trial

الموسوعة العقدية

المبحث الأول: كل أمة تتبع الإله الذي كانت تعبده


في ختام هذا اليوم يحشر العباد إما إلى الجنة وإما إلى النار، وهما المقرّ الأخير الذي يصير إليه العباد جميعاً، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يطلب من كل أمة في آخر ذلك اليوم أن تتبع الإله الذي كانت تعبده، فالذي كان يعبد الشمس يتبع الشمس، والذي كان يعبد القمر يتبع القمر، والذي كان يعبد الأصنام تصور لهم آلهتهم ثم تسير أمامهم ويتبعونها، والذين كانوا يعبدون فرعون يتبعونه، ثم إن هذه الآلهة الباطلة تتساقط في النار، ويتساقط عبادها وراءها في السعير، كما قال تعالى: في فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:98].
ولا يبقى بعد ذلك إلا المؤمنون وبقايا أهل الكتاب، وفي المؤمنين المنافقون الذين كانوا معهم في الدنيا، فيأتيهم ربهم، فيقول لهم: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيعرفونه بساقه عندما يكشفها لهم، وعند ذلك يخرون له سجوداً، إلا المنافقون فلا يستطيعون يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: 42]، ثم يتبع المؤمنون ربهم، وينصب الصراط ويعطى المؤمنون أنوارهم، ويسيرون على الصراط، ويطفأ نور المنافقين، ويقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، ثم يضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، ويمر العباد على الصراط مسرعين بقدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة. روى مسلم في (صحيحه) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبر أهل الكتاب. فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا، فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ما تبغون؟ فيقولون: عطشنا، يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنهم سراب، يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فماذا تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئاً (مرتين أو ثلاثاً) حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب. فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم.
قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم))
رواه مسلم (183). . وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة في وصف المرور على الصراط، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وترسل الأمانة والرحم، فتقومان على جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي، أي شيء كالبرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمرُّ ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمرّ الريح، ثم كمرِّ الطير وشدِّ الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب، سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، قال: وعلى حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به. فمخدوش ناج، ومكدوس في النار)) رواه مسلم (195). . وروى مسلم في (صحيحه) عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبدالله يسأل عن الورود، فقال: نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر إلى ذلك فوق الناس، قال: فتدعى الأمم بأوثانها، وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك. قال: فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن نوراً، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفاً لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء.. رواه مسلم (191). . وروى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في إجابته للصحابة عندما سألوه عن رؤيتهم الله: ((هل تُضارُّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله، ومنهم المخردلُ، ثم ينجوا)) رواه البخاري (7437)، ومسلم (182). . وقد دلت هذه النصوص الصحيحة الصريحة الواضحة على عدة أمور مهمة، فقد ذكرت حشر الكفار إلى النار، ومسير المؤمنين إلى الجنة على الصراط، وخلاص المؤمنين من المنافقين، كما أشارت في جملتها إلى معنى الورود على النار الذي نص الله عليه في قوله: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم:71] القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص 263


انظر أيضا: