موسوعة الأخلاق

نماذج مِن حِلْم العلماء المعاصرين


حِلْم الشَّيخ ابن باز:
قبل سنتين مِن وفاته رحمه الله، كان في الطَّائف، وفي يومٍ مِن الأيَّام جاء سماحته مِن الدَّوام، ودخل مجلسه، فحيَّا الجموع التي كانت تأتي كالعادة إليه، وفي هذه الأثناء دخل عليه رجلٌ ثائر، ومعه أوراق يطلب فيها شفاعة الشَّيخ؛ ليحصل على مال؛ ليتزوَّج، فشرع الرَّجل يتكلَّم بصوت مرتفعٌ أزعج الحاضرين في المجلس، فوجَّهه سماحة الشَّيخ بما يلزم، وقال: اذهب إلى فلان في بلدكم الفلاني، واطلب منه أن يكتب لكم تزكية، ويقوم باللَّازم، ثمَّ يرفعه إلينا، ونحن نكمل اللَّازم، ونرفع إلى أحد المحسنين في شأنك.
فقال الرَّجل: يا شيخ ارفعها إلى المسؤول الفلاني -يعني أحد المسؤولين الكبار- فقال سماحة الشَّيخ: ما يكون إلَّا خير، فرفع الرَّجل صوته، وأخذ يكرِّر: لابدَّ أن ترفعها إلى فلان، وما زال يردِّد، وما زال الشَّيخ يلاطفه، ويرْفق به، ويعِدُه بالخير، حتى إنَّ الحاضرين تكدَّروا، وبدا الغضب مِن على وجوههم، بل إنَّ بعضهم هَمَّ بإخراج الرَّجل، ولكنَّهم تأدَّبوا بحضرة الشَّيخ. ولم يرغبوا بالتَّقدُّم بين يديه. فقال الرَّجل: يا شيخ! عمري يزيد على الخمسين، وما عندي زوجة، وما بقي مِن عمري إلَّا القليل، فتبسَّم سماحة الشَّيخ، وقال: يا ولدي إن شاء الله، ستتزوَّج، ويزيد عمرك إن شاء الله على التَّسعين، وسنعمل ما نستطيع في تلبية طلبك.
فما كان مِن ذاك الرَّجل الثائر المستوفز [1287] المستوفز الذي رفع أليتيه ووضع ركبتيه. ((لسان العرب)) لابن منظور (14/132). إلَّا أن تَبلَّجت أساريره، وأقبل على سماحة الشَّيخ، وأخذ برأس الشَّيخ يُقَبِّله، ويدعو له، فلمَّا همَّ بالانصراف، ودَّع الشَّيخ، فقال له سماحته: لا نسمح لك؛ غداؤك معنا، فقال: يا شيخ أنا على موعد، فقال له الشَّيخ: هذا الهاتف اعتذر، فما زال يحاول التَّخلُّص، وما زال سماحة الشَّيخ يلحُّ عليه بتناول الغداء، ولم يقبل سماحته الاعتذار إلَّا بعد لَأْيٍ [1288] لْأَي: شدة وإبطاء. ((لسان العرب)) لابن منظور (15/237). وجَهْد.
حينئذٍ تعجَّب الحاضرون مِن تحمُّل الشَّيخ، وأصبحت تُرَى الدَّهشة بادية على وجوههم، فكأنَّه أعطاهم درسًا عمليًّا في فضل الحِلْم، وحميد عاقبته [1289] ((جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز -رحمه الله-)) لمحمد إبراهيم الحمد. بتصرُّف (ص 220).

انظر أيضا: