trial

الموسوعة العقدية

رابعا: الآثار الإيمانية لاسم الله المحسن


إن الله يحب من خلقه التعبد بمعاني أسمائه وصفاته، فهو جميل يحب الجمال، محسن يحب الإحسان، ولذا كتب الإحسان على كل شيء.
عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله محسن يحب الإحسان، فإذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قلتم فأحسنوا)) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (6/40) (5735). قال ابن القيسراني في ((ذخيرة الحفاظ)) (4/1984): [فيه] محمد بن بلال قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. .
وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتين أنه قال: ((إن الله محسن يحب الإحسان، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة؛ وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، ثم ليرح ذبيحته)) رواه الطبراني (7/275) (7121). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1824). .
فإذا كان العبد مأموراً بالإحسان إلى من استحق القتل من الآدميين، وبإحسان ذبحة ما يراد ذبحه من الحيوان، فكيف بغير هذه الحالة؟ ((بهجة قلوب الأبرار)) (ص: 119).
عن كليب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن)) رواه الطبراني (19/199) (16118)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (4/335). وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1891، و8037). .
قال ابن القيم رحمه الله:


والله لا يرضى بكثرة فعلنا




لكن بأحسنه مع الإيمان


فالعارفون مرادهم إحسانه




والجاهلون عموا عن الإحسان ((الكافية الشافية)) (ص: 70).

والإحسان هو غاية الوجود الإنساني. قال جل جلاله: الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ [الملك: 2]. وقال تعالى: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: 30] . وقال سبحانه: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: 7] ، (ولم يقل: أكثر عملاً، فإذا عرف العبد أنه خلق لأجل أن يختبر في إحسان العمل، كان حريصاً على الحالة التي ينجح بها في هذا الاختبار؛ لأن اختبار رب العالمين يوم القيامة، من لم ينجح فيه جر إلى النار، فعدم النجاح فيه مهلكة، وقد أراد جبريل عليه السلام أن ينبه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عظم هذه المسألة وشدة تأكدها، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم في حديثه المشهور: يا محمد – صلوات الله وسلامه عليه – أخبرني عن الإحسان؟ أي: وهو الذي خلق الخلق من أجل الاختبار فيه، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن طرقه الوحيدة هي هذا الواعظ الأكبر, والزاجر الأعظم، الذي هو طريق المراقبة والعلم فقال: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) رواه البخاري (50)، ومسلم (9). .) ((العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير)) (5/200). .
والإحسان نوعان: إحسان في عبادة الله وهو: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) رواه البخاري (50)، ومسلم (9). . فهذان مقامان: أحدهما: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه؛ فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله، فيراقبه في حركاته, وسكناته, وسره وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.
والثاني: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى الله ويشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين.
فمن وصل إلى هذا المقام، فقد وصل إلى نهاية الإحسان، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان، فعرف ربه وأنس به في خلوته، وتنعم بذكره, ومناجاته, ودعائه ((فتح الباري)) (1/211-213)، لابن رجب الحنبلي رحمه الله. .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس من أهل البدو، فقالوا: يا رسول الله! قدم علينا أناس من قرابتنا، فزعموا أنه لا ينفع عمل دون الهجرة والجهاد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حيثما كنتم، فأحسنوا عبادة الله، وأبشروا بالجنة)) رواه البيهقي (9/17) (17553). .
والإحسان إلى المخلوقين (هو بذل المعروف القولي والفعلي والمالي إلى الخلق. فأعظم الإحسان تعليم الجاهلين، وإرشاد الضالين، والنصيحة لجميع العالمين.
ومن الإحسان: إعانة المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، وإزالة ضرر المضطرين، ومساعدة ذوي الحوائج على حوائجهم، وبذل الجاه والشفاعة للناس في الأمور التي تنفعهم.
ومن الإحسان المالي: جميع الصدقات المالية، سواء كانت على المحتاجين، أو على المشاريع الدينية العام نفعها.
ومن الإحسان: الهدايا والهبات للأغنياء والفقراء، خصوصاً للأقارب والجيران، ومن لهم حق على الإنسان من صاحب ومعامل وغيرهم.
ومن أعظم أنواع الإحسان: العفو عن المخطئين المسيئين، والإغضاء عن زلاتهم، والعفو عن هفواتهم) ((فتح الرحيم الملك العلام)) (ص: 112-113). .
ومن كانت طريقته الإحسان، أحسن الله جزاءه. قال تعالى: هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ [الرحمن: 60]، وهذا استفهام بمعنى التقرير؛ أي: هل جزاء من أحسن في عبادة الله وإلى عباد الله إلا أن يحسن الله جزاءه. وقال تعالى: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: 26] ؛ فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وقال تعالى: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195] ومحبة الله هي أعلى ((فتح الرحيم الملك العلام)) (ص: 111-112). ما تمناه المؤمنون، وأفضل ما سأله السائلون، وسببها من العبد أن يكون من المحسنين في عبادته وإلى عباده، فينال من محبة الله ورحمته بحسب ما قام به من الإحسان ((شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري)) (1/59). .
ومحبته – تبارك وتعالى – لعبده المؤمن شيء فوق إنعامه، وإحسانه، وعطائه، وإثابته، فإن هذا أثر المحبة وموجبها، أما هي فأعظم من ذلك وأشرف.الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: 148

انظر أيضا: