trial

الموسوعة العقدية

تاسعا: الآثار الإيمانية لاسم الله الحيي


اعلم – بارك الله فيك – بأن أعظم الحياء ينبغي أن يكون من الله تعالى، الذي نتقلب في نعمه وإحسانه الليل والنهار، ولا نستغني عنه طرفة عين، ونحن تحت سمعه وبصره، لا يغيب عنه من حالنا وقولنا وفعلنا شيء. فهو الذي خلقنا وهو الذي رزقنا، فنطعم من خيره، ونتنفس من جوه، ونعيش على أرضه، ونستظل بسمائه، وآلاؤه غمرتنا من المهد إلى اللحد وإلى ما بعد ذلك من خلود طويل في الجنة إن شاء الله تعالى. فكيف لا نستحي منه؟ وكيف نقابل كل هذه النعم بالإساءة؟!
ويتولد الحياء من (المعرفة بعظمة الله وجلاله وقدرته، لأنه إذا ثبت تعظيم الله في قلب العبد، أورثه الحياء من الله والهيبة له، فغلب على قلبه ذكر إطلاع الله العظيم إلى ما في قلبه وجوارحه، وذكر المقام غدا بين يديه، وسؤاله إياه عن جميع أعمال قلبه وجوارحه، وذكر دوام إحسانه إليه، وقلة الشكر منه لربه، فإذا غلب ذكر هذه الأمور على قلبه، هاج منه الحياء من الله، فاستحيى من الله أن يطلع على قلبه، وهو معتقد لشيء مما يكره، أو على جارحة من جوارحه، يتحرك بما يكره، فطهر قلبه من كل معصية، ومنع جوارحه من جميع معاصيه) ((تعظيم قدر الصلاة)) (2/826). .
فمن استحيى من ربه حق الحياء، حفظ القلب وما وعى، والرأس وما وحوى. وعرف ما خلق له من عبادة ربه، فآثر ما يبقى على ما يفنى ((المجموعة الكاملة)) (6/45)، للعلامة السعدي رحمه الله. .
عن سعيد بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: ((أوصيك أن تستحي الله عز وجل، كما تستحي رجلاً صالحاً من قومك)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (6/145)، وأحمد في ((الزهد)) (ص: 46). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع الصغير)) (2541). .
فقل لنفسك: لو كان رجل من صالحي قومي يراني، أو يسمع كلامي، لاستحيت منه، فكيف لا أستحي من ربي تبارك وتعالى، ثم لا آمن تعجيل عقوبته وكشف ستره؟!
فإن من علم أن الله يراه حيث كان، وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر.
قال القحطاني رحمه الله:


وإذا خلوت بريبة في ظلمة




والنفس داعية إلى الطغيان


فاستحي من نظر الإله وقل لها




إن الذي خلق الظلام يراني ((نونية القحطاني)) (ص: 90).

وكان ابن السماك ينشد:


يا مدمن الذنب أما تستحي




والله في الخلوة ثانيكا

عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك)) قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: ((إن استطعت أن لا يرينها أحد، فلا يرينها)) قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خالياً؟ قال: ((الله أحق أن يستحيى منه من الناس)) رواه أبو داود (4016)، والترمذي (2794)، وابن ماجه (1572)، وأحمد (5/3) (20046)، والحاكم (4/199). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه الترمذي، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن القطان في ((أحكام النظر)) (94). .
فقد (أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل: أن يستر عورته، وإن كان خالياً لا يراه أحد، أدباً مع الله، على حسب القرب منه، وتعظيمه وإجلاله، وشدة الحياء منه، ومعرفة وقاره) ((تهذيب المدارج)) (ص: 711). .
فإن أصل أعمال القلوب الحياء، فمن (اتصف بالحياء من الله، فقد انصبغ قلبه بمعرفة الله وحبه، وخوفه ورجائه، والتحبب إليه مهما أمكن) ((المجموعة الكاملة)) (5/67)، للعلامة السعدي رحمه الله. .الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: 246


انظر أيضا: