trial

الموسوعة العقدية

الفَرعُ الثَّاني: مَنزِلةُ الشَّهادَتينِ مِن الإيمانِ


اتَّفَق أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ النُّطقَ بالشَّهادَتينِ شَرطٌ لصِحَّةِ الإيمانِ.
قال النوويُّ تعليقًا على حديثِ: ((أُمِرْتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إلهَ إلَّا اللهُ)) [101] أخرجه مطولًا البخاري (1399) واللَّفظُ له، ومسلم (20) مِن حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. : (فيه أنَّ الإيمانَ شَرطُه الإقرارُ بالشَّهادتينِ مع اعتقادِهما، واعتقادِ جميعِ ما أتى به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [102] يُنظر: ((شرح مسلم)) (1/212). .
وقال النوويُّ أيضًا: (اتَّفَق أهلُ السُّنَّةِ مِن المحَدِّثين والفُقَهاءِ والمتكَلِّمين على أنَّ المؤمِنَ الذي يُحكَمُ بأنَّه مِن أهلِ القِبلةِ، ولا يُخَلَّدُ في النَّارِ، لا يكونُ إلَّا من اعتَقَد بقَلْبِه دينَ الإسلامِ اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشُّكوكِ، ونَطَق بالشَّهادتينِ، فإن اقتَصَر على إحداهما لم يكُنْ من أهلِ القِبلةِ أصلًا) [103] يُنظر: ((شرح مسلم)) (1/149). .
قال العيني: (اتَّفَق أهلُ السُّنَّةِ مِن المحَدِّثين والفُقَهاءِ والمتكَلِّمين على ما قاله النوويُّ: إنَّ المؤمِنَ الذي يحكُمُ بأنَّه من أهلِ القِبلةِ ولا يُخَلَّدُ في النَّارِ، لا يكونُ إلَّا من اعتَقَد بقَلْبِه دينَ الإسلامِ اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشُّكوكِ، ونَطَق بالشَّهادتينِ.
قال: فإن اقتَصَر على أَحَدِهما لم يكُنْ من أهلِ القِبلةِ أصلًا، بل يُخلَّدُ في النَّارِ إلَّا أن يَعجِزَ عن النُّطقِ لخَلَلٍ في لسانِه، أو لعَدَمِ التمَكُّنِ منه لمعاجَلةِ المنيَّةِ، أو لغيرِ ذلك؛ فإنَّه حينئذٍ يكونُ مؤمنًا بالاعتقادِ من غيرِ لفظٍ) [104] يُنظر: ((عمدة القاري)) (1/110). .
فلا بُدَّ من تحَقُّقِ أصلِ الإيمانِ في القَلبِ، ثمَّ التعبيرِ عن تحقُّقِ هذا الأصلِ باللِّسانِ؛ فالشَّهادةُ ليست حِجابًا من الكَلِماتِ التي يُتمتِمُ بها قائِلُها، فترفَعُ عنه السَّيفَ في الدُّنيا، ثمَّ تستُرُه من العذابِ في الآخرةِ، دونَ أن يكونَ لها أيَّةُ حقيقةٍ في قَلْبِه، وفي ظاهِرِ أمْرِه؛ من العِلمِ والمعرِفةِ والتصديقِ بالحَقِّ على ما هو عليه فِعلًا، ثمَّ الخُضوعِ والانقيادِ والاستسلامِ له، ومحبَّتِه والالتزامِ به، وتعظيمِه، ولوازِمِ ذلك كُلِّه؛ مِن كراهيةِ الباطِلِ والانخِلاعِ عنه والتبَرُّؤِ منه، والالتزامِ بشَريعةِ الرَّسولِ، والدُّخولِ في طاعتِه ومحَبَّتِه وتوقيرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [105] يُنظر: ((حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة)) لمحمد عبد الهادي المصري (ص: 33). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (7/638-640)، ((فتاوى نور على الدرب)) لابن باز (1/94). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (اتَّفق المُسلِمون على أنَّه من لم يأتِ بالشَّهادتينِ، فهو كافِرٌ) [106] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/302). .
وقال أيضًا: (فأمَّا "الشَّهادتان" إذا لم يتكَلَّم بهما مع القُدرةِ فهو كافِرٌ باتِّفاقِ المُسلِمين، وهو كافِرٌ باطنًا وظاهرًا عند سَلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها وجماهيرِ عُلَمائِها) [107] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/609). .
وقال ابنُ أبي العِزِّ عند كلامِه على حديثِ شُعَبِ الإيمانِ: (وهذه الشُّعَبُ منها ما يزولُ الإيمانُ بزوالِها إجماعًا كشُعبةِ الشَّهادةِ، ومنها ما لا يزولُ بزَوالِها، كتَركِ إماطةِ الأذى عن الطَّريقِ) [108] يُنظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) (2/476). .
وقال ابنُ رَجَبٍ: (من ترك الشَّهادتين خَرَج من الإسلامِ) [109] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) (1/98). .
وقال ابنُ حَجَرٍ في شرحِ حديثِ: ((يَخرُجُ مِنَ النَّارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وفي قَلْبِه وَزنُ شَعيرةٍ مِن خَيرٍ)) [110] أخرجه مطوَّلًا البخاري (44) واللَّفظُ له، ومسلم (193) من حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ. : (فيه دليلٌ على اشتراطِ النُّطقِ بالتوحيدِ) [111] يُنظر: ((فتح الباري)) (1/104). .
والمقصودُ بالشَّهادتين ليس مجرَّدَ النُّطقِ بهما، بل التصديقُ بمعانيهما، وإخلاصُ العبادةِ للهِ، والتصديقُ بنُبُوَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والإقرارُ ظاهرًا وباطنًا بما جاء به؛ فهذه الشَّهادة هي التي تنفَعُ صاحِبَها عند الله عزَّ وجَلَّ.
وفي الحديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ مخلصًا مِن قَلْبِه أو يقينًا مِن قَلْبِه، لم يدخُلِ النَّارَ)) [112] أخرجه أحمد (22060) واللَّفظُ له، والحميدي (369) من حديثِ معاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه. صحَّحه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (22060)، وصحَّح إسناده على شرط الشيخين: الألبانيُّ في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (3/388)، وقال ابنُ كثير في ((جامع المسانيد والسنن)) (9754): له شواهدُ. ، وفي روايةٍ: ((صِدقًا)) [113] أخرجها البخاري (128) من حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه ، وفي روايةٍ ((غيرَ شاكٍّ)) [114] أخرجها مسلم (27) من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ، وفي روايةٍ: ((مُستيقِنًا)) [115] أخرجها مسلم (31) من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. .
قال محمَّدُ بنُ نَصرٍ المَرْوزيُّ: (قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ لوَفدِ عبدِ القيسِ: ((آمُرُكم بالإيمانِ، ثمَّ قال: أتدرون ما الإيمانُ باللهِ؟ شهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ)) [116] أخرجه مطوَّلًا البخاري (7556)، ومسلم (17) باختلافٍ يسيرٍ. فبدأ بأصلِه، والشَّاهِدُ بلا إلهَ إلَّا اللهُ هو المصَدِّقُ المقِرُّ بقَلْبِه، يشهَدُ بها لله بقَلْبِه ولِسانِه، يبتدئُ بشهادةِ قَلْبِه والإقرارِ به، ثمَّ يُثَنِّي بالشَّهادةِ بلسانِه والإقرارِ به... ليس كما شَهِدت المنافقون إذ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: 1]، قال اللهُ: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، فلم يُكَذِّبْ قُلوبَهم أنَّه حَقٌّ في عينِه، ولكِنْ كَذَّبَهم مِن قَولهِم، فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون: 1] أي: كما قالوا، ثمَّ قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: 1]، فكَذَّبهم من قَولِهم، لا أنَّهم قالوا بألسِنَتِهم باطلًا ولا كَذِبًا، وكذلك حين أجاب النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جِبريلَ بقَولِه: ((الإسلامُ شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ)) [117] أخرجه مسلم (8) باختِلافٍ يسيرٍ مُطَوَّلًا من حديثِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه. لم يُرِدْ شهادةً باللِّسانِ كشَهادةِ المنافقينَ، ولكِنْ أراد شهادةً بَدْؤُها من القَلبِ بالتصديقِ باللهِ بأنَّه واحِدٌ) [118] يُنظر: ((تعظيم قدرة الصلاة)) (2/707). .
وقال أبو العَبَّاسِ القُرْطبيُّ رَدًّا على من زعم أنَّ التلَفُّظَ بالشَّهادتينِ كافٍ في الإيمانِ: (هو مَذهَبٌ معلومُ الفَسادِ من الشريعةِ لِمن وقف عليها، ولأنَّه يلزَمُ منه تسويغُ النِّفاقِ، والحُكمُ للمُنافِقِ بالإيمانِ الصَّحيحِ، وهو باطِلٌ قَطْعًا) [119] يُنظر: ((المفهم على صحيح مسلم)) (1/204). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (تواترت الأحاديثُ بأنَّه ((يَحرُمُ على النَّارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ومن شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ)) ولكن جاءت مقيَّدةً بالإخلاصِ واليَقينِ، وبموتٍ عليها، فكُلُّها مُقَيَّدةٌ بهذه القيودِ الثِّقالِ!) [120] يُنظر: ((تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء)) (1/358). .
وقال محمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ تعليقًا على قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكَفَر بما يُعبَدُ منِ دونِه؛ حَرُم مالُه ودَمُه، وحسابُه على اللهِ)) [121] أخرجه مسلم (23) باختلافٍ يسيرٍ من حديثِ طارقِ بنِ أشيَمَ الأشجعيِّ رَضِيَ اللهُ عنه. : (وهذا من أعظَمش ما يُبَيِّنُ معنى (لا إلهَ إلَّا اللهُ)، فإنَّه لم يجعَلِ التلفُّظَ بها عاصمًا للدَّمِ والمالِ، بل ولا مَعرِفةَ معناها مع لَفْظِها، بل ولا الإقرارَ بذلك، بل ولا كَونَه لا يدعو إلَّا اللهَ وَحْدَه لا شريكَ له، بل لا يَحرُمُ مالُه ودَمُه حتى يُضِيفَ إلى ذلك الكُفرَ بما يُعبَدُ من دونِ اللهِ، فإن شَكَّ أو توقَّفَ، لم يَحرُمْ مالُه ودَمُه، فيا لها من مسألةٍ! ما أعظَمَها وأجَلَّها! ويا له من بيانٍ! ما أوضَحَه! وحُجَّةٍ ما أقطَعَها للمُنازِعِ!) [122] يُنظر: ((كتاب التوحيد)) (ص: 26). .

انظر أيضا: