الموسوعة العقدية

المطلب الثالث: هذا الحشر في الدنيا


هذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون في الدنيا، وليس المراد به حشر الناس بعد البعث من القبور, وقد ذكر القرطبي أن الحشر معناه الجمع وهو على أربعة أوجه:
حشران في الدنيا وحشران في الآخرة:
أما حشران الدنيا: فالأول: إجلاء بني النضير إلى الشام.
والثاني: حشر الناس قبل القيامة إلى الشام وهي النار المذكورة هنا في الأحاديث ((تفسير القرطبي)) (18/2) و ((التذكرة)) (ص: 198). 
وكون هذا الحشر في الدنيا هو الذي أجمع عليه جمهور العلماء كما ذكر ذلك القرطبي, وابن كثير, وابن حجر, وهو الذي تدل عليه النصوص كما تقدم بسطها.
وذهب بعض العلماء كالغزالي ((فتح الباري)) (11/379) و ((التذكرة)) (ص: 199).  والحليمي إلى أن هذا الحشر ليس في الدنيا ((المنهاج في شعب الإيمان)) (1/442).      وإنما هو في الآخرة.
وذكر ابن حجر أن بعض شراح (المصابيح) حمله على الحشر من القبور, واحتجوا على ذلك بعدة أمور:
أن الحشر إذا أطلق في عرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور ما لم يخصه دليل.
أن هذا التقسيم في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى الشام, لأن المهاجر لا بد أن يكون راغباً, أو راهباً, أو جامعاً بين الصفتين.
أن حشر البقية على ما ذكر, وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة, وملازمتها حتى لا تفارقهم قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل الشقوة من غير توقيف.
أن الحديث يفسر بعضه بعضاً, وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة, وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن علي بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة بلفظ: ((ثلاثاً على الدواب، وثلاثاً ينسلون على أقدامهم, وثلاثاً على وجوههم)) وهذا التقسيم الذي في هذا الخبر موافق لما جاء في سورة الواقعة في قوله تعالى: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً [ الواقعة: 7] ((فتح الباري)) (11/380).     
والإجابة عما احتجوا به يتخلص فيما يأتي:
أن الدليل قد جاء بأن هذا الحشر في الدنيا كما سبق ذكر الأحاديث في ذلك.
أن التقسيم المذكور في آيات سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة, فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر, ويسرة من الزاد, راغباً فيما يستقبله, راهباً فيما يستدبره, وهم الصنف الأول في الحديث. ومن توانى حتى قلَّ الظهر اشتركوا فيه وهم الصنف الثاني. والصنف الثالث هم الذين تحشرهم النار وتسحبهم الملائكة.
أنه تبين من شواهد الأحاديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة, وإنما هي نار تخرج في الدنيا أنذر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجها, وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة.
أن الحديث الذي احتجوا به من رواية علي بن زيد وهو مختلف في توثيقه لا يخالف الأحاديث التي بينت أن هذا الحشر في الدنيا, وقد وقع في حديث علي بن زيد المذكور عند الإمام أحمد أنهم ((يتقون بوجوههم كل حدب وشوك)) رواه أحمد (2/354) (8632). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وحسن إسناده ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (5/167)، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (16/265): إسناده حسن. , وأرض الموقف يوم القيامة أرض مستوية لا عوج فيها, ولا أكمة, ولا حدب, ولا شوك ((فتح الباري)) (11/380).     
قال النووي: قال العلماء: وهذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة وقبيل النفخ في الصور بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ((تحشر بقيتهم النار تبيت معهم وتقيل, وتصبح وتمسي)) الحديث رواه مسلم (2861) بلفظ: ((...وتحشر بقيتهم النار. تبيت معهم حيث باتوا. وتقيل معهم حيث قالوا: وتصبح معهم حيث أصبحوا. وتمسي معهم حيث أمسوا)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (17/194).
وقال الحافظ ابن كثير بعد ذكر للأحاديث الواردة في خروج النار مبيناً أن هذا الحشر في الدنيا: (فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى محلة المحشر، وهي أرض الشام.. وهذا كله مما يدل على أن هذا في آخر الزمان حيث الأكل والشرب, والركوب على الظهر المشترى وغيره, وحيث تهلك المتخلفين منهم النار, ولو كان هذا بعد نفخة البعث لم يبق موت، ولا ظهر يشترى، ولا أكل ولا شرب, ولا لبس في العرصات) ((النهاية في الفتن والملاحم)) (1/186) تحقيق د. طه زيني.        
وأما حشر الآخرة فإنه قد جاء في الأحاديث أن الناس مؤمنهم وكافرهم يحشرون حفاة عراة غرلاً بهماً, ففي الصحيح عن ابن عباس قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنكم تحشرون حفاة عراة غرلاً كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ[ الأنبياء: 104] )) رواه البخاري (6526).
قال ابن حجر: (ومن أين للذين يبعثون بعد الموت عراة حفاة حدائق حتى يدفعونها في الشوارف؟) ((فتح الباري)) (11/382).     
فدل هذا على أن هذا الحشر يكون في الدنيا قبل يوم القيامة، ومن ذهب إلى خلاف ذلك فقد جانب الحق والله تعالى أعلم.أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: 334

انظر أيضا: