يفعَلَه، لكِنَّ الشَّهوةَ والنُّفرةَ منعَتْه من الموافقةِ، فقد أتى من الإيمانِ بالتصديقِ والخُضوعِ والانقيادِ، وذلك قَولٌ وعَمَلٌ، لكِنْ لم يَكمُلِ العَمَلُ) [719] يُنظر: ((الصارم المسلول)) (3/970). .
وقال ملَّا علي القاري: (إنَّ استحلالَ المعصيةِ صغيرةً كانت أو كبيرةً -إذا ثبت كونُها معصيةً بدلالةٍ قطعيَّةٍ- وكذا الاستهانةُ بها: كُفرٌ، بأن يَعُدَّها هَيِّنةً سَهلةً، ويرتَكِبُها من غيرِ مُبالاةٍ بها، ويُجريها مجرى المباحاتِ في ارتكابِها) [720] يُنظر: ((شرح الفقه الأكبر)) (ص: 254). .
وجعَلَ ابنُ الهمامِ مَناطَ التكفيرِ هو: (التكذيبَ، أو الاستِخفافَ بالدِّينِ) [721] يُنظر: ((المسايرة)) (ص: 183). .
ولما كانت المعاصي عند أهل السُّنَّة بريدَ الكُفرِ؛ فإنَّ كثيرًا من الأئِمَّةِ قد امتنعوا عن إطلاقِ القَولِ بعَدَمِ تكفيرِ أحَدٍ بذَنبٍ؛ خوفًا من أن يَظُنَّ السَّامِعُ أنَّ الذُّنوبَ والمعاصيَ لا تؤثِّرُ في الإيمانِ بضَعْفِه ونَقْضِه، فهي قد تؤدِّي إلى سقوطِه جملةً بارتكابِ مَعصيةٍ تتضَمَّنُ إمَّا الإنكارَ لِما أمَرَ اللهُ به ورَسولُه، وإمَّا الاستكبارَ عنه أو الاستخفافَ والاستهانةَ بأَمْرِه.
 قال ابنُ أبي العِزِّ: (فطائفةٌ تقولُ: لا نُكَفِّرُ من أهلِ القِبلةِ أحدًا، فتنفي التكفيرَ نفيًا عامًّا، مع العِلمِ بأنَّ في أهلِ القِبلةِ المنافقين الذين فيهم من هو أكفَرُ من اليهودِ والنَّصارى، بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، وفيهم من قد يُظهِرُ بعضَ ذلك حيثُ يمكِنُهم، وهم يتظاهرون بالشَّهادتينِ!
وأيضًا فلا خلافَ بين المُسلِمين أنَّ الرَّجُلَ لو أظهر إنكارَ الواجباتِ الظَّاهرةِ المتواتِرةِ، والمحَرَّماتِ الظَّاهرةِ المتواتِرةِ، ونحوِ ذلك، فإنَّه يُستتاب، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ كافرًا مرتدًّا، والنِّفاقُ والرِّدَّةُ مَظِنَّتُهما البِدَعُ والفُجورُ... ولهذا امتنع كثيرٌ من الأئمَّةِ عن إطلاقِ القَولِ بأنَّا لا نُكَفِّرُ أحدًا بذَنبٍ، بل يقالُ: لا نكَفِّرُهم بكُلِّ ذَنبٍ، كما تفعلُه الخوارجُ، وفَرْقٌ بين النَّفيِ العامِّ، ونفيِ العُمومِ، والواجِبُ إنَّما هو نفيُ العمومِ، مناقَضةً لقَولِ الخوارجِ الذين يُكَفِّرون بكُلِّ ذَنبٍ... فإنهم يقولون: نكَفِّرُ المُسلِمَ بكُلِّ ذنبٍ، أو بكُلِّ ذنبٍ كبيرٍ، وكذلك المعتَزِلةُ الذين يقولون: يحبَطُ إيمانُه كُلُّه بالكبيرةِ، فلا يبقى معه شيءٌ من الإيمانِ... وبقَولِهم بخُروجِه من الإيمانِ أوجبوا له الخُلودَ في النَّارِ.... إنَّ أهلَ السُّنَّةِ متَّفِقون كُلُّهم على أنَّ مرتَكِبَ الكبيرةِ لا يَكفُرُ كُفرًا يَنقُلُ عن الملَّةِ بالكليَّةِ، كما قالت الخوارجُ... ومتَّفِقون على أنَّه لا يخرجُ من الإيمانِ والإسلامِ، ولا يدخُلُ في الكُفرِ، ولا يستَحِقُّ الخُلودَ مع الكافرينَ، كما قالت المعتَزِلةُ) [722] يُنظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) (2/ 433 - 442). .
وقال حافظٌ الحكَميُّ: (لا نُكَفِّرُ بالمعاصي التي قَدَّمْنا ذِكْرَها، وأنَّها لا تُوجِبُ كُفرًا، والمرادُ بها الكبائِرُ التي ليست بشِركٍ، ولا تستَلزِمُه، ولا تنافي اعتقادَ القَلْبِ ولا عَمَلَه... ولكِنْ نقولُ: يَفسُقُ بفِعْلِها، ويُقام عليه الحدُّ بارتكابِها، ويُنقَصُ إيمانُه بقَدْرِ ما تجَرَّأَ عليه منها... عامِلُ الكبيرةِ يَكفُرُ باستحلالِه إيَّاها، بل يكفُرُ بمجَرَّدِ اعتقادِه بتحليلِ ما حَرَّم اللهُ ورَسولُه لو لم يَعمَلْ به؛ لأنَّه حيئنذٍ يكون مُكَذِّبًا بالكتابِ، ومكَذِّبًا بالرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك كُفرٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، فمن جحد أمرًا مجمَعًا عليه معلومًا من الدِّينِ بالضَّرورةِ، فلا شَكَّ في كُفْرِه) [723] يُنظر: ((معارج القبول)) (3/ 1039). .

انظر أيضا: