trial

الموسوعة العقدية

المطلب الخامس: عذاب الميت ببكاء الحي


((عندما طُعِن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل عليه صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، واصاحباه، فقال عمر رضي الله عنه: يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت يُعَذَّب ببعض بكاء أهله عليه)) رواه البخاري (1286)، ومسلم (927). . وقد أنكرت عائشة رضي الله عنها أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال هذا الحديث، ففي (صحيح البخاري) ((أن ابن عباس ذكر لعائشة ما قاله عمر بعد وفاته، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، حسبكم القرآن وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: 18])) رواه البخاري (1286). ، وقد أولت عائشة رضي الله عنها هذا الحديث أكثر من تأويل، ورد ذلك عنها في الصحاح والسنن انظر: ((فتح الباري)) (3/152). .
وها هنا أمران: الأول هل قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديث؟ قال القرطبي: (إنكار عائشة ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضاً، ولم يسمع بعضاً بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح) انظر: ((فتح الباري)) (3/154). .
الثاني: كيف يعذب ببكاء أهله عليه، وليس ذلك من فعله، والله يقول: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: 18].
للعلماء في ذلك أجوبة أحسنها ما قاله البخاري في ترجمة الباب الذي وضع الحديث تحته، قال رحمه الله تعالى: (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته) لقول الله تعالى: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: 6]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته)) رواه البخاري (893) مسندا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة رضي الله عنها وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: 18] وممن ذهب هذا المذهب الترمذي رحمه الله، فإنه روى حديث عمر رضي الله عنه بلفظ: ((الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) رواه الترمذي (1002). وقال: حديث عمر حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)). ثم قال: (قال أبو عيسى (هو الترمذي): حديث عمر حديث حسن صحيح، وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت، قالوا: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وذهبوا إلى هذا الحديث، وقال ابن المبارك: أرجو إن كان ينهاهم في حياته، أن لا يكون عليه من ذلك شيء) ((سنن الترمذي)) (3/326). . وهذا الفقه للحديث هو مذهب القرطبي رضي الله عنه، فإنه قال: (قال بعض العلماء أو أكثرهم: إنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا كان البكاء من سنة الميت واختياره، كما قال:


إذ أنا مت فانعيني بما أنا أهله




وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد

وكذلك إذا وصى به) ((التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة)) (ص: 102). .
(وقد كان النواح ولطم الخدود وشق الجيوب من شأن أهل الجاهلية، وكانوا يوصون أهاليهم بالبكاء، والنوح عليهم، وإشاعة النعي في الأحياء، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم، وموجوداً في أشعارهم كثيراً، فالميت تلزمه العقوبة في ذلك لما تقدم إليهم في وقت حياته) كذا قال ابن الأثير ((جامع الأصول في أحاديث الرسول)) (ص: 102). .
وينبغي أن ينبه هنا إلى لفظ البخاري، فقد جاء فيه: ((يعذب ببعض بكاء أهله عليه)) الحديث لفظه لمسلم (927)، ورواه البخاري (1286) بلفظ: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)). . ولا يعذب بكل البكاء، فالبكاء الذي تدمع فيه العين، ولا شق، ولا لطم معه لا يؤاخذ صاحبه به، وقد جاءت في ذلك نصوص كثيرة. وقد تعرض العلامة ابن تيمية للمسألة وضعف مذهب البخاري والقرطبي وابن عبدالبرَّ ومن سلك مسلكهم في فقه الأحاديث التي أخبرت أن الميت يعذب ببكاء الحي، فقد قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر النصوص الواردة في ذلك: (وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف، واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، فهو مخالف لقوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: 18]، ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث الصحيحة.
فمنهم من غلَّط الرواة لها، كعمر بن الخطاب وغيره، وهذه طريقة عائشة والشافعي، وغيرهما. ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصى به فيعذب على إيصائه، وهو قول طائفة كالمزني، وغيره.
ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كان عادتهم، فيعذب على ترك النهي عن المنكر، وهو اختيار طائفة منهم جدي أبو البركات، وكل هذه الأقوال ضعيفة جداً) ((مجموع الفتاوى)) (24/370). وقد رد قول الذين ردوا هذه الأحاديث بنوع من التأويل، فقال: (والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو موسى الأشعري وغيرهم، لا ترد بمثل هذا، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لها مثل هذا نظائر، ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه، ولا يكون الأمر كذلك، ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئاً) ((مجموع الفتاوى)) (24/370). . ثم بين رحمه الله تعالى أن عائشة وقعت في مثل ما فرت منه، قال: (وعائشة رضي الله عنها روت عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظين – وهي الصادقة فيما نقلته – فروت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه)) رواه مسلم (929). ، وهذا موافق لحديث عمر، فإنه إذا جاز أن يزيده عذاباً ببكاء أهله، جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله، ولهذا رد الشافعي في (مختلف الحديث) هذا الحديث نظراً إلى المعنى، وقال الأشبه روايتها الأخرى: ((إنهم يبكون عليه، وإنه ليعذب في قبره)) رواه مسلم (931). ((مجموع الفتاوى)) (24/371). .
ورد قول الذين ظنوا أن الحديث يفيد معاقبة الإنسان بذنب غيره، فقال: (والذين أقروا هذا الحديث على مقتضاه، ظن بعضهم أن هذا من باب عقوبة الإنسان بذنب غيره، وأن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، واعتقد هؤلاء أن الإنسان يعاقب بذنب غيره، فجوزوا أن يدخل أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم) ((مجموع الفتاوى)) (24/371). وبعد أن أطال النفس في هذه المسألة: مسألة دخول أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم، وأن هذا ليس بصواب من القول، وأن الحق أن الله لا يعذب إلا من عصاه، وأن الذين لم يبتلوا يمتحنون في عرصات القيامة، قال: (وأما تعذيب الميت: فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: (يعذب)، والعذاب أعمُّ من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقاباً له على ذلك السبب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((السفر قطعة من العذاب، يمْنَعُ أحدكم طعامه وشرابه)) رواه البخاري (1804)، ومسلم (1927). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، فسمى السفر عذاباً، وليس هو عقاباً.
والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة، والأرواح الخبيثة، والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشَمِّ هذا، ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملاً له عوقب عليه، فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة، وإن لم تكن النياحة عملاً له، يعاقب عليه؟
والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس، ويتألم برؤية بعضهم، وبسماع كلامهم، ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصي فإنهم يتألمون بها، كما جاءت بذلك الآثار، فتعذبهم بعمل المعاصي عند قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم، ثم النياحة سبب العذاب) ((مجموع الفتاوى)) (24/371). .
وهذا الفقه الذي صار إليه الشيخ العلامة جاءت بعض الأحاديث دالة عليه، فعن النعمان بن بشير، قال: ((أغمي على عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا قيل لي، أنت كذلك ؟! فلما مات لم تبك عليه)) رواه البخاري (4268). ، بل إن هذا المعنى ورد صريحاً في الحديث الذي يرويه أبو موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من ميت يموت، فيقوم باكيه، فيقول: واجبلاه ! واسيداه ! أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت)) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب رواه الترمذي (1003). وقال: هذا حديث حسن غريب، وصححه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (2/385)، وقال ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (2/140): ورواه الحاكم وصححه وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير، وحسنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)). ، وقال الحافظ في (التلخيص) بعد سياقه لهذا الحديث: (ورواه الحاكم وصححه، وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير) ((التلخيص الحبير)) لابن حجر (2/140). . وينبغي أن ينبه هنا أنه ليس كل ميت يناح عليه يعذب بالنياح عليه، فقد يندفع حكم السبب بما يعارضه – كما يقول ابن تيمية – كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة، والأرواح والصور الخبيثة. ثم ذكر أن أحاديث الوعيد يذكر فيها السبب، وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك، إما بتوبة مقبولة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بشفاعة شفيع مطاع، وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته. وبين في خاتمة كلامه أن ما يصيب الميت المؤمن من عذاب في قبره بما نيح عليه يكفر الله به عن سيئاته ((مجموع الفتاوى)) (24/375). . القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص 62

انظر أيضا: