trial

الموسوعة العقدية

المبحث الثامن: أن الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظه


ميز الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم عن سائر الكتب بأن تعهد بحفظه فقال عز شأنه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]...
القرآن وحده هو الذي تعهد الله بحفظه، أما التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، فقد أوكل الله حفظها إلى أهلها، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ [المائدة: 44]، الآية..
وانظر بعين البصيرة، واخترق بنورها حواجز القرون، فسترى حتماً معجزة إلهية في هذا الكتاب المبين، وإن شئت فقل معجزة في المعجزة، تكالب الأعداء عليه منذ أول إشعاعة له، وتداعت الأمم عليه، وتآمر المتآمرون، وخطط المخططون، على وجه ما كان من الممكن أن ينجو منهم, فلا تتبدل فيه كلمة زيادة أو نقصاً، ولا يختلف فيه حرف تقديماً أو تأخيراً، لولا أن هناك قوة أكبر لا يستطيعها بشر، تولت حفظ هذا الكتاب. أول ما نزل كان المشركون يلغون عند تلاوته، ويطاردون صاحبه، ويحاربون أتباعه، ويصرفون الناس عن سماعه، ما تركوا وسيلة إلا سلكوها، ولا مطية إلا ركبوها، وخابوا وخسروا.
وحين دخل الناس في الإسلام، دخل معهم أرباب نحل وملل يريدون تحطيم الحصون الإسلامية من الداخل، ونشأت فرق، وكثر النزاع، وعمت الفتن، وطمت المحن، وذهبت كل فرقة تلتمس لها سنداً من القرآن، ومن السنة، وما كان بعض أصحاب الفرق ليتردد أو ليحجم عن التحريف في القرآن الكريم لو استطاع ذلك، لا يمنعه عنه خوف من الله أو احترام لكتابه، فالذي يجرؤ على الافتراء على الرسول صلى الله عليه وسلم لن يعدم جرأة على الافتراء على الكتاب الذي جاء به.
فاستطاع أولئك أن يفتروا في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ما احتاج إلى جهود علماء أعلام، حتى قاموا بتنقيتها من افتراءات المفترين، ودحض شبهات الملحدين، حتى ظلت كما كانت محجة بيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك.
فحين قال الزنديق لهارون الرشيد رحمه الله تعالى: أين أنت من أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم، أحرم فيها الحلال، وأحلل فيها الحرام، ما قال النبي صلى الله عليه وسلم منها حرفاً، أجابه هارون: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري, وعبد الله بن المبارك، ينخلانها نخلاً، فيخرجانها حرفاً حرفاً ((تاريخ الخلفاء)) السيوطي (ص: 194)، و((الأسراء المرفوعة)) ملا علي القارئ (ص: 62). .
هكذا تجرأوا على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما القرآن فلم يجرؤ أحد منهم على شيء من ذلك.
وحين قامت دولة الإسلام، واتسعت رقعته، حسبت طائفة أن المهمة انتهت، وأن العقيدة انتشرت، ووصلت في الأرض مداها، فركنوا إلى الدعة، وآثروا السكون، فالتمس الأعداء منهم هذه الغفلة، فتداعوا عليهم، وجيشوا الجيوش، وجمعوا الجموع، وصبوا جام غضبهم على العالم الإسلامي في أرضهم، يهدمون بيوتهم ومساكنهم.. وفي أرواحهم.. يقتلونهم رجالاً, ونساء, وأطفالاً، كباراً وصغاراً، وفي تراثهم.. يحرقون كتبهم, ومؤلفاتهم, وعلومهم.
صليبيون.. وتتار.. ومغول.. وباطنية.. وملاحدة.. ثم استعمار بأبشع صوره، وأردأ أشكاله، يستولي على العقول، فيسلخها من الدين، ويجردها من الأخلاق، وينشر الفسق، والمجون، والبدع، والمنكرات، وصوراً من الجهل، والدجل، والشعوذة.. حتى أعجزوهم عن حماية أنفسهم، أو عقيدتهم، أو أرضهم، أو أعراضهم، أو أخلاقهم، حتى عقولهم باعوها بالرخيص لأولئك فقلدوهم في مساوئهم, ولم يدركوا الأخذ بمحاسنهم، إن كان فيهم محاسن.
بلبلوا أفكارهم، ورموهم في متاهات العقول، وراجت بينهم الشعارات البراقة: التقدم.. التطور.. العلمانية.. الحداثة.. البنيوية.. التحرر.. الثورية.. التجديد.. القومية.. الاشتراكية.. الشيوعية.. شعارات جوفاء يرددونها لا يفقهون لها معنى, أو لا يدركون لها مرمى. مع كل هذا التفكك في العالم الإسلامي.. وكل هذا التأثير من الأعداء فإنهم لم يستطيعوا تحريف, أو تبديل, أو أدنى تغيير في هذا الكتاب، ولم يكونوا من الزاهدين، ولا عنه من المتورعين، فهم أحرص الناس لو كانوا يستطيعون.
استطاعوا الدس في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم, وفي تاريخ المسلمين, وشوهوا قيادات إسلامية حكيمة، وزوروا أحداثاً، وحطموا دولاً ومجتمعات، واتخذوا لهم زعامات أظهروها في صور الأبطال أو المصلحين، أو أدعياء النبوة، حتى القرآن دسوا الشبهات في علومه ومعارفه، في نزوله وجمعه، في تفسيره... الخ.
لكن شيئاً واحداً مع كل هذه الظروف, وكل هذه الأحداث, وكل هذه القدرات والمحاولات, والمكر, والكيد، لم يستطيعوه، ألا وهو زيادة حرف, أو نقص حرف، فضلاً عن الكلمة, أو تقديم جملة على جملة، أو تغيير عبارة بأخرى في هذا القرآن.
هذا لم يستطيعوه.. ولم يدركوه، ولو اجتمعوا له، كانت المطابع عندهم قبل أن يعرفها المسلمون بسنوات طوال، وكان عندهم من السلطة والقوة، ما يستطيعون به طبع مصاحف مزورة، وترويجها بين المسلمين قبل أن يعرفوا المطابع، أو في مجتمع لم يصل إليه المصحف، حاولوا ذلك لكن محاولاتهم كلها تبوء بالفشل، وتعود عليهم بالخسار المادي، والفكري، فقد كان المسلمون في هذه الناحية أقوى منهم، وإن كانوا أضعف في كل شيء، وما هذه القوة إلا من: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].
وأنى التفتنا يمنة أو يسرة، فلن نجد كتاباً يشارك القرآن في هذه الخاصية.
دونكم التوراة والإنجيل، التحريف فيهما أشهر من أن يذكر، لم يحرفهما الخصوم، بل حرفهما أهلهما وبأيديهم.
دونكم المؤلفات الهائلة التي ألفت بعد نزول القرآن بقرون وقرون، لا تجدون أبداً مخطوطتين لكتاب واحد يتطابقان تماماً، فلابد من الاختلاف في كلمة أو جملة، تصحيفاً أو تحريفاً، أو تغييراً أو تبديلاً، إن لم يكن هناك اختلاف في فصول أو أبواب، وإن لم يكن هناك نقصان من مخطوطة وزيادة في أخرى، ما الذي ميز القرآن الكريم عن هذا، والنساخ هم النساخ، لا تجد نسخة تختلف عن الأخرى، لا أقول في جملة، ولا في كلمة، ولا في حرف، ولكن في شكل لكلمة، إلا اختلاف في القراءات المشروعة، وليس هذا باختلاف، بل هو زيادة في الحفظ، فالحفظ للقراءات المتواترة، من حفظ القرآن: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: 157


انظر أيضا: