trial

الموسوعة العقدية

المطلب الثامن: شدة حرها وعظم دخانها وشرارها، وزمهريرها


قال الله تعالى: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [ الواقعة:41-44]
قال ابن عباس: (من دخان) وكذا قال مجاهد وعكرمة وغير واحد ((تفسير الطبري)) (23/129-130). ، وعن مجاهد قال: (ظل من دخان جهنم وهو السموم) ((تفسير القرطبي)) (17/213). وقال أبو مالك: (اليحموم ظل من دخان جهنم) ((المحرر الوجيز)) لابن عطية (5/222)، ((تفسير البحر المحيط)) لأبي حيان الأندلسي (8/157). قال الحسن وقتادة في قوله: لاَّ بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ: (لا بارد المدخل ولا كريم المنظر) ((زاد المسير)) لابن الجوزي (8/144) عن ابن عباس رضي الله عنه. , والسموم: هو الريح الحارة, قاله قتادة وغيره ((تفسير البحر المحيط)) لأبي حيان (5/440). .
وهذا الآية تضمنت ذكر ما يتبرد به في الدنيا من الكرب والحر، وهو ثلاثة، الماء, والهواء, والظل، فهواء جهنم، السموم وهو الريح الحارة الشديدة الحر، وماؤها الحميم الذي قد اشتد حره، وظلها اليحموم, وهو قطع دخانها أجارنا الله من ذلك كله بكرمه ومنه.
وقال تعالى: انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [ المرسلات:30], قال مجاهد: (هو دخان جهنم: اللهب الأخضر, والأسود, والأصفر الذي يعلو النار إذا أوقدت).
قال السدي: في قوله: إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [ المرسلات:32] قال: (زعموا أن شررها ترمي به كأصول الشجر ثم يرتفع فيمتد).
وقال القرظي: (على جهنم سور, فما خرج من وراء سورها يخرج منها في عظم القصور, ولون القار) رواه الطبري في تفسيره (24/137). .
وقال الحسن والضحاك في قوله: كَالْقَصْرِ: (هو كأصول الشجر العظام) رواه الطبري في تفسيره (24/138). .
وقال مجاهد: (قطع الشجر والجبل) ((تفسير الطبري)) (24/137)، ((تفسير السمعاني)) (6/131). .
وصح عن ابن مسعود قال: (شرر كالقصور والمدائن) ((الكشف والبيان)) للثعلبي (10/110). . وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ يقول: كالقصر العظيم) رواه الطبري في تفسيره (24/137). .
وفي (صحيح البخاري) عن ابن عباس قال: (كنا نرفع من الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل, نرفعه للشتاء نسميه القصر) رواه البخاري (4932). .
وقوله: كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ قال ابن عباس: (حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض تكون كأوساط الرجال) رواه البخاري (4933). وقال مجاهد: (هي حبال الجسور) رواه الطبري في تفسيره (24/140-141). . وقالت طائفة: (هي الإبل) منهم الحسن وقتادة والضحاك رواه الطبري في تفسيره (24/140). وقالوا: (الصفر هي السود). وروي عن مجاهد أيضاً ((تفسير الطبري)) (24/139-140). .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: جِمَالَتٌ صُفْرٌ قال: (يقول قطع النحاس) رواه الطبري في تفسيره (24/141). .
قال الله عز وجل: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ [الرحمن:35] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ ويقول: لهب النار وَنُحَاسٌ يقول: دخان النار) رواه الطبري في تفسيره (23/47). ، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو صالح وغيرهما: أن النحاس دخان النار ((تفسير الطبري)) (23/47). ، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ قال: (دخان) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (ص: 3270). ، وقال أبو صالح: (الشواظ: اللهب الذي فوق النار ودون الدخان) ((تفسير ابن كثير)) (7/497). ، قال منصور عن مجاهد: (الشواظ، هو اللهب الأخضر المتقطع) وعنه قال: (الشواظ قطعة من النار فيها خضرة) ((تفسير الطبري)) (23/46)، و((تفسير ابن كثير)) (7/497). .
قال الحسين بن منصور: أخرج الفضيل بن عياض رأسه من خوخة, فقال منصور عن مجاهد: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ [ الرحمن:35] ثم أدخل رأسه فانتحب ثم أخرج رأسه، فقال: هو اللهب المنقطع, ولم يستطع أن يجيز الحديث لم أقف عليه. .
وخرج النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرئ أبداً)) رواه الترمذي (1633)، والنسائي (6/12)، وأحمد (2/505) (10567)، والحاكم (4/288). قال الترمذي: حسن صحيح، والحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (4/117). التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار لابن رجب - ص: 110 – 112
أما حرها فقال تعالى: وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: 81] وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا فنفسني, فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من سمومها, وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها)) رواه البخاري (537)، ومسلم (617). .
وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ناركم هذه ما يوقد ابن آدم جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم)) قالوا: والله إن كانت لكافية قال: ((إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها)) رواه البخاري (3265)، ومسلم (2843). .
وخرجه الإمام أحمد وزاد فيه: ((وضربت بالبحر مرتين, ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد)) رواه أحمد (2/244) (7323). قال ابن كثير في ((تفسير القرآن)) (4/129): إسناده صحيح، وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) (3666). وتقدم.
وخرج الإمام عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((إن النار هذه جزء من مائة جزء من جهنم)) رواه أحمد (2/379) (8910)، والمنذري في ((الترغيب والترهيب)) (4/337). وقال: رواته رواة الصحيح، وقال ابن كثير في ((نهاية البداية والنهاية)) (2/123): إسناده على شرط مسلم، وفي لفظه غرابة، وصحح إسناده السيوطي في ((البدور السافرة)) (323). وروى الطبراني: ((أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي بعثك بالحق لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره)) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (3/89) (2583). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/389): فيه سلام الطويل وهو مجمع على ضعفه‏‏، وقال الألباني في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (5401): موضوع. .
قال الحافظ ((التخويف من النار)) (ص: 94). : (وروي عن الحسن مرسلاً من وجه ضعيف، والحديث تكلم فيه والله تعالى أعلم).
وقال كعب الأحبار رحمه الله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها.)
وقال عبد الملك بن عمير: (لو أن أهل النار كانوا في نار الدنيا لقالوا فيها).
وقال بشير بن منصور: قلت لعطاء السلمي رحمه الله: (لو أن إنساناً أوقدت له نار وقيل له: من دخل هذه النار نجا من النار، فقال عطاء: لو قيل لي ذلك لخشيت أن تخرج نفسي فرحاً قبل أن أقع فيها) ((التخويف من النار)) (ص: 93-95). .
فإن قلت قد ذكرت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((أن هذه النار جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)) رواه البخاري (3265)، ومسلم (2843). وفي حديث آخر ((من مائة جزء)) رواه أحمد (2/379) (8910)، والمنذري (4/337). وقال: رواته رواة الصحيح، وقال ابن كثير في ((نهاية البداية والنهاية)) (2/123): إسناده على شرط مسلم، وفي لفظه غرابة، وصحح إسناده السيوطي في ((البدور السافرة)) (323). وكلا الحديثين ثابت عنه صلى الله عليه وسلم.
قلت: لفظة سبعين وسبعمائة وسبعة آلاف ونحوها كثيراً ما يراد به التكثير كقوله تعالى: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ [التوبة: 80] وهذا كثير جداً في كلام العرب أو يقال: إن هذين الحديثين وردا بحسب اختلاف النارين اللتين من نار الدنيا, وكل أحد يشاهد أن بعض نار الدنيا أقوى وأشد حر من بعض، هذا معلوم بالحس لا ينكره أحد والله تعالى أعلم.
وأما زمهريرها
فروي أن بيتاً في جهنم يتميز فيه الكافر من برده يعني يتقطع ويتمزع وقال مجاهد: (إن في النار لزمهريراً يقيلون فيه، يهربون إلى ذلك الزمهرير فإذا وقعوا حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة النار)) (152). .
وعن عبد الملك بن عمير أنه قال: (بلغني أن أهل النار يسألون خازنها أن يخرجهم إلى حَبَّانها فأخرجهم فقتلهم البرد حتى رجعوا إليها فدخلوها مما وجدوا من البرد) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة النار)) (151). .
وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن كعباً رضي الله عنه قال: (إن في جهنم برداً هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحر جهنم) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (5/370). .البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – 3/1343


انظر أيضا: